بها، فلو جاز التعبد بها لجاز التعبد بما لا (يمكن) فعله.
الجواب: لا نسلم أن التعارض يمنع من العمل بالخبر، بل قد يعمل (به) مع التعارض على ما يترجح من أحد الخبرين على الآخر، كما يعمل المسافر في طريقه (على ما يترجح من أمارة السلامة، وأمارة الهلال، ثم يبطل ما ذكروه بالعمل بالبينات والفتاوى مع التعارض) ثم ليس كل خبر (يرد) [له] ما يعارضه، فقولوا: يجوز التعبد بما لا يعارض.
مسألة
يجب العمل بخبر الواحد شرعًا وعقلًا، نص عليه في رواية جماعة منهم أبو الحارث: إذا جاء خبر الواحد، وكان إسناده صحيحًا (وجب) العمل به واحتج بخبر القبلة وخبر
[ ٣ / ٤٤ ]
إهراق الخمر، وفي لفظ آخر: إذا كان الخبر صحيحًا ونقله الثقات فهو سنة يجب العمل به على من عقله وبلغه، ولا يلتفت إلى غيره من رأى ولا قياس.
وبه قال أكثر الفقهاء والمتكلمين، إلا أن منهم من يقول: (لا يجب) العمل به عقلًا ويجب العمل به شرعًا.
[ ٣ / ٤٥ ]
وقال القاشاني وابن داود والرافضة: لا يجوز العمل به.
وقال قوم: يجوز ورود التعبد به، لكن لم يرد التعبد به.
لنا على وجوب ذلك الشرع قوله: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ فتعبدنا بقبول خبر كل طائفة خرجت للتفقه، ثم أنذرت قومها، وهذه صفة خبر الواحد، لأن الفرقة تقع على الثلاثة، والطائفة منها واحد أو اثنان، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ
[ ٣ / ٤٦ ]
مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فأوقع على الأخوين اسم الطائفتين. وقال: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ قال محمد بن كعب القرظي: [كان هذا رجلًا واحدًا] فثبت أن الطائفة تقع على الواحد. واختلف أهل التفسير، فقال بعضهم: المتفقهة هي النافرة، وقال (بعضهم): هي الباقية لا تنفر في الجهاد والأسفار، ليتفقهوا في الدين وأي ذلك كان. فالدليل منه موجود.
فإن قيل: (الآية) تقتضي أن يقبل خبر طائفة من كل فرقة، ومجموع ذلك (يحصل) به التواتر.
قيل: لا يجوز ذلك، لأنه قال تعالى: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ وقوم كل طائفة بقية فرقتها، لأن الفرق مختلفة غير مجتمعة، فلا يمكن رجوع جميع الطوائف إلى فرقة ليسوا من قومهم، ولا عندهم.
[ ٣ / ٤٧ ]
فإن قيل: فليس في الآية ما يدل على قبول قول (المخبر)، وإنما يدل على أن المتفقه تنذر.
قيل: الله تعالى سماهم منذرين، والمنذر: المحذر، ولهذا قال ﷾: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أي ليحذروا فدل على وجوب الحذر، كما قال: (لعلهم يتقون)، ولا يجب الحذر إلا إذا وجب قبول قول المخبر المحذر.
فإن قيل: حذرهم، (ليسألوا) ويبحثوا عن ذلك، فإن وقع لهم صحة العلم بالخبر أخذوا (به).
(قلنا): إنه أوجب الحذر بمجرد إنذار الطائفة، لا بمعنى آخر كما لو قال: "جالس الصالحين لعلك تصلح" أفاد أن مجالستهم سبب (الصلاح) لا شيء آخر.
