١٠٠٠ - مسألة: لا يجوز نسخ ما ثبت بالإجماع/٩٩ ب لأنه لو نسخ لنسخ بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع، والإجماع إنما ينعقد بعد وفاة النبي ﷺ ولا يجوز بعد ذلك ورود كتاب (ولا) سنة.
فإن قيل: يجوز أن تظفر الأمة بعد اتفاقها بنص كان قد خفي عليها فينسخ به.
قلنا: لا يجوز ذلك (لأن الأمة لا تذهب جميعها عن الحق، ولو جاز ذلك لما كان إجماعها حجة فأما نسخه بالإجماع فلا يجوز) أيضًا لأن الإجماع (الثاني) إنما يصدر عن دليل شرعي متجدد من كتاب أو سنة وقد بطل ذلك بموت الرسول ﷺ، أو يدل الإجماع الثاني (على أن الأول) كان باطلًا وذلك لا يجوز لأن مثل ذلك يتطرق من (الخصوم) على الإجماع (الثاني) فيخرج (أن يكون الإجماع حجة).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
فإن قيل: أليس إذا اختلفت الأمة على قولين فقد أجمعوا على أن العامي له تقليد من شاء منهما والأخذ به، فإذا أجمعوا على أحد القولين فقد حرموا القول الآخر وهذا إجماع نسخ إجماعًا.
قيل: (لا نسلم بل يجوز الأخذ بالآخر إذا ذهب إليه مجتهد وإن سلم) فذلك ليس بنسخ (لأنهم) إنما (جوزوا) الأخذ بكل واحد من القولين بشرط بقاء الخلاف، فلما أجمعوا على أحد القولين بطل حكم الخلاف فزال الشرط فلم يجز للعامي التقليد لمن يشاء منهما، ومثل ذلك لا يسمى نسخًا ألا ترى (أن) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ لما علقه بغاية (لا) يسمى ارتفاعه لوجود غايته نسخًا، كذلك هاهنا، ولا (يجوز) نسخه بقياس أيضًا لأنه إنما يقاس على أصل ثبت بكتاب أو سنة أو إجماع ولا يجوز تجدد ذلك ولا يجوز أن يكون موجودًا، وقد ذهبت عنه الأمة على ما بيناه.
١٠٠١ - فصل: ولا يجوز النسخ بالإجماع لأنه إنما
[ ٢ / ٣٨٩ ]
ينسخ دليلًا شرعيًا من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، لا يجوز أن ينسخ الكتاب والسنة، لأن الإجماع لا ينعقد على خلافهما إذ الأمة لا تجمع على خطأ، فلو أجمعوا على خلاف النص دل ذلك على بطلان النص أو (على) أن معهم نصا نسخ ذلك (فيضاف) النسخ إلى النص لا إلى الإجماع، ولا يجوز أن ينسخ الإجماع (على ما) بينا.
١٠٠٢ - فصل: ما ثبت بالقياس، لا يخلو إما أن يكون ثبت في وقت النبي ﷺ بنصه على العلة أو تنبيهه فيجوز نسخه بنصه أيضًا، مثال ذلك أن ينص على (تحريم) (الربا في) البر وينص على أن علة تحريمه الكيل، ويتعبد بالقياس عليه، فيجب علينا أن نقيس عليه الأرز، وكذلك إن كان شبهه على ذلك، ثم ينص بعد ذلك على إباحة الأرز ويمنع من قياسه على البر، فيكون ذلك نسخًا.
وإما أن يكون (بأمر مستفاد) بعد وفاة النبي ﷺ فلا
[ ٢ / ٣٩٠ ]
(يصح) نسخه لأنه لا يجوز أن يتجدد بعد وفاته نص من كتاب أو سنة فيقاس عليها (ولا علة). فإن بان نص كان قد خفي أو علة خفيت هي أولى من القياس بان أن القياس لم يكن صحيحًا ولا يسمى ذلك نسخًا.
١٠٠٣ - فصل: وأما النسخ بالقياس فلا يجوز. لأن ما ثبت بالنص لا يرفع بالقياس لأن النص إذا عارض القياس أسقطه والصحابة كانت تترك آراءها بالنصوص ولهذا صوب النبي ﷺ معاذًا حيث قال: فإن لم تجد كتابًا أو سنة؟ قال: أجتهد رأيي/ ١٠٠ أفجعل الانتقال إلى رأيه عند عدم الكتاب والسنة.
فإن قيل: أليس يجوز تخصيص (النص) بالقياس (فلم لا يجوز نسخه).
قلنا: التخصيص يبين المراد باللفظ فجاز بالقياس، والنسخ رفع حكم اللفظ رأسا، ولأن الصحابة خصصت ولم تنسخ، وما ثبت بالقياس لا ينسخه القياس لما بينا، وكذلك ما ثبت بالإجماع لا ينسخه القياس لما تقدم.
[ ٢ / ٣٩١ ]
١٠٠٤ - فصل: فأما التنبيه فإنه ينسخ وينسخ به، وبه قال أكثرهم خلافًا لبعض الشافعية لنا أن التنبيه يفهم من اللفظ فجرى مجرى النص، ثم النص ينسخ وينسخ به كذلك هاهنا.
قالوا: (هو) قياس فأشبه الخفي.
الجواب: أنه ليس بقياس وإنما هو مفهوم الخطاب في لغة العرب ولأنا قد بينا أن القياس إذا كانت علته منصوصًا عليها، أو منبهًا عليها في وقت الرسول ﷺ جاز نسخه ولأن أصحاب الشافعي قالوا هو قياس جلي يجري مجرى النطق وينقض به حكم الحاكم فجرى مجراه في النسخ.
١٠٠٥ - فصل: فأما دليل الخطاب فيجوز نسخه مع بقاء اللفظ لأنه لا ينقض الغرض به وهذا كما قالت الصحابة: أن قول النبي ﷺ "الماء من الماء" منسوخ، وإنما نسخ دليل خطابه بإيجاب الغسل من الإيلاج، وإنما يكون رفع حكم الدليل نسخًا بعد ثبوت حكمه واستقراره، ولو كان قد ورد لفظ يخالف دليل لفظ آخر لم يكن ذلك نسخًا، وإنما يكون مسقطًا لحكم دليل اللفظ لأنه يجوز
[ ٢ / ٣٩٢ ]