٣٩٤ - مسألة: (امتثال) الأمر يدل على الإجزاء وبه قال عامة الفقهاء (والمتكلمين)، وقال عبد الجبار، ومن (تابعه) من المعتزلة لا يدل على الإجزاء (إلا بدليل آخر).
ومعنى قولنا إنها مجزية: أنها إذا فعلت بكمال شروطها، كفت وأجزأت في إسقاط التعبد بالأمر فلا يجب قضاؤها.
[ ١ / ٣١٦ ]
٣٩٥ - دليلنا: قول النبي ﷺ للخثعمية:"أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيه أكان يجزيه؟ قالت: نعم" فعقلت (من الأداء بما وجب) الإجزاء فكان هذا أصلًا مقررًا عند النبي ﷺ وعندها ولهذا ردها إليه فأقرت به. فدل على أن امتثال الأمر يحصل به الإجزاء.
فإن قيل: فقد قالت: أفيجزيه أن أحج عنه؟ فتوقفت عن ذلك في الحج وسألت عن الإجزاء: فدل على أن الإجزاء يحتاج إلى دليل.
قلنا إنما توقفت لأن الأمر لم يتوجه إليها وإنما توجه إلى أبيها، فسألت: هل يجزيء فعل عن الغير لأن عبادات/٤١ ب الأبدان لا يفعلها الغير عن الغير، فهذا مكان إشكال، فسألت النبي ﷺ عن بيانه
[ ١ / ٣١٧ ]
(لها) فلما أوضحه (الرسول) (لها) ورده إلى الأصل المقرر علمته.
٣٩٦ - دليل ثان: أنا نقول لا يحسن من الحكيم أن يقول لعبده افعل كذا فإذا فعلته كما أمرتك لم يجزك وعليك القضاء لما في ذلك من التناقض فلما لم يجز أن يصرح به لم يكن (معقولًا منه).
٣٩٧ - دليل ثالث: أنا نقول: الفعل إنما لزمه بالأمر، فإذا فعل ذلك على حسب ما يتناوله الأمر فقد امتثل الأمر فيجب أن يجزيء لأنه خرج عن عهدة (التعبد) بالأمر وعاد كما (كان) قبل الأمر (وصار) بمنزلة السيد إذا قال لعبده افعل ففعل لم يبق عليه شيء من ناحية أمره ويحسن إذا قال له: أفعلت؟ فيقول: فعلت ويكون خبره صدقًا.
٣٩٨ - دليل رابع: أنا نقول إنه لا طريق إلى الإجزاء إلا بامتثال الأمر، كما أنه لا طريق إلى كونه غير مجزيء إلا (المخالفة بترك) الامتثال، ولهذا يخبر أنه مطيع إذا فعل وبأنه عاص إذا لم يفعل
[ ١ / ٣١٨ ]
٣٩٩ - دليل خامس: أنا نقول: إن قولنا يجزيء أي أنه) يكفي في إسقاط التعبد بها (ألا ترى أنه) لا فرق بين قول القائل: هذا الشيء يكفيني، وبين قوله: هذا الشيء يجزئني، والمعقول من ذلك أنه يكفي في الغرض، فكذا في العبادة أنه يكفي ويجزيء في إسقاط التعبد الذي لزم بالأمر.
٤٠٠ - احتج الخصم بأن قال: قولنا لا يجزيء معناه أنه يجب القضاء، وقد يفعل الإنسان المأمور ويلزمه القضاء، ألا ترى أنه (يؤمر أن) يمضي في الحجة الفاسدة ويؤمر (بالإمساك في) الصوم الفاسد، كاليوم الذي يظن أنه من شعبان ثم تبين أنه من رمضان ويؤمر أن يصلي مع عدم الماء والتراب بغير طهارة ثم يجب قضاء جميع ذلك فدل على أن الإجزاء لا يحصل بامتثال الأمر وإنما يحصل بدليل آخر.
الجواب: أنا نقول: يدل على أن فعل المأمور به يمنع لزوم القضاء، فإن القضاء للعبادة المؤقتة هو فعل يوقع بعد خروج وقتها بدلًا من فعلها في وقتها، وذلك يكون إما لأن العبادة ما فعلت أصلًا أو فعلت على وجه الفساد، وذلك غير حاصل لأنه قد فعلها في وقتها بكمال شروطها على وجه الصحة فلم يتصور لزوم القضاء.
فأما قولهم في الحجة الفاسدة والإمساك (في الصوم
[ ١ / ٣١٩ ]
الفاسد) والصلاة أنه امتثل الأمر فلا نسلم، لأنه لم يأت بالمأمور على ما اقتضاه الأمر فيبقى التعبد الواجب بالأمر في ذمته بخلاف هذا، فإنه أتى بالمأمور على كماله وصحته فبرأت ذمته (منه).
جواب آخر: أن فعل تلك الأشياء مع عدم شروطها (لا يجزيء) في إسقاط الأمر بها، فأما أن يجزيء في إسقاط الأمر بالحجة الصحيحة (والصوم الصحيح والصلاة الصحيحة) التي يسقط بها الفرض (فلأن) التعبد الصحيح (قد) امتثل.
٤٠١ - احتج بأن الأمر لا يدل على أكثر من الإيجاب وإرادة المأمور (به) فأما الإجزاء وسقوط الفرض فلا يدل عليه لفظ الأمر، فافتقر إلى دليل آخر.
الجواب: أنا نقول: الأمر يتضمن إيجاد المأمور به وامتثاله، فإذا أوجده وامتثل ما أمر به، برئت ذمته عن حكم الأمر، فعاد إلى ما كان (عليه) قبل الأمر، فلا يجب عليه فعل غيره إلا بدليل.
[ ١ / ٣٢٠ ]
٤٠٢ - احتج بأنه قد يؤمر أن يدخل مع الإمام إذا أدركه وقد رفع من الركوع، ثم لا تجزئه الركعة، وكذا يصلي مع النجاسة ويلزمه القضاء.
الجواب: أنه أمر بالدخول/٤٢ أمعه لإدراك الجماعة وقد أدرك (ذلك) وأجزأه، وكذا أمر بالصلاة لشغل الوقت وقد وجد ذلك، وذلك فرض يتعلق في تلك الحالة وهو غير الفرض الواجب عليه في الأصل، وعلى أنا نقول قد أجزأت الركعة والصلاة بالنجاسة، والقضاء وجب (بأمر) مستأنف فسقط الدليل.
٤٠٣ - احتج بأن قال: عندكم قد يأمره بما لا يريده، فلم لا يجوز أن يأمره بما لا يجزيء عنده؟
الجواب عنه: أنه إذا أمره بالشيء ففعله (فقد) أراد فعله، فكذلك إذا فعله يجب أن يجزيء فعله لتصح الموازنة.
جواب آخر: أنا لا نعلم بالأمر أن الشيء مجزيء، وإنما نعلم (أنه) مجزيء بالامتثال كما لا نعلم أنه مراد (ولكن) إذا فعله علمنا أنه مراد.