ولأن الطائفة يلزم قبول قولها قبل البحث، لأنها تخبرهم (بوجوب) فعل أو (تحريمه)، فيلزمهم المصير إلى ذلك، لأنا إن كنا نشرب النبيذ فخبرتنا الطائفة بتحريمه وجب علينا الإمساك عن شربه وذلك تحريم شربه، وإن كنا تاركين لبعض العبادات فأخبرتنا بوجوبها وجب إمساكنا عن (تركها) والإخلال بها، وذلك (هو) إيجاب (فعلها) فدل على إيجاب الرجوع إلى خبر الطائفة.
[ ٣ / ٤٨ ]
(جواب آخر) أن الإجماع وقع على (أنه لا يجب على) (أهل) الموضع الذي بلغهم خبر الطائفة: أن يخرجوا جميعهم، ويتركوا أوطانهم حتى يسمعوه من جماعة (خرجوا) فسمعوه من رسول الله ﷺ، ولم ينقل أن أهل القرى كانوا يخرجون جميعهم إلى الرسول ﵇ فيسمعوا منه الخبر، وما سنه، و(ما) شرعه، ولا فعل ذلك (بعد) الرسول ﷺ.
(وجواب آخر): أنه لو لزم ذلك، لكان فيه من الضيق والحرج مالا يحتمل، لأنهم لا يمكنهم الاستقرار في مواطنهم، /لأن شرع النبي ﷺ وأخباره كانت تحدث وقتًا فوقتًا، فكلما بلغهم خبر احتاجوا جميعهم إلى الخروج فتخرب أوطانهم، وتضيق معايشتهم، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
فإن قيل: فلا حجة في الآية، لأنها واردة في الفتوى، ولهذا قال: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ فيصيرون من أهل الاجتهاد، ثم لينذروا بالفتوى، والإنذار بالفتوى يجب قبوله على العامي.
قلنا: كثير من (أهل) هذه الطائفة مذهبهم لا يلزم
[ ٣ / ٤٩ ]
العامي (قبول) قول الواحد في الفتوى، كما لا يلزمه في الخبر، ومن سلم ذلك لزمه مثله في الخبر، لأنه إذا أخبره عن ظنه واجتهاده، لزمه قبوله، فإذا أخبره عن عمله وسماعه أولى أن يلزمه.
(وجواب آخر): أن التفقه كان في (الزمن) الأول بسماع الأخبار، وذلك نوع من التفقه، فإذا أنذره لزمه أن يقبله، سواء كان فتيا أو نقلًا، وحمله (عليهما) أولى، لأنه حمل اللفظ على عمومه في كل تفقه، ولأن الخبر يلزم العامي والمجتهد، والفتيا لا تلزم إلا العام فحمل الآية على ما يعم أولى.
فإن قيل: لا يجوز الحمل على ذلك، لأن الفرقة لم يكن فيهم مجتهد، لأنه لو كان فيهم مجتهد لم يلزمهم أن ينفرقوا ليتفقهوا في الدين.
(قلنا): الأحكام كانت في زمن النبي ﷺ تتجدد، والنسخ يجوز، فيجب على الفرقة أن ينفر منهم من (يتعرف) ذلك، وإن كان منهم مجتهد.
(ودليل آخر): قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ
[ ٣ / ٥٠ ]
فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ فشرط في التثبيت والتبين على اختلاف القراءتين، كون المخبر فاسقًا، فبان من هذا أن خبر العدل لا تثبت فيه، لأنه لو كان (حالتهما) سواء، لم يكن لشرط الفسق معنى.
فإن قيل: هذه الآية نزلت في شأن الوليد بن عقبة (ابن أبي معيط) بعثه النبي ﷺ مصدقًا، فعاد وأخبر أن الذين بعثه إليهم أرادوا قتله، فهم النبي ﷺ أن يغزوهم، فنزلت الآية تخبره: أنه غير عدل، فلا يكون فيها حجة على مسألتنا.
(قلنا): لو ثبت ورودها في ذلك، فهي حجة من حيث أن النبي ﷺ قبل خبره، وهم بغزوهم، ومن حيث أن اللفظ أعم من سببه، فلا (يقتصر) عليه.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ وهنا يخاف في خبر الواحد العدل، كما يخاف في خبر الفاسق.
