فكانت متشابهة غلط (أيضًا) لأن غير الحروف المقطعة (أيضا قد) لا يعلم معناها.
٨٥٣ - مسألة: ليس في القرآن غير العربية، وقال ابن عباس وعكرمة: فيه كلمات بغير العربية كالمشكاة والقسطاس، والسجيل والاستبرق.
٨٥٤ - ولنا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ فنص على أنه ليس فيه بغير العربية، ولأن الله تعالى جعل القرآن معجزة نبيه ودلالة صدقه ليتحداهم به، فلو كان
[ ٢ / ٢٧٨ ]
فيه غير العربية لما صح تحديهم به، لأن الكفار يجدون إلى رده سبيل بأن يقولوا فيما أتيت به عربي، ونحن لا نقدر على الإتيان بمثل العجمية والهندية وإنما نقدر على الكلام العربي.
٨٥٥ - احتج المخالف بأن المشكاة هندية، والسجيل والاستبرق فارسية، وناشئة الليل حبشية، والقسطاس رومية، وفاكهة وأبًا، الأب لا تعرفه العرب، وهذا جميعه في القرآن فدل على أن فيه غير العربية.
الجواب: أن جميع ذلك لغة العرب وإنما وافقتها فارس والهند والحبشة (فيها)، كما وافقتها في كثير من الكلام كالدواة والمنارة والتنور.
وقوله: الأب لا (تعرفه العرب) لا يصح لأن في العربية ألفاظ يعرفها بعضهم دون بعض.
قال ابن عباس: "ما كنت أعرف/٨٣ ب كلمات من القرآن بلسان قومي. منه قوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ﴾ حتى سمعت امرأة تقول: أنا فطرته أي ابتدأته فعلمت أنه أراد (به) مبتديء
[ ٢ / ٢٧٩ ]
السموات" والأب: هو الحشيش، وقيل (هو) الرطبة.
٨٥٦ - احتج بأن النبي ﷺ بُعث إلى الكافة، فيجب أن يكون في الكتاب المنزل عليه لسان الكافة.
الجواب: أنه يجب أن يكون فيه على (قولكم جميع اللغات) من التركية والزنجية وأصناف الفارسية والأمر بخلاف ذلك.
جواب آخر: يجب أن يكون فهي من هذه اللغات على قولكم ما يعلم به المراد ويقع به التبليغ، فأما هذه الكلمات الشاذة فلا تبليغ يحصل بها ولا بيان.
جواب آخر: إن كان مبعوثًا إلى الكافة إلا أن قصده إعجاز العرب، لأنهم أهل الفصاحة والبيان ونظم الأشعار والخطب، فإذا ظهر عجزهم فغيرهم أعجز، فثبت صدقه في حق الجميع.
وعلى هذا الترتيب بعث الله سبحانه الأنبياء فبعث موسى إلى أحذق الناس بالسحر فجعل معجزته من جنس ما يدعونه وبعث عيسى في زمان الأطباء فكانت معجزته من جنس ما يدعونه، حتى إذا
[ ٢ / ٢٨٠ ]
عجزوا كان غيرهم أعجز، فكذلك العرب كانوا في زمانهم أفصح الناس لسانًا وأحسنهم بيانًا فجعل معجزته من جنس ما يدعونه، ليبين عجزهم فيكون ذلك أظهر في الحجة، وأبين في المعجزة.
٨٥٧ - فصل: يجوز تفسير القرآن على مقتضى اللغة، ذكره شيخنا وقال: قد فسر أحمد ﵀، قال في رواية المروزي "روح الله" إنما معناها (أنها) روح خلقها الله تعالى كما يقال عبد الله وسماء الله وأرض الله، وقال في قوله سبحانه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ هو جائز في اللغة يقول الرجل سأجري عليك رزقًا أي سأفعل لك خيرًا، وظاهره أنه فسره على مقتضى اللغة.
وروي عنه الفضل بن زياد: أنه سئل عن القرآن يتمثل الرجل له بشيء من الشعر؟
فقال: "لا يعجبني". قال: "وظاهره المنع".
٨٥٨ - الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ وهذا يدل على أنه إذا تحقق معنى اللفظ في اللغة حملناه عليه.
[ ٢ / ٢٨١ ]
٨٥٩ - واحتج من منع بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
الجواب: أنه محمول على بيان الأحكام.
٨٦٠ - واحتج بقوله: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾.
الجواب: أنا لا نحتج بقولهم في الحدود والأحكام إنما يحتج بقولهم في الألفاظ ومعناها مثل السواد والبياض والإنسان، فأما أخبارهم وحكمهم فلا نقبله.
٨٦١ - فصل: يجوز أن يتعلم التأويل لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾، فحث على تدبره، وروى يحيى بن سلام في تفسيره أن النبي ﷺ دعا لابن عباس فقال: "اللهم فقهه/٨٤ أفي الدين وعلمه التأويل".
وروى أبو بكر عن ابن مسعود قال: "كان الرجل منا إذا
[ ٢ / ٢٨٢ ]
تعلم عشرًا لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن ويعمل بهن" فدل على أن التأويل مستحب.
٨٦٢ - فصل: وأما تفسيره برأيه من غير لغة ولا نقل فمكروه. روى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال في القران برأيه فليتبوأ مقعده من النار" وعنه أنه قال: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ" أي في فعله حيث قال بالرأي، وعن عائشة "ما كان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيات علمه جبريل ﵇ إياها".
٨٦٣ - فصل: ونرجع إلى تفسير الصحابة ﵃، ويتخرج وجه أنه لا يرجع إليهم على ما قلنا إن قولهم ليس بحجة.
وجه الأول: أنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل وعلموا، فيجب أن يرجع إلى قولهم، لأنه أمارة ظاهرة. ويحتج للآخر: بأنه شخص يقر على الخطأ فهو كالتابعين وفارق الرسول ﷺ، فإنه لا يقر على الخطأ.
[ ٢ / ٢٨٣ ]