الاسم، وهو الكف، ولأنه إذا أمر الإنسان بفعل ما يقع على أشياء، والعقل يحظر فعل ذلك وجب عليه فعل أقلها، والباقي يبقى على المنع ولهذا إذا قال: اضرب رجلًا، وجب عليه ضرب شخص يسمى رجلًا.
٨٠٧ - فصل: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فقال شيخنا هو مجمل.
لأن الله تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ فافتقر إلى ما يميز بين البيع والربا، وعندي أنه ليس بمجمل، وإنما هو على عمومه في كل ما يسمى بيعًا إلا ما خصه الدليل، وما احتج به، فعليه لأنهم فرقوا بين البيع والربا في الاسم وإنما قالوا هو مثله في المعنى. والله أعلم.
٨٠٨ - مسألة: لا يجوز أن يراد بالاسم الواحد معنيان مختلفان، حقيقيان أو حقيقة، ومجاز كالنكاح المفيد للوطء حقيقة، وللعقد كناية ومجازًا، وإنما يراد به أحدهما.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
فإذا كانا حقيقيين كان اللفظ مجملًا فيهما، وبه قال أبو هاشم وأبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري. وذهب الجبائي وعبد الجبار إلى جواز ذلك، وهو اختيار شيخنا.
وعن الشافعية كالقولين.
وقال أبو الحسين: لا يجوز ذلك في اللغة ويجوز في الإمكان أن يرادا.
٨٠٩ - لنا على أنه لا يجوز ذلك في اللغة (أن اسم الشخص يقع على الرجل وعلى المرأة حقيقة فلو قال رأيت شخصًا لا يجوز أن يعبر به عن رؤية رجل وامرأة).
(كذلك) وضعوا قولهم "حمار" للبهيمة المخصوصة وحدها (حقيقة)، وتجوزوا به في البليد وحده، ولم يستعملوه
[ ٢ / ٢٣٩ ]
فيهما معًا بدليل أن الإنسان لو قال: رأيت حمارًا لم يفهم منه أنه رأى البهيمة والبليد معًا، ولو قال: رأيت حمارين لم يعقل منه أنه رأى أربعة أشخاص بهيمتين وبليدين.
وكذلك قولهم: قرء وضعوه للحيض وحده وللطهر وحده ولم يضعوه لهما لأنه (لو) وضع (لهما لفهم) من قوله: قرءان، أربعة، طهرين وحيضتين، ومن ثلاثة أقراء ستة، ولوجب أن يكون المستعمل (له) في أحدهما، متجوزًا لأنه لم يستعمل اللفظ على ما وضع له على التحقيق، والأمر بخلاف ذلك فصح أن المتكلم إذا قال: للمرأة (اعتدى) بقرء لا يكون مريدًا منها أن تعتد بالطهر والحيض (معًا بل) أراد أحدهما. ويفارق هذا قوله: اضرب رجلًا لأنه يضرب أي رجل شاء لأن رجلًا لم يوضع لهذا وحده، وإنما اختص بمعنى الرجولية وهو معنى واحد شائع في أشخاص الرجال، كأنه قال: اضرب شخصًا ممن اختص بمعنى الرجولية فيعلم (منه) أنه أراد منه ضرب الرجال على (البدل) بخلاف اسم القرء لأنه ليس فيد في الطهر والحيض/٧٧ ب فائدة واحدة، فيحمل على أن المتكلم قصد تلك الفائدة، بل يفيد معنيين مختلفين فلم يحمل عليهما.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
فإن قيل: أليس يجوز أن يقول الإنسان: رأيت رجلًا وإن كان قد رأى (رجلًا) بعينه، فكيف يقولون: إن رجلًا لا يختص بشخص بعينه؟
(قلنا: لا يفهم السامع منه رجلًا بعينه وإنما ساغ للمتكلم أن يقول ذلك إذا رأى رجلًا بعينه)، لأن اسم الرجل يختص بالمعنى الذي يتميز به الرجل من غيره وهو معنى الرجولية وزيادة، فصح أن يخبر الرجل عن الرجل ويترك الزيادة التي تدل على تعيين ذلك الرجل.
فإن قيل: فما يقولون: إذا قال لا تعتدي بقرء، أليس يحمل على الحيض والطهر؟
ولا يحمل على واحد منهما (معين).
قلنا: بل يحمل على واحد منهما، إما أن يكون أراد الحيض أو الطهر، لأنه لو أراد مجموعهما كان قد أراد ما لم يوضع له اللفظ، وإن أراد ما يسمى قراءً أو ما فيه معنى من معاني القرء، فلفظه ليس فيه ذلك، وإنما علق الحكم بالقرء ولم يقل ما يسمى قرءًا، ولا ما فيه معنى من معاني القرء.
[ ٢ / ٢٤١ ]
فإن قيل: أليس لو قال (لها): اعتدى بما يسمى قرءًا ما جاز أن تعتد بالطهر، وجاز أن تعتد بالحيض، فقد أفادهما اللفظ.
قلنا: إنما جاز ذلك لأنهما اتفقا في فائدة وصفنا لهما بأنهما يسميان أقراء، فالفائدة غير مختلفة في التسمية، فصار كقوله: اضرب رجلًا في أنه أمر بضرب ما يختص بمعنى الرجولية، وليس كذلك قوله اعتدى بقرء لأن (معنى القرء) الطهر، والحيض مختلف، فكل واحد منهما يفيد في صفته غير ما يفيده الآخر، فلم يدخلا في لفظ واحد.
