مسألة
خبر الواحد لا يقتضي العلم، قال في رواية الأثرم: إذا جاء الحديث عن النبي ﷺ بإسناد صحيح فيه حكم، أو فرض عملت به، ودنت الله تعالى به، ولا أشهد أن النبي ﷺ قال ذلك، فقد نص على أنه لا يقطع به، وبه قال جمهور العلماء.
وروى عنه حنبل: أنه قال في أحاديث الرؤية: نعلم أنها حق نقطع على العلم بها، وبه قال جماعة من أصحابنا وأصحاب الحديث وأهل الظاهر.
وقال النظام: يقتضي العلم إذ اقترن به قرينة، كرجل يخبر
[ ٣ / ٧٨ ]
(بموت) ابنه ويسمع في داره الواعية (وتحضر) الجنازة.
وجه الأول: أن خبر لو اقتضى العلم (لاقتضاه كل خبر واحد، سواء كان الراوي ثقة أو غير ثقة، ألا ترى أن خبر التواتر أوجب العلم)، لا فرق بين أن يرويه عدول أو فساق، ولوجب أن يقع العلم بخبر كل من يشهد على إنسان بمال أو كل من يدعي النبوة ولم (يقل) هذا أحد، ولأنه لو أوجب خبر الواحد العلم لجاز أن يعارض التواتر، وينسخ به القرآن، ولا يجوز ذلك، ولأن الواحد منا يسمع خبر الواحد، فلا يوجب له العلم، حتى أن منها ما لا يوجب سماعه غلبه الظن، ولأنه يجوز عليه الكذب والسهو الغلط، فلا يجوز أن يقع به العلم، وعكسه التواتر.
ويدل على النظام: (بأنه) لا يوجب العلم بمجرده، فلم يوجبه مع القرينة، لجواز الكذب في القرينة، لأن الإنسان قد يخبر بموت ابنه، ويأمر من في داره بالصراخ، ويحضر الجنازة ليوهم السلطان موته فيخلص منه، ومن عقابه ويهرب منه،
[ ٣ / ٧٩ ]
وقد يكون في الدار مريض فيموت غيره فجأة، فيكون الصراخ لموت ذاك، لا لموت المريض أو يصيب المريض سكتة، فيظن موته، فيخبر به، ويحمل النعش إلى بابه ولم يمت، فلم تكن القرينة موجبة للعلم مع الخبر، لكنها توجب قوة الظن.
احتج الأولون: بقوله تعالى ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم أمرنا بالعمل بخبر الواحد، فثبت أن ذلك يوجب لنا العلم.
الجواب: أن التعبد بخبر الواحد لا يقتضي القول على الله سبحانه بما لا نعلم، لأنه قد قام عندنا الدليل القاطع/ على وجوب العمل بخبر الواحد، وإذا علمنا به، وقلنا قد تعبدنا بذلك، فقد قلنا على الله ما نعلم، وقفينا (ما) لنا به علم، ولأن العمل لا يقف على العلم، وإنما يجب بغلبة الظن، كما يجب على الحاكم أن يحكم بالشاهدين، والعامي أن يعمل بقول المفتي، وكما يعمل بالقياس.
احتج النظام: بأنه إذا جاء رسول من السلطان إلى الجيش
[ ٣ / ٨٠ ]
يخبرهم: بأنه أمرهم بالرجوع إليه، وعلمنا أن عقوبة السلطان تردعه عن الكذب، وأنه لا داعي له إلى الكذب، علمنا: أنه لم يكذب، وإذا لم يكذب، علمنا صدقه، وكذلك إذا كان مهتمًا بأمر متشاغلًا به، فسئل عن غيره، فيخبر عنه في الحال، فيعلم: أنه لم يفكر فيه، فيدعوه إلى الكذب داع، علمنا صدقه، وكذلك. إذا أخبر عن نفسه بما يوجب قطعًا أو قتلًا، أو خرج مشقوق الثياب صارحًا، فأخبر بموت ابنه، وسمعنا الواعية في (داره) علمنا أنه لا يكذب في ذلك أوجب لنا العلم بصدقه.
