٥٨٥ - مسألة: لا يصح استثناء الأكثر من الجملة، وبه قال ابن درستويه ويغره من أهل (اللغة) وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين: يصح ذلك.
٥٨٦ - لنا: أن الاستثناء لغة ولم نسمع ذلك في اللغة، فمن ادعاه فعليه الدليل.
فإن قيل: قد سمع بدليل قوله تعالى: (وهو أفصح اللغات): ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَاّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾ فاستثنى العباد من الغاوين، والغاوين من العباد، وأيهما كان الأكثر فقد استثناءه من الآخر فدل على جوازه.
قلنا: هذا ليس باستثناء، وإنما (هو) تخصيص
[ ٢ / ٧٧ ]
بالصفات، والتخصيص (بالصفات) لا يراعي فيه القلة والكثرة لأن الغرض به بيان المراد، وإن من وجدت فيه تلك الصفة لا يراد باللفظ قل أو كثر ألا ترى أنه يجوز أن (يقول): اقتل من في الدار إلا البيض، فلو كان كل من في الدار أبيض لم (يحسن) (قتله)، وكذلك يجوز أن يستثني بالصفة مجهولًا من معلوم، (ومعلومًا من) مجهول ولا يجوز ذلك في الاستثناء بالعدد. بخلاف الاستثناء في العدد فإنه لو قال: اقتل العشرة الذين في الدار إلا عشرة، لم يصح الاستثناء، ووجب قتل الجميع.
جواب ثان: أنه استثناء منقطع، بمعنى لكن من اتبعك، ولكن عبادك المخلصين، يدل عليه (أن) قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَاّ مَنْ اتَّبَعَكَ﴾ (ظاهره يعطي) أنه استثناء في السلطان، معناه إلا من اتبعك من الغاوين فإن لك عليهم سلطانًا وهذا لا يصح لأن الغاوين لا سلطان (له) عليهم (أيضا) فإن الله ﷾ قال في كتابه: ﴿وَقَالَ
[ ٢ / ٧٨ ]
الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فأخبر أنه لا سلطان له على الغاوين (أيضًا) فدل على أن معناه: لكن من اتبعك من الغاوين/٥٧ ب وإن جهنم لموعدهم أجمعين.
جواب ثالث: لو ثبت أنه أريد به الاستثناء لم يدل على أن أحد الفريقين أكثر من الآخر لجواز أن يكونا سواء.
جواب رابع: لو ثبت أن أحد الفريقين أكثر (من الآخر)، وأنه استثناء. لم يكن قد استثنى إلا الأقل في الموضعين لأن إبليس قال: ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يعني ولد آدم (فلهذا) قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَاّ قَلِيلًا﴾ ثم استثنى، فقال إلا عبادك منهم المخلصين وهم القليل المذكور ولهذا قيده بمنهم وقال: إلا عبادك منهم. فدل على ما قلنا.
وأما الآية الأخرى فإنه قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ فأضاف العباد إليه مطلقًا، وذلك يقع على كل عبد له من ملك وآدمي وجنى ثم قال: ﴿إِلَاّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾
[ ٢ / ٧٩ ]
والغاوون من جميع العباد هم الأقل لأن الملائكة كلهم غير غاوين ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وهم أكثر الخليقة، ويضاف إليهم من آمن من الإنس والجن، فيكونون أكثر من الغاوين بغير شك فثبت ما قلنا.
فإن قيل: فقد نقل (إليهم) ذلك عن أهل (اللسان) قال الشاعر:
أدوا التي نقصت سبعين من مائة ثم ابعثوا حكمًا بالحق قواما
قلنا: ابن فصال النحوي، قال لم يثبت هذا البيت عن العرب، وإنما هو مصنوع. ثم لو صح، فليس باستثناء لأنه لم يأت فيه بحرف الاستثناء، (وحروف) الاستثناء (معروفة) محصورة، ولأن المراد بها الاقتضاء ببقية دية المقتول كأنه قال: قد بقى عليكم أكثر الدية (وادفعوه ذكر ذلك) ابن عرفه النحوي في
[ ٢ / ٨٠ ]
كتاب الاستثناء، وذكر قبله بيتًا وهو:
إن الذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
ثم قال: أدوا التي نقصت ، يدل على ذلك ما قاله أبو إسحق الزجاج في المعاني: لم يأت المستثنى في كلام العرب إلا في القليل من الكثير، وقال ابن جني: لو قال قائل: له مائة إلا تسعون، ما كان متكلمًا بالعربية وكان كلامه عيا، وذكر معنى ذلك ابن قتيبة، وابن درستويه.
