احتج: بأنه قد يجوز أن تترك الجماعة نقل الشيء لتقية، أو خوف فتنة.
الجواب: إنه لو جاز ذلك، لجاز أن يكذبوا، لما ذكرت، لأنهما سواء في القبح.
(قال): قد تركت الصحابة نقل مسح (الخفين)، والقران، والإفراد والرجم، حتى اختلفوا بعد ذلك فنقلوا.
الجواب: أنهم لم يتركوا ذلك، بل نقلوه وذكروه، لكن