ترتيب علوم (بأحوال) المخبرين، وذلك يحصل عند سماع الخبر المتواتر، وإن لم نقصد، لعلم كثرتهم، وامتناع وقوع الكذب منهم، اتفاقًا أو تواطؤًا. ونعلم ظهور المخبر به وارتفاع اللبس فيه، فلا يحتاج إلى استئناف نظر بعد ذلك. (والله أعلم).
مسألة
ليس في التواتر عدد محصور، سواء قلنا: العلم الواقع به ضروري أو مكتسب. وبه قال أكثرهم.
وذهب قوم إلى أن خبر التواتر (يقع باثنين) كالشهادة و(عند) قوم أربعة، اعتبارًا بأعلى الشهادات.
وقال قوم: بخمسة (ليزيد) على أكثر عدد الشهود.
وقال قوم: اثنا عشر بعدد (النقباء).
[ ٣ / ٢٨ ]
وقال قوم: عشرون لقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾.
وقال قوم: سبعون بعدد أصحاب موسى.
وقال قوم: ثلاثمائة وكسر بهعدد أصحاب نبينا ﷺ يوم بدر.
لنا: أن التقدير بهذا لا دليل عليه من جهة العقل، ولا من جهة الشرع.
فإن قيل: قد ورد الشرع بقبول قول الاثنين والأربعة في الشهادة في الأنفس (وهي) أشرف الأشياء.
(قلنا): ذلك لا يوجب العلم، وإنما يوجب غلبة ظن، بدليل: أنه لو وقع (بخبر) الأربعة العلم لوجب أن يقع بخبر كل أربعة، ولا يعلم الحاكم صدقهم، (ولهذا يسأل) عن عدالتهم، ولو وقع له العلم كان سؤاله (عن ذلك) باطلًا.
ألا ترى أن الجماعة الذين يمتنع أن يتفق الكذب منهم
[ ٣ / ٢٩ ]
اتفاقًا أو تواطؤًا، ويكونوا فيما أخبروا به مضطرين، لا يسأل عن (حالهم) وعدالتهم إذا أخبروا.
فإن قيل: لا يمتنع أن يفعل الله ذلك في الشهادة لضرب من المصلحة، (ويمتنع) العلم في الخبر الذي ليس بشهادة.
(قلنا): الشهادة: هي إخبار بلفظ مخصوص، واختلاف الألفاظ لا يؤثر في وقوع العلم.
ألا ترى أن الجماعة الذين يقع بهم العلم، لا فرق بين أن يأتي بلفظ الشهادة، أو بلفظ الخبر، وكذلك لا فرق بين أن يأتوا بلفظ الفارسية أو العربية في ذلك.
(دليل آخر): لو اعتبر في العلم (عدد محصور)، لاعتبر صفات محصورة كما قلنا في الشهادات، وقد ثبت أنه لا تعتبر صفاتهم، من كفر، وإيمان، وفسق، وعدالة وغير ذلك.
وذهب معتبروا الإعداد إلى ما ذكر من أعداد النقباء، وقوم موسى ونبينا ﵉، قالوا: ولم يعتبر ذلك العدد إلا (ليخبروا) فيقع العلم. يخبرهم (لمن) وراءهم.
[ ٣ / ٣٠ ]