وهي قول القائل افعل)، وقالت الأشعرية: ليس للأمر صيغة في اللغة وإنما صيغة "افعل" (معنى قائم في الذات) مشتركة بين الأمر وغيره يحمل على أحدهما بقرينة.
١٦٠ - دليلنا ١٩ أ/ أن السيد إذا قال لعبده: اسقني ماء فلم يسقه استحق التوبيخ (والعقوبة) عند أهل اللغة. ولو لم تكن هذه الصيغة موضوعة للاستدعاء لما استحق (التوبيخ).
فإن قيل: إنما استحق العبد ذلك لقرينة وهي علمنا بشاهد الحال أن السيد أراد الشرب.
قلنا: هذا دعوى، لأنَّا لا نعلم مراده، وإنما تعلقت العقوبة بمخالفة هذه الصيغة لا غير.
١٦١ - وأيضًا فإن أهل اللسان قسموا الكلام فسموا (قوله/) "افعل" أمرًا، "ولا تفعل نهيًا، "وزيد في الدار" خبرًا، "وهل خرج عبد الله"؟ استخبارًا. ولم يشترطوا (في الأمر) قرينة تدل على أنه أمر. فدل على أن مجرد الصيغة أمر.
[ ١ / ١٣٤ ]
فإن قيل: هل يعلم بذلك نقل متواتر عن العرب.
قلنا: إجماع أهل اللسان على ذلك دليل على كونه مستفيضًا عندهم متواترًا (كاستفاضة سخاء حاتم) وشجاعة عنترة وحلم الأحنف)، ثم لو اشترطنا التواتر في اللغة لم يمكن إثبات غريب القرآن وشواذ العربية، (وفي) علمنا أن السلف كانوا يستشهدون على إثبات ذلك بالبيت (من الشعر والبيتين) لا يعرف قائله دليل على أنه لا يشترط التواتر.
[ ١ / ١٣٥ ]
فإن قيل: (فالعرب) لم تشترط المرتبة في الصيغة وعندكم (هي شرط فكذلك) عندنا في القرينة.
قيل: لا نسلم ذلك، بل يسمون هذه الصيغة من الأدنى مسألة وطلبًا، (ومن الأعلى إلى الأدنى رتبة واستعلاء، فدلّ على أن العرب قد شرطوا في الصيغة رتبة).
١٦٢ - وأيضًا فإن (قولهم) "افعل" مصرف من قوله فعلت، والمصرف (من كل فعل يدل على ما يدل عليه الفعل، فلما كان قوله فعلت) يقتضي وجود الفعل، يجب أن يكون قوله افعل يقتضي إيجاد الفعل.
١٦٣ - وأيضًا فإنا لا نجد (في العقل) من (لم) توجد منه هذه الصيغة يسمى آمرًا بوجه، ولو كان الأمر أمرًا لقيامه في النفس لسمي من لم يوجد (منه) ذلك أمرًا.
١٦٤ - (وأيضًا فإن الحاجة داعية إلى معرفة الأمر والنهي، لأن أكثر مخاطبات الناس به، فمن المحال أن لا يضع واضعو اللغة
[ ١ / ١٣٦ ]
لذلك صيغة تدل عليه، مع كونهم قد وضعوا للخمر عدة أسماء، وكذلك للسيف والأسد والهر، فدل على أنهم وضعوا له صيغة وهي هذه اللفظة).
١٦٥ - واحتج الخصم بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾. (قد أخبر للنفس قولًا، ومع هذا لا نحكم به حتى نجد قرينة نحمله عليه، كذلك ههنا).
الجواب: أن هذا يدل على أنه قد يوجد في القلب ترتيب (الكلام)، غير أنه لا يسمى أمرًا ولا نهيًا ثم (إن) هذا مجاز واتساع والحقيقة ما (ذكرنا).
١٦٦ - احتج بأن قال: إثبات الصيغة (في اللغة) لا يخلو إما أن يكون بالعقل ولا مجال له في ذلك، أو بالنقل فلا يخلو إما أن يكون (آحادًا فلا) يثبت به أصل، أو تواترًا ولو كان
[ ١ / ١٣٧ ]
لعلمناه كما علمتموه، فلما بطل هذا دلّ على أنه (لا) أصل لإثبات الصيغة.
الجواب: (ينقلب عليكم هذا المعنى) في إثبات الاشتراك في قوله افعل (فلا) يخلو إما أن يكون بالعقل أو بالنقل وهو باطل على ما قسموه.
وعلى أنا أثبتنا ذلك من طريقين:
أحدهما: إجماع (عقلاء) العرب وأهل اللسان على تقريع العبد ولومه إذا خالف هذه الصيغة.
والثاني: اتفاقهم على التفريق بين الأمر والنهي في أقسام الكلام.
١٦٧ - احتج بما تقدم في المسألة الأولى من أن هذه الصيغة قد ترد والمراد بها تارة أمرًا، وتارة تهديدًا، وتارة تعجيزًا، وليس حملها على أحد هذه الوجوه بأولى من حملها على الآخر، فوجب التوقف فيها حتى تقترن قرينة كما توقفنا في الأسماء المشتركة مثل اللون والعين.
والجواب: أن هذه الصيغة بمجردها موضوعة للاستدعاء وإنما تصرف عن الاستدعاء بقرينة، (وفارق) اللون والعين فإن تلك الأسماء (لم توضع) لشيء معين، ولهذا لو أمر عبده بتلوين
[ ١ / ١٣٨ ]
الثوب بالصبغ لم يستحق الذم بأي صبغ صبغه. ولو قال لعبده أسقني ماء فلم يسقه (إلا الماء الصالح للشرب) «لم يستحق الذم» على ذلك.
وعلى أن هذا يبطل بالأسد والحمار والبحر، فإنه يعبر بها عن أشياء ثم بإطلاقها لا توجب التوقف.
١٦٨ - (ودليل لنا وهو أن لفظة افعل لو كانت مشتركة بين الأمر وغيره لما سبق إلى فهمنا أن السيد إذا قال لعبده افعل أن ذلك أمر، فلما سبق ذلك إلى فهمنا دل على أنه حقيقة في الأمر مجاز في غيره، ألا ترى أنه لو قال لعبده اصبغ الثوب، أو ائت العين لم يسبق إلى فهمنا عين دون عين).
(ويتوجه للمخالف أن هذا الدليل احتجاجهم الذي قبله وهو أن الأمر قد يرد والمراد فيه كذا وكذا) والله أعلم بالصواب.