(قلنا): الجهالة تصحب خبر الفاسق، لأنه لا يقوى في الظن خبره، فأما خبر العدل، فإنه يغلب على الظن صدقه، وغلبة
[ ٣ / ٥١ ]
الظن (ضرب) من العلم، لأن العلم: (هو) ظنون تتزايد.
(دليل آخر): أن النبي ﷺ كان يبعث إلى البلاد النائية ليعلمهم الأحكام، مثل ما بعث عليًا ومعاذًا، وعمرو ابن حزم إلى اليمن، وبعث عتاب بن أسيد إلى مكة،
[ ٣ / ٥٢ ]
ومصعب بن عمير إلى المدينة، وبعث سعاته لجباية الصدقات، وتعليم أرباب الأموال ما يجب عليهم من الزكاة. فثبت أن خبرهم مقبول، ولو كان قول الواحد لا/ (يلزم قبوله لم يبعثهم).
فإن قيل: قد بعث آحادًا يدعون إلى الإسلام، ولا يقبل قول الواحد في الإسلام، فكل عذر لكم في ذلك. فهو (عذر لنا).
(قلنا): دعا النبي ﷺ إلى الإسلام، وكلمة التوحيد، كان قد استفاض وانتشر في (الآفاق)، وتحدثت به ملوك الطوائف وقبائل العرب في أماكنها، وعلموه، وإنما بعثه ﵇ (ليطالبهم) بالدخول في ذلك، والمصير إليه، فإن دخلوا فيها
[ ٣ / ٥٣ ]
أخبرهم بأحكامه، فإما أن يكون (الواحد) يخبرهم بالتوحيد وإثبات الرسالة فلا.
على (أن) ذلك طريقة العقل عندكم، فبعث من (يثنيهم) على ما في عقولهم، وليس ذلك بدعاء إلى الإيمان.
(دليل آخر): (أجمع) الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد، فقبل أبو بكر خبر المغيرة بن شعبة، ومحمد بن سلمة في توريث الجدة، وعمل عمر ﵁
[ ٣ / ٥٤ ]
(بخبر) عبد الرحمن بن عوف في المجوس، وأخذ الجزية منهم، وعمل علي ﵁ (بخبر) الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها، وعمل بخبر
[ ٣ / ٥٥ ]
(حمل) ابن مالك بن النابغة في الغرة في الجنين، وعمل عثمان بخبر فريعة بنت مالك في سكن المتوفى عنها زوجها.
وقال علي ﵁: ما حدثني أحد بحديث إلا استحلفته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، ورجع إلى خبر المقداد في المذى. ورجعت الصحابة إلى خبر عائشة في التقاء الختانين وأنه
[ ٣ / ٥٦ ]
يوجب الغسل وإلى خبر رافع في المخابرة وقال ابن عمر: كنا تخابر أربعين سنة، لا نرى بذلك بأسًا حتى أخبرنا رافلع بن خريج أن النبي ﷺ: نهى عن المخابرة.
ورجع ابن عباس عن قوله: إنما الربا في النسيئة، إلى خبر أبي سعيد الخدري. ورجع أهل قباء إلى خبر الواحد في (نسخ) القبلة.
ورجع جماعة في إراقة الخمر إلى خبر الواحد.
ورجع زيد بن ثابت إلى قول امرأة من الأنصار في ترك
[ ٣ / ٥٧ ]
الحائض طواف الوداع، وأمثال ذلك كثير فدل على إجماعهم.
فإن قيل: جميع هذه الأخبار آحاد، فلا يثبت بها (أصول).