٨١٠ - دليل آخر: لو جاز استعمال الكلمة الواحدة في حقيقتها ومجازها، لكان قد أراد استعمالها فيما وضعت له، وأراد العدول بها عما وضعت له في حالة واحدة، وذلك يتنافى، كما يتنافى كون لفظة الأمر يراد بها الإيجاب والتهديد، واللفظة يراد بها الاقتصار على الشيء، والمجاوزة إلى غيره، وفيه ضعف، لأنهم (لا) يقولون: إنه يعدل باللفظة عما وضعت له إلى ما لم توضع له، وإنما استعمالها فيما وضعت له وفيما لم توضع له، بيانه: أنه يستعمل النكاح في الوطء والعقد معًا، وذلك لا يتنافى.
٨١١ - دليل آخر: أن يستعمل الكلمة في حقيقتها
[ ٢ / ٢٤٢ ]
لا يحتاج فيها إلى (إضمار) كاف التشبيه، ومستعملها في مجازها لابد أن يضمر كاف التشبيه، ومحال أن يضمر الشيء ولا يضمره، فيقول: رأيت أسدًا، ويريد به البهيمة (ورجلًا) شجاعًا كالأسد.
٨١٢ - دليل آخر: لو جاز أن يراد باللفظ الواحد معنيان، لجاز أن يراد به إكرام الرجل وإهانته، ومدحه والاستخفاف به، فلما لم يجز كذلك في مسألتنا، فإن قيل: هناك (لا) يتضادان/٧٨ أولهذا لو صرح بهما في لفظين لم يجز، بخلاف مسألتنا.
قلنا: لا يتضادان ولهذا يجتمعان (بأن يقول: أعطه) ألفًا لأنه دلني على الطريق واصفعه مائة لأنه خاطر بي، "وعز فلانًا بوالده" وهنه بالولاية (بعده).
٨١٣ - احتج المخالف بأن سيبويه قال: قول القائل (لغيره): الويل لك خبر ودعاء، فجعله مفيدًا للأمرين.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
الجواب: أنه ليس فيه دليل على أنه يستعمل فيهما معًا، ولا يمتنع أنه يردي به أنه موضوع للخبر ويستعمل في الدعاء مجازًا في حالة أخرى.
٨١٤ - احتج بأن ابن عمر قال: قبلة الرجل من الملامسة (فتوضأوا منه).
وأجاز للجنس التيمم بقوله: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ فحمله عليهما معًا.
الجواب: أنه يحتمل أنه علم وجوب التيمم على الجنب بالسنة لا بالآية. (لأن أباه لم يفهم من الآية التيمم للجنب، بدليل قصة عمار ﵁).
٨١٥ - واحتج بأن قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فقيل: الحيض والطهر، لأن للمرأة تقليد من يرى الحيض، وتقليد من يرى الطهر، وأيهما فعلت فقد أراده الله منها، وكذلك قد أراد من المجتهد ما يؤديه إليه اجتهاده منهما.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
الجواب: أن من يقول: (الحق) في واحد، لا يسلم أن كل واحد منهما مراد، بل المراد أحدهما، وعلى المجتهد بذل وسعه واجتهاده، فإما يصيب أو يخطئ، ومن يقول: كل مجتهد مصيب يقول: يحتمل أن يكون ذلك منقولًا من اللغة إلى الشرع بدليل، فيكون الطهر والحيض في الشرع مرادين.
٨١٦ - واحتج بأن كل معنيين جاز (إيرادهما بلفظين، جاز إيرادهما) بلفظ يصلح لهما، كالمعنيين المتفقين.
الجواب: أن هذا قياس فاسد، لأن المتفقين بمعناهما واحد، وفائدتهما واحدة فلا يسميان معنيين. على أن اللفظين يجوز فيهما ما (لا) يجوز في اللفظ الواحد، ألا ترى أنه يجوز أن يتكلم بالأمر ويريد به الإيجاب؟ ويتكلم مرة أخرى ويريد به التهديد، ولا يجوز ذلك في اللفظة الواحدة، وكذلك يتكلم بالعموم ومراده الاستغراق، ويتكلم به ثانيًا ومراده الخصوص ولا يجوز أن يريد بهما في حالة واحدة الاستغراق والخصوص.
٨١٧ - احتج بأن المنع من ذلك لا يخلو إما أن يكون لاستحالة اجتماعهما في الإرادة، أو لأن اللفظ (لا) يصلح لهما، لا يجوز أن يكون (الأول)، لأنه لا يستحيل أن يريد
[ ٢ / ٢٤٥ ]
بالملامسة (الوطء) وما دونه، ويريد بقوله: ثلاثة قروء الحيض والطهر، ولهذا يصح أن يصرح بذلك فيقول: إذا لامست باليد أو بالجماع فتطهر، واعتدى بثلاثة أقراء من الحيض أو الطهر، (ولا يجوز أن يكون لأن اللفظ لا يصلح لهما فالقرء يصلح للحيض والطهر) فلا وجه للمنع.
الجواب: أن المنع من ذلك لأن اللفظ الواحد لم يستعلمه أهل اللغة في معنيين مختلفين في حالة واحدة، ولهذا لم يعقل من قولهم: رأيت حمارًا أنه رأى بهيمة وبليدا في حالة واحدة، فمدعى ذلك يحتاج (إلى) أنا ينقل عنهم أنهم استعملوا ذلك/٧٨ ب.
[ ٢ / ٢٤٦ ]