الجواب: أن جميع ذلك لا يوجب العلم، لأن رسول السلطان، قد يشتبه عليه الذي أمره به السلطان، فيخبر بغيره، وإن لم يتعمد الكذب، وقد يرغب بالمال (الكثير) (أن يفعل ذلك)، فيفعله (متوخيًا) أن يعتذر بما يقبله السلطان، أو لأن السلطان لابد له منه ويحتمل أن يكون السلطان أمره بذلك، ليعرف طاعة جنده، (وربما) أمره بذلك استهزاء، وإذا احتمل ذلك لم نعلم: أنه لا غرض له في الكذب فيعلم صدقه، وكذلك
[ ٣ / ٨١ ]
قد يكون الإنسان مهتمًا بما يسأل عنه، ويظهر أنه مهتم بغيره متشاغل (بسواه) فإذا سئل عنه، تنبه كأنه كان ساهيًا عنه، ليوهم: أنه لم يتعمد الكذب، وقد تعمده وراعاه، وقد يقر الإنسان على نفسه بما يوجب العقوبات، لغرض وجهل يحمله على ذلك، وقد رأينا من غرق نفسه وصلبها، وقطع ذكره وأخبر بموت ابنه ليصل إلى أمر يلتمسه ويريده، وإذا احتمل ذلك لم يقع لنا العلم.
واحتج: بأنه لو لم يقع العلم بخبر الواحد، لم (يقع)، وإن انضم إليه الجماعة الكثيرة، لأن ما يجوز على الواحد يجوز على الثاني، والخامس والعاشر، ولما وقع العلم بخبر الجماعة، دل على وقوعه بالواحد.
الجواب: (أنه) يقال: ولم كان كذلك؟ وما أنكرتم أن يكون العلم الواقع بالتواتر، (إن) كان مكتسبًا أن تكون شروط اكتساب العلم وجدت فيه، ولم توجد في خبر الواحد، وإن كان ضروريًا فهو فعل الله تعالى؟ فما يؤمنكم أن يوقعه عند التواتر لمصلحة يعلمها، ولا يوقعه عند أخبار الآحاد؟ فبطل ما ذكرتم.
[ ٣ / ٨٢ ]
فصل
فأما خبر الواحد إذا أجمعت الأمة على حكمه وتلقته بالقبول، فاختلفت الناس في ذلك.
فظاهر كلام أصحابنا: أنه يقع به العلم، وهذا كحديث عائشة ﵂: "طيبت رسول الله ﷺ، لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
[ ٣ / ٨٣ ]
ومن الناس من قال: لا يقع به العلم.
وجه الأول: أنهم لا يجمعون على العمل به، إلا وقد قامت عندهم الحجة القاطعة بصحته، ولأنهم إذا تلقوه بالقبول وعملوا به/، وهم ممن لا يجوز عليهم الخطأ، (ثبت) بذلك صحته، وقد قال ﵇: "أمتي لا تجتمع على ضلالة".
وجه الثاني: أن الحكم بخبر الواحد إذا وجدت فيه شرائط النقل واجب، فإذا عملوا به فقد فعلوا ما يجب بخبر الواحد، وذلك لا يقتضي وقوع العلم بصحته، ألا ترى أنه يجوز وقوع الإجماع عن الاجتهاد، وإن كان (الاجتهاد) ليس بمعلوم.
الجواب: أنهم إذا أجمعوا على تلقيه بالقبول، فقد أجمعوا على صحته، وكذلك إجماعهم على الاجتهاد يدل على (صحته).
[ ٣ / ٨٤ ]
فصل
فإن (عمل) بخبر الواحد أكثر الصحابة، وعابوا على من (خالفهم) مثل أخذهم بخبر أبي سعيد في تحريم بيع الدرهم بالدرهمين، وعيبهم على ابن عباس فهل يوجب العلم بصحة الخبر؟
(قال) عيسى بن أبان: يقطع (به)، لأنهم عملوا به، وعابوا على من خالفه، فدل على أنهم لم يسوغوا اجتهاده في مخالفته.
وقال أكثر الشافعية: لا يقطع على صحته، لأن مخالفة الواحد
[ ٣ / ٨٥ ]