قيل: هذه الأخبار وإن كان كل واحد منها خبر واحد، فجملتها متواترة، لا يجوز مع كثرتها أن يكون كلها كذبًا، كما أن الأخبار عن (سخاء) حاتم وشجاعة عنترة، وحلم
[ ٣ / ٥٨ ]
الأحنف بن قيس، متواترة في الجملة، وإن نقلت إلينا نقل الآحاد، ولأنه لا يجوز أن يكون جميع ما روى عن الرسول ﷺ من (الأخبار كذبًا)، كما لا يجوز أن يقال: إن الجماعة الكثيرة اتفقوا على الكذب في خبر نقلوه.
فإن قيل: يحتمل أنهم عملوا بهذه القضايا لسبب آخر غير الخبر، أما لأنهم ذكروا شيئًا سمعوا من النبي ﷺ، أو لاجتهاد تجدد لهم.
قيل: لو كان (كذلك) لنقل، لأن العادة أن من اشتد (اهتمامه) بأمر التبس عليه ثم زال عنه (بتذكر أو اجتهاد أن) يظهر ذلك ويسر به، كما قال عمر في خبر الآذان: وعيشك لقد رأيت مثل ما رأى، ولأن سكوتهم عن ذلك وعملهم عند الخبر، يدل على أنهم أخذوا به، وإلا كان في ذلك تلبيس على الناس، وإيهام لهم ما لا يجوز، ولأن ما نقل في الأخبار يمنع من ذلك،
[ ٣ / ٥٩ ]
لأنه روي عن عمر: أنه قال في الجنين: "كدنا نقضي فيه بآرائنا"، وأبو بكر قال للمغيرة: "ائتنا معك بآخر" في ميراث الجدة، (فجاءه) بمحمد بن مسلمة.
وابن عمر قال: كنا نخابر ولا نرى بأسًا حتى أخبرنا رافع: بأن النبي ﷺ: نهى عن المخابرة فانتهينا، والأنصار رجعت إلى قول عائشة بعد أن كانوا يفتون: الماء من الماء.
فإن قيل: فمن أين (نعلم) أن جميعهم عملوا بأخبار الآحاد؟
قيل: لأنهم كانوا بين عامل بها، وبين ساكت عن النكير فدل على رضاهم بالعمل بها، إذ لو كان بعضهم لا يرى ذلك، ويعتقده خطأ لأنكره، لأن الإقرار على الخطأ لا (يجوز، ولا) يحل السكوت عنه.
فإن قيل: فقد (نقل) عنهم أنهم ردوا خبر الواحد في بعض الحوادث كقول عمر في خبر فاطمة بنت قيس: لا ندع
[ ٣ / ٦٠ ]
كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري أصدقت أم كذبت. ورد حديث أبي موسى في الاستئذان، حتى شهد معه. أبو سعيد، ورد أبو بكر حديث المغيرة حتى شهد معه محمد بن مسلمة.
قيل: رد عمر لخبر فاطمة يحتمل أوجهًا، إما أن يكون نسخًا، والنسخ لا يجوز بخبر الواحد، أو يكون تخصيصًا وعنده لا يخص القرآن بخبر الواحد، أو يكون اتهمها، لأنها لم تكن عنده
[ ٣ / ٦١ ]
ضابطة، ولهذا قال علي في بروع بنت راشق: لا أقبل شهادة الأعراب على رسول الله ﷺ وأراد (به) أنهم لا يضبطون.
أما رد خبر المغيرة، فإن أبا بكر ﵁ لم يرد خبره، ولكن استظهر بمحمد بن مسلمة، ولهذا لا فرق عندنا وعند مخالفينا بين خبر الواحد والاثنين، وكذلك خبر أبي موسى.
فإن قيل: فلم قبل أهل قباء خبر الواحد في نسخ القبلة، وذلك لا يجوز بالإجماع؟
قيل: (له خطأ) أهل قباء في ذلك لا يلزمنا، ثم
[ ٣ / ٦٢ ]
يحتمل أن الرسول ﷺ (علم بنسخها) فأخبرهم ووعدهم أن ينفذ إليهم إذا نسخت، ولهذا قبلوه.