[ ٢ / ٨١ ]
٥٨٧ - دليل ثان: أن الاستثناء وضع للاختصار أو للاستدراك، وليس في الحكمة وجود ذلك (في) الأكثر، ألا ترى أنه لو أراد إنسان أن يقر بدرهم (فقال) على ألف إلا تسعمائة "وتسعة" وتسعين (درهمًا) لعدوه هاذيًا لاغيًا، وكذلك من كان عليه درهم لا يشتبه عليه ذلك بألف (درهم) حتى يقر بألف درهم ثم يستدرك تسعمائة (وتسعة) وتسعين.
فإن قيل: فقد (يتفق) مثل ذلك، وهو أن يكون لزيد (عليه) درهم ولعمرو ألف درهم، فيريد أن يقر لعمرو بألف (درهم) فيقر بها لزيد، ثم يذكر فيستدرك وإلا (هلك) ماله.
(قلنا: إن اتفق مثل) هذا فهو قادر لا يعلق عليه الحكم، ألا ترى أنه قد يتصور مثل ذلك في الكل بأن يكون لزيد عليه ألف (درهم) ولعمرو ألف (أخرى) وقد قضاه،
[ ٢ / ٨٢ ]
فيريد أن يقر لزيد فيقر لعمرو بما قد قضاه فيريد أن يستدرك (ذلك) لئلا تلزمه ألف فيقول: لعمرو. عليّ ألف، ثم يستدرك فيقول: إلا ألفا. ثم ذلك لا يصح بالاتفاق لأنه نادر كذلك هاهنا.
٥٨٨ - احتج بأن في القرآن استثناء الأكثر بدليل قوله تعالى: ﴿أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ﴾، قرأ بنصب وكسر الراء، وغير من حروف الاستثناء، والإربة الحاجة، فاستثنى من (التابعين) من له إربة وهم أكثر ممن لا حاجة له.
الجواب: أن المراد بالآية من تبع، وأكثر الأتباع (هم) الصبيان والخصيان والشيوخ الذين لا إربة لهم في النساء، فجعل الإربة صفة للأتباع، لا استثناء، ومن نصب على الحال/٥٨ أ (كأنه قال: هم) حال تبعهم غير أولي الإربة.
جواب آخر: أنه استثناء بصفة، وذلك تخصيص يجوز في الأقل والأكثر وخلافنا في الاستثناء من الأعداد (وقد تقدم) الفرق (بينه وبين غيره).
[ ٢ / ٨٣ ]
٥٨٩ - واحتج بقوله تعالى: ﴿قُمْ اللَّيْلَ إِلَاّ قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ فاستثنى النصف.
قلنا: قوله: "نصفه". كلام مبتدأ ليس باستثناء، وإنما الاستثناء إلا قليلًا ثم كأنه قال: قم نصفه، أو انقص منه، أو زد عليه، ثم الخرقي من أصحابنا قد أجاز استثناء النصف، وخلافنا في استثناء الأكثر.
٥٩٠ - واحتج بأنه معنى يخرج له من العموم ما لولاه لدخل فيه، فجاز في الأكثر كالتخصيص.
قلنا: هذا إثبات لغة بالقياس، وفيه نظر.
جواب آخر: أن التخصيص يفارق الاستثناء، (بدليل أنه يجوز بجميع أدلة العقل والشرع ولا يقف على حرف مخصوص، والاستثناء) لا يجوز إلا بحروف مخصوصة، ولهذا يجوز تخصيص المعلوم من المجهول. والمجهول من المعلوم ولا يجوز ذلك في الاستثناء بالعدد.
٥٩١ - واحتج بأنه إخراج بعض ما شمله العموم أشبه الأقل. الجواب: أن الأقل لغة العرب، (والأكثر) بخلافه ثم
[ ٢ / ٨٤ ]