به لو قدرنا وذلك مقصود (الأمر) ولأن الواحد منا لا يأمر من هو عاجز بشرط أن يزول العجز لأنه لا يعلم هل (يزول) العجز أم لا؟ والله تعالى يعلم ذلك.
(ولأنا نقول: يجوز أن يكلف الله تعالى بشرط أن يقدر على ذلك ويجوز أن يكلف وهو يعلم أنه لا يقدر فما المانع من ذلك وقد يأمر الإنسان عبده فتارة يقدر على ما أمره وتارة لا يقدر والله أعلم بالصواب).
٣٢٩ - مسألة: هل يدخل الآمر في الأمر؟ قال شيخنا: يدخل النبي ﷺ فيما يأمر به أمته، وذكر أن من كلام أحمد ﵀ ما يدل عليه لأنه قال في رواية الأثرم وقد سأله عن حديث أم سلمة: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من
[ ١ / ٢٦٩ ]
شعره ولا من أظفاره" وحديث عائشة ﵂ خلاف هذا قالت: "كان إذا بعث بالهدى وأقام لم يجتنب شيئًا وهذا إذا أراد أن يضحي في مصره لا يمس من شعره ولا من أظفاره فعارض نهيه بفعله، فلو كان لايدخل فيما نهى عنه لم يحتج بفعله عليه لأنه كان يقول نهيه خاص لأمته فلا يكون فعله مبطلًا للنهي، وأشياء عارض فيها نهيه بفعله ذكرها وجميعها لا تدل على هذه المسألة، بل تدل على أن فعله يجب أن يتبع فيه كما (أن) أمره ونهيه يتبع فيه فيتعارضان.
فأما أن يدل على أنه يدخل في الأمر أو لا يدخل فلا.
وهذه (المسألة) تشتمل على (فصول).
٣٣٠ - (أحدها): أن يقال: هل يأمر الإنسان نفسه أم لا؟
وهذا لا يخلو أن يراد به (الإنسان يمكنه أن) يأمر نفسه بأن يقول: افعلي يا نفس كذا وكذا، فذلك ممكن لا شبهة فيه،
[ ١ / ٢٧٠ ]
ولكن لا (نقول) أمرًا حقيقة لأن من شرط الأمر الرتبة والاستعلاء وذلك لا يتأتى إلا بين (ذاتين تترتب إحداهما على الأخرى، ولا يحسن أيضًا لأن فائدة الأمر أن يعلم المأمور به وينظر) طاعته أو مخالفته ويؤكد/٣٦ أالحجة عليه ويكون الآمر ممن يتقرب المأمور إليه بفعل ما أمر به (وكل) هذا لا يحسن في أمر الإنسان نفسه لأن نفسه تعلم بالأمر قبل أن يقول لها افعلي وتعرف طاعتها ومعصيتها، والنفس لا تتقرب إلى الإنسان.
٣٣١ - والآخر: إذا أمر الإنسان غيره هل يدخل في الأمر؟
لا يخلو أن يكون ناقلًا للأمر عن غيره فينظر في خطابه فإن كان يتناوله مثل أن يقول: إن الله تعالى يأمرنا بكذا فإنه يدخل فيه (ولا) يذكر عن نفسه شيئًا نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
[ ١ / ٢٧١ ]
الأُنثَيَيْنِ﴾ (فإنه) يدخل فيه أيضًا لأن خطاب الله تعالى يتناول كل مكلف إلا من خصه الدليل.
وإن كان لا يتناوله نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ كما لم يدخل موسى ﵇ في ذلك الأمر بدليل أنه قال في آخر القصة: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ولا يظن بموسى ﵇ أن يأمره الله تعالى بذبحها فلا يكاد يفعل.
٣٣٢ - وإن لم يكن ناقلًا للأمر عن غيره، بل كان المخاطب بالأمر هو الآمر فلا يدخل في الأمر عندي، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وقال بعض الشافعية يدخل في الأمر.
٣٣٣ - دليلنا ما تقدم أن الإنسان لا يحسن أن يأمر نفسه ولا يكون (ذلك) أمرًا حقيقة.
٣٣٤ - دليل آخر: أنه لا خلاف بين أهل اللسان أن
[ ١ / ٢٧٢ ]
السيد إذا أمر عبده أن يسقيه (ماء) أنه لا يدخل هو في (هذا) الأمر، فكذلك النبي ﷺ إذا أمر أمته.
٣٣٥ - دليل آخر: أن الآمر لا يجوز أن يكون مأمورًا، كما لا يجوز أن يكون المأمور بالشيء آمرًا به، وكذلك لا يجوز أن يكون الطالب للشيء مطالبًا به ولا السائل عن الشيء مسؤولًا عنه.
٣٣٦ - دليل آخر: لو جاز (دخوله في غير أمره) لجاز أن يدخل في أمره لنفسه وحده، وهو أن يقول: افعل كذا (وكذا) ولما ثبت أنه لا يجوز أن يختص بالأمر فكذلك لا يدخل في عموم الأمر.
٣٣٧ - دليل آخر: أن مقصود الآمر (امتثال المأمور) سواء ضر أو نفع، ولهذا يقول المأمور: أطعت وامتثلت وفعلت، وهذا لا يكون إلا من (الغير) وكذلك الإنسان يجتنب ما يضره ويأتي ما ينفعه فلا يتصور أن يدخل فيما يضره مع كونه مجتنبًا له لأنه يتناقض.
٣٣٨ - دليل آخر: أن الأمر هو الاستدعاء للفعل بالقول ممن هو دونه ولا يتصور أن يكون الإنسان دون نفسه (كذا لا يجوز
[ ١ / ٢٧٣ ]
أن يأمر نفسه) فلم توجد حقيقة الأمر وفيما قررنا في الأول (مغن عن) هذه الأدلة كلها.
٣٣٩ - دليل آخر: (أنه) لما لم يجز أن يخبر نفسه، كذا لا يجوز أن يأمر نفسه لأنه لا فائدة فيهما ويجوز أن يخبر غيره عن نفسه ويأمر بأمره.
٣٤٠ - احتجوا بأن: النبي ﷺ لما أمر أصحابه بفسخ الحج إلى العمرة قالوا: "أتأمرنا بالفسخ وأنت لا تفسخ"؟ فقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ولحللت كما تحلون"، فلولا أنه يدخل معهم في الأمر لما قالوا له فلم لا تفسخ.
الجواب: أن هذا ليس بأمر منه ولهذا لا يجب فسخ الحج إلى العمرة وإنما أشار عليهم بالتحلل للترفه. فقالوا: فأنت لم لا تترفه؟ فبين عذره ثم لو كان ذلك أمرًا احتمل أن يكون الآمر هناك هو الله ﷾ ليتمتع من لم يسق الهدى ليخرج هديًا فيتسع اللحم على فقراء الحرم والنبي ﷺ قد ساق الهدى فقد حصل المقصود وأمر الله تعالى يدخل فيه كل مكلف.
٣٤١ - احتج بأن أمر النبي ﷺ يتضمن الإخبار عن
[ ١ / ٢٧٤ ]