دليل آخر: أنه إذا وجب على العامي الرجوع إلى فتوى العالم، وهي إما إخبار عن إمامه، كأحمد وأبي حنيفة، والشافعي، أو عن اجتهاده ورأيه، فلأن يرجع المجتهد إلى خبر الواحد عن الرسول ﷺ مع غلبة ظنه بصدق الراوي أولى.
دليل آخر: أنه قد يجب الحكم بشهادة الشاهدين (العدلين) فيجب أن يجب العمل بخبر العدلين عن الرسول ﷺ، وما الفرق بينهما؟ وكلاهما يفيدان الظن.
(دليل آخر: أنه) لا بد للأحكام الشرعية من طريق، وقد يحدث من المسائل ما ليس في كتاب ولا سنة (متواترة)، ولا إجماع، ولا قياس، فلم يبق أن يكون طريقه إلا خبر الواحد.
[ ٣ / ٦٣ ]
فإن قيل: فالناس ينقلون اللغة ولا يمنعون، ولا فائدة فيها. تمسكنا بحكم العقل.
(قلنا): العقل ليس بطريق الأحكام الشرعيات)، (ثم) قد يحدث ما لا يدل عليه العقل.
دليل آخر: ذكره شيخنا: وهو لو لم نوجب العمل لوجب الإنكار على من تشاغل بحفظه ونقله وروايته، لأنه لا فائدة فيه (إلا تضييع) الزمان به، وقد رأينا الأمة مجمعة على أن ذلك حسن، والناس يسافرون (إلى) البلدان، وينفقون الأموال عليه، فدل على أن فيه فائدة، وليس ذلك إلا العمل.
فإن قيل: فالناس ينقلون اللغة ولا يمنعون، ولا فائدة فيها.
(قلنا): بل فيها (أهم) الفوائد، لأنها أصل كلام العرب، وبها تعرف معاني (القرآن) (وكلام) الرسول ﷺ ويتأدب الناس بها، فدل على ما ذكرنا.
[ ٣ / ٦٤ ]
وعندي أن فيه ضعفًا، لأن للمخالف أن يقول (فيه): فائدة وهو أن يتنبه بها المجتهد، ويبحث عن الحكم الوارد فيها، فيطلبه في معاني الكتاب أو التواتر أو في القياس، وهذا من أتم الفوائد.
(احتج المخالف): بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
(والعمل بخبر) الواحد اقتفاء لما لا نعلم، وقول بما لا نعلم، لأنه موقوف على الظن.
الجواب: أنا ما اقتفينا إلا ما علمنا بالدليل القاطع الدال على وجوب العمل بخبر الواحد، وقد ذكرنا ذلك (وأوضحناه)، وكذلك لم نقل إلا ما علمناه.
[ ٣ / ٦٥ ]
(احتج): بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.
الجواب: أنا لا نتبع خبر الواحد بالظن، بل بالدليل الموجب للعلم، وإنما ذم الله تعالى: من اتبع مجرد ظنه من غير دليل، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني عن الحق شيئًا﴾ (بمجرده) من غير دليل.
احتج: بأن المخبر الواحد يجوز أن يكذب (أو يغلط)، فلا يجوز العمل بخبره.
الجواب: أنه يلزم عليه خبر (الشاهدين) في الحقوق كلها، وخبر المفتي العامي، ورسول المفتي أيضًا، وقول الطبيب في المرض، والمخبر عن الطريق.
احتج: بأن طريق قبوله الشرع، ولم نجد في الشرع ذلك، ولو كان لوجدناه كما وجدنا الدليل على (قبول) الشاهدين في
[ ٣ / ٦٦ ]
الحقوق والمفتي بقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾.
الجواب: أنا قد بينا أن الشرع قد ورد بذلك في أدلتنا بما يغني عن الإعادة.
احتج: بأنا لا نقبل خبر الواحد في الأصول، (كذلك) في الفروع.
(الجواب: أنه جمع بغير علة، ثم الأصول عليها دلائل توجب العلم، فلا حاجة إلى قبول خبر الواحد بخلاف الفروع)، ولأن الأصول تقف على العلم، (وبخبر) الواحد لا يحصل (العلم) بخلاف الفروع.
واحتج: بأن من أخبرنا: أنه نبي، وخوفنا من مخالفته، لا يلزمنا قبول قوله من غير حجة، كذلك من أخبرنا بأحكام الشرع.
الجواب: أنه جمع (بغير) علة، على أن الدليل لم يدل على قبول قول مدعي النبوة، ودل على قبول خبر الواحد في (العمل)، ولأنا قد بينا فيما تقدم: أن النبوة من
[ ٣ / ٦٧ ]
الرياسات العظيمة التي تدعو إليها النفوس، ويحمل عليها حب التعظيم والأمر والنهي، فلا يقبل قول المدعي لها بغير دليل، ألا ترى أنا لا نقبل قول من ادعى مالًا لنفسه من غير دليل، وتقبل شهادته لغيره.
واحتج: بأنه (قد) روى عن النبي ﷺ: أنه قال: "سيكذب علي"، وهذا خبر واحد.
فإن قبلتموه، فلا تقبلوا خبر الواحد، لأنه قد ثبت أن في ذلك كذبًا، ولا يتميز لنا الكذب من الصدق، وإن رددتموه، فردوا جميع أخبار الآحاد.
(الجواب: أنا لا نعرف هذا الخبر)، (فبينوا إسناده)، (ولو صح) فإن هذا الخبر لا يثبت الكذب، (لأنه) لا يعلم هل كذب عليه أم لا؟
وجواب آخر: أنا لم نقبل جميع الأخبار، فنكون قد قبلنا الكذب وإنما قبلنا ما رواه الثقات، وغلب على الظن صدق الراوي
[ ٣ / ٦٨ ]
فيه، (ثم قد) روى أن النبي ﷺ: أنه قال: (شاهد الزور يتبوأ مقعده/ من النار). ولا يجعل ذلك سببًا لرد ١١٣ ب (الشهادة).
[ ٣ / ٦٩ ]
فصل
والدليل على قبول خبر الواحد من جهة العقل، أنه معلوم بالعقل، وجوب التحرز من المضار وحسن (اجتلاب) المنافع، فإذا ظننا صدق من أخبرنا بمضرة إن لم (تقصد)، (أو إن) لم نشرب الدواء، أو إن سلكنا في سفرنا طريقًا مخصوصًا، أو إن لم نقم من تحت هذا الحائط، لزمنا في العقل العمل على خبره، لأننا قد ظننا في التفصيل ما علمناه في الجملة من وجوب التحرز من المضار، فكذلك في الشرع إذا علمنا في الجملة وجوب الانقياد للنبي ﷺ فيما يخبرنا به من مصالحنا، ووجوب التحرز (مما) يخبرنا: بأنه من مضارنا، (فإذا ظننا بخبر الواحد: أنه ﵇ قد دعا إلى فعل أخبرنا: أنه مصلحة) أو نهانا عن فعل ما هو مفسدة، (فقد) ظننا تفصلا (لما) علمناه في الجملة، فوجب فعله، وهذا هو العلة، لأن الحكم يوجد بوجوده وينتفي بانتفائه، ويوضح ذلك، أنا إذا علمنا في الجملة وجوب التحرز في المضار، وظننا بالخبر: أن علينا في الفعل مضرة، (ولم) يمكن العلم وجب علينا
[ ٣ / ٧٠ ]
تجنبه، لما ذكرنا من علمنا في الجملة بوجوب دفع المضار، وأن خبر الواحد (أوقع) لنا ظنًا: أن في هذ الفعل مضرة، إذ لو لم نظن، أن في الفعل مضرةلم يجب علينا تجنبه، فعلم أن العلة ما ذكرنا.
فإن قيل: إنما وجب قبول خبر الواحد في العقليات، لأنه من أمور الدنيا، وأمور الدنيا تدبر بالعقل، وأما الشرعيات فلا نعلم مصلحتها بالعقل، فلا تدبر بالعقل.
قلنا: لا فرق بينهما، لأن التحرز من المضار الدنيوية والدينية معلوم بالشرع، والعقل واجب فيهما.
فإن قيل: إنما قبلنا خبر الواحد في العقليات، لأنه يغلب على الظن وصول المضرة (عند مخالفته بخلاف خبر الواحد في الشرعيات، لأنه لا يغلب على ظننا وصول المضرة) إن لم نقبله.
قلنا: لا نسلم، لأن العدل إذا أخبرنا غلب على ظننا وصول المضرة بمخالفته.
فإن قيل: (قد) جرت العادة بنزول المضار فيما ذكرتم من الطريق والحائط بخلاف الشرع.
(قلنا): وقد جرت عادة الشرع بإلزام العبادات، ولا يمتنع في العقل أن يكون ذلك في خبر الواحد.
[ ٣ / ٧١ ]
فإن قيل: الفرق بينهما: أن الشرعيات يمكن التوصل إليها بطريقة تقتضي العلم، نحو الرجوع إلى الكتاب والسنة المتواترة، والإجماع والبقاء على حكم العقل، فلم يجز الرجوع إلى الظن، (بخلاف العقليات من أمور الدنيا، لأنه يتعذر الرجوع فيها إلى طريقة معلومة، فجاز الرجوع فيها إلى الظن).
(قلنا): إذا كان في المسألة ما ذكرتم، من الكتاب والسنة والإجماع، لم يقبل فيها خبر الواحد على ضد ذلك، إلا أن يكون مخصصًا، وكلامنا في خبر الواحد إذا لم يخالف ما ذكرتموه.
فأما البقاء على حكم العقل، فإنا نتركه في العقليات بخبر الواحد، وهو فيما ذكرنا من (الدليل)، (فكذلك) نتركه في الشرعيات بخبر الواحد.
واحتج: بأن الشرعيات مبنية على المصالح، فإذا لم نأمن كذب (المخبر) لم نأمن أن يكون فعلنا (ما أخبرنا) به مفسدة، بخلاف العقليات، فإنها مبنية/ على الظن، فلا (ينافيها) تجويز الكذب.
[ ٣ / ٧٢ ]
الجواب: أن المصالح وإن كانت معتبرة في الشرعيات، فالمضار والمنافع هما المعتبران في العقليات والمعاملات، لأنا إنما نقصد بما نفعله تحصيل المنافع، والخلاص من المضار، كما نقصد بالشرائع تحصيل المصالح، فإذا قام غالب الظن في المنافع والمضار العقلية مقام العلم، مع تجويز كذب المخبر، فكذلك غالب الظن بصدق المخبر في الشرعيات، (فلو جاز أن لا نقبل خبر الواحد في الشرعيات)، لجواز كذب المخبر فيكون ما (أخبر به) مفسدة، لجاز أن لا نقبل خبر الواحد في العقليات، (لجواز) كذب المخبر، فتلحقنا المضرة في اتباعه، على أن قوله: "لا نأمن أن يكون المخبر كاذبًا فنكون باتباعه فاعلين المفسدة" (يوجب) أن نقول بقبح ورود (الشرع) بقبول خبر الواحد، لأن (فعل) لا يؤمن كونه مفسدة قبيح، ولم نقل ذلك.
واحتج: بأن العمل على غالب الظن في دفع المضار في الدنيا، هو الأصل للعمل على العلم بدفع المضار، لأن أمور الدنيا المستقبلة غير معلومة، وإنما هي مظنونة، بخلاف أمور الدين، فإن المظنون منها لا يقال هو أصل للمعلوم.
[ ٣ / ٧٣ ]
(الجواب): إن هذا فرق غير مؤثر في جمعنا، لأنه (لا يجب) إذا (أشبه) الظن (لأمور الدين الظن) لأمور الدنيا في وجوب العمل عليها، أن يشبتها (من) كل وجه، بل لا يمتنع أن يجب العمل (عليهما) ويكون العمل على الظن في [الدنيا] أصلًا للعمل على العلم في أمور الدنيا. ويكون العمل (على الظن) في أمور الدين أصلًا بنفسه.
[ ٣ / ٧٤ ]
فصل
ويقبل في العمل خبر الواحد الثقة خلافًا للجبائي: أنه لا يقبل أقل من اثنين (عن اثنين) إلى النبي ﷺ، وحكى عنه أنه: لا يقبل في خبر يوجب حدًا في الدنيا إلا أربعة.
لنا: ما تقدم من الكتاب، فإن الطائفة تقع على الواحد، والسنة: أن النبي ﷺ كان يبعث عماله وقضاته إلى البلاد النائية آحادًا، والإجماع، فإن الصحابة رجعت إلى قول عائشة وخبر عبد الرحمن، وخبر رافع، والمعنى: بأنه إخبار عن حكم شرعي، فقبل عن الواحد كالفتوى، ولأن ما لا يشترط في الفتوى لا يشترط في الخبر كالحرية والذكورية، ولأنه طريق لإثبات الأحكام، فلم يشترط فيه العدد، كالأصل الذي يقاس عليه، ولأن اعتبار اثنين إلى النبي ﷺ يتعذر غالبًا فسقط اعتباره.
[ ٣ / ٧٥ ]
احتج المخالف: بأن النبي ﷺ: لم يقبل قول ذي اليدين في الصلاة، حتى قال لأبي بكر وعمر أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقال: نعم.
الجواب: أنا لا نقول به، لأن النبي ﷺ رجع إلى قول ثلاثة (وهو لا يعتبر) ثلاثة.
(وجوب آخر وهو): أنه إنما لم يقبل قول واحد في السهو، لأنه (ليس أولى من ظنه، فلم يقدمه عليه، فإذا زاد آخر قبل قوله، لأنه) أقوى من ظنه، أو لأنه في التقدير كأنه خبر واحد.
واحتج: بأن أبا بكر ﵁ لم يقبل قول المغيرة في ميراث الجدة، حتى شهد معه محمد بن مسلمة، وعمر ﵁ لم يرجع إلى خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد معه أبو سعيد الخدري.
[ ٣ / ٧٦ ]
الجواب: أنهما فعلا ذلك احتياطًا واستظهارًا، ولهذا روى عن عمر: أنه قال لأبي موسى: لا أتهمك، ولكني أردت أن لا يجترئ أحد على رسول الله ﷺ، ولهذا رجع وغيره إلى خبر الواحد.
وجواب آخر: أنه يحتمل أن يكون الصديق لم يغلب على ظنه قول المغيرة، وكذا عمر فطلبا آخر، استظهارًا، ولهذا إذا لم (يقو) في قلب الحاكم قول الشاهدين جاز أن يلتمس شاهدًا ثالثًا.
واحتج: بأن الشهادة لا يقبل فيها إلا قول اثنين، كذلك الخبر، (لا يقبل فيه إلا قول اثنين).
الجواب: أن الشهادة تتأكد على الخبر، ولهذا لا يقبل فيها العنعنة والإرسال، ولا تقبل شهادة النساء في الحد، والعبيد عندهم، ويقبل خبرهم، ولأن إلحاق الخبر بالفتوى أولى، لأن كل واحد منها إخبار عن حكم شرعي. (والله أعلم بالصواب).
[ ٣ / ٧٧ ]