مسألة
تجوز رواية الحديث على المعنى، إذا كان راويه عارفًا، وأبدل اللفظ بما يقوم مقامه وسد مسده، نحو أن يقول مكان قوله "الجالس وسط الحلقة ملعون": القاعد، ومكان (صبوا على بول الأعرابي)، أريقوا (على بول الأعرابي) نص عليه في رواية الميموني والفضل بن زياد، وأبي الحارث ومهنا
[ ٣ / ١٦١ ]
وحرب: تجوز الرواية على المعنى، وما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى.
فأما إن بدله بما هو أظهر منه معنى أو أخفى، فلا يجوز، لأنه قد يجوز أن يكون مقصود الرسول أن يعرف الحكم باللفظ الجلي تارة وبالخفي أخرى، وبه قال عامة العلماء.
وحكى عن ابن سيرين وجماعة من السلف، وبعض الشافعية وأبي بكر الرازي: أنه لا يجوز العدول عن لفظ العدول عن لفظ النبي ﷺ.
[ ٣ / ١٦٢ ]
دليلنا: ما روى أبو محمد الخلال، بإسناده عن ابن مسعوتد قال: سئل النبي ﷺ فقيل: إنك تحدثنا حديثًا لا نقدر (نسوقه) كما نسمعه، فقال: "إذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث"، وعن واثلة بن الأسقع: لا بأس إذا قدمت أو أخرت إذا أصبت المعنى، وعن عائشة نحو ذلك.
دليل آخر: أنه لا يخلو أن يكون نقل الحديث، لأجل
[ ٣ / ١٦٣ ]
لفظه، أو لأجل لفظه ومعناه، أو لأجل معناه فقط، لا يجوز أن يكون لأجل لفظه، لأن الإجماع يدفع ذلك، ولا لأجل اللفظ والمعنى، لأنه لو كان (كذلك) لوجب تلاوة اللفظ، ولا دليل في عقل ولا شرع يقتضي كوننا متعبدين بتلاوة لفظ النبي ﷺ، فبقي: أنه يجب نقله لأجل المعنى، وهذا الغرض حاصل، إذا عدل الراوي إلى لفظ يقوم مقام لفظ الرسول ﵇.
دليل آخر: الشهادة آكد من الخبر، ثم ثبت أنه لو أقر عند الشاهدين رجل بالفارسية، جاز لهما نقل إقراره إلى الحاكم بالعربية، وكذلك الإقرار بين يدي الحاكم. ولهم أن يقولوا: الشهادة حجتنا، فإنه لو أتى بغير لفظ الشهادة، فقال: أعلم أو أعرف أن لفلان على فلان كذا وكذا لم تقبل شهادته والفقهاء يسلمون هذا، ويقوى عندي أن الشاهد إذا قال: أعلم أو أعرف أو أتحقق أو أتيقن، أن لفلان على فلان كذا، أن الحاكم يقبل ذلك لأن ظنه يقوى بذلك، كما يقوى بقوله أشهد.
دليل آخر: أن يجوز نقل (عن غير) النبي ﷺ بالمعنى، فكذلك (قول النبي ﷺ) ولا فرق بينهما في الرواية، لأن الكذب محظور فيهما، والتبديل بما ليس في المعنى غلط فيهما.
[ ٣ / ١٦٤ ]
فإن قيل: إلا أن الكذب على النبي ﷺ متوعد عليه بالنار.
(قلنا): الكذب قبيح وفاعله مأثوم، سواء كان عن النبي ﷺ أو عن غيره، قال ﷺ: "علامة المنافق إذا حدث كذب"، وقال: "ويل لمن يكذب ليضحك الناس منه ويل له ثم ويل له"، على أن أكثر ما في كون أحدهما كبيرة، وهو الكذب على النبي ﷺ، والكذب على غيره صغيرة.
واحتج بقوله ﵇: "رحم الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه".
الجواب: من حفظ المعنى فقد أدى الحديث كما سمعه، ألا
[ ٣ / ١٦٥ ]
ترى أن المترجم والشاهد، يقال: أدى ما سمع وكذلك من أبلغ إنسانًا رسالة فحفظ معناها.
جواب آخر ذكرته: أن المراد بذلك على طريق الاحتياط في حق من لا يفهم المعنى، مخافة أن يبدله بما ليس في معناه ولهذا قال ﵇: "رب حامل فقه ليس بفقيه"، معناه لا يفهم معناه (فيبدله) بغيره، وكذلك: "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"، معناه: يفهم منه ما لا يفهمه.
قيل: المراد بهذا: الاستحباب، ولهذا رغب فيه بالدعاء، ولم يتوعد كما توعد في الكذب.
احتج: بأنه لفظ صاحب الشرع، فلا يجوز (بغيره)، كلفظة في الأذان والتشهد.
الجواب: أنه جمع بغير علة، ثم الفرق: أنا متعبدون بألفاظ التشهد والأذان ولهذا نؤمر بحفظها، وتلاوتها، ونثاب على ذلك، ولهذا (أمرنا) أن نقول: كما يقول المؤذن، (تعبدا، أو) لأن الإعلام يحصل بذلك، وقال ابن مسعود "كان النبي ﷺ يلقننا
[ ٣ / ١٦٦ ]
التشهد، كما يلقننا السورة من القرآن" وليس كذلك الخبر، فإن الغرض ما يتعلق به (من) الأحكام، دون لفظه، ولهذا ليس في تكرار لفظه بغير حفظ ثواب يتعلق بعينه، ثم ليس قياسكم على التشهد بأولى من قياسنا على الشهادة.
واحتج: بأنه قد يكون في لفظ النبي ﷺ (معان) تتضح لقوم وتخفى على آخرين، ولهذا روى البراء بن عازب "سمعني النبي ﷺ أقول: آمنت بكتابك الذي أنزلت، ورسولك الذي أرسلت فقال: ونبيك الذي أرسلت".
الجواب: أنا إنما نجيز الرواية بالمعنى لمن أحاط علمًا بمعناه، ولم
[ ٣ / ١٦٧ ]
يكن مما يختلف فيه (المقصد)، كالذي بينا في أول المسألة، فأما نقل كلام الرسول في قوله: زوجتكها، فروى ملكتكها، لا يجوز لأنه يتعلق (به) (أنه) يجوز النكاح بغير لفظ التزويج والإنكاح، وأما قوله مكان نبيك رسولك، فهو جائز في باب الإخبار عنه، وإنما رد عليه ها هنا، لأن المعنى يختلف، لأن الرسالة (طرأت) على النبوة، فكان نبيًا ثم أرسل، فقيل: ونبيك الذي أرسلت، ولم يكن رسولًا (وأرسل)، (وكانت) رسالته طرأت على إرساله، كما روى أن شعيبًا ﵇ أرسل إلى أصحاب مدين، وإلى أصحاب الأيكة. (والله أعلم بالصواب).
[ ٣ / ١٦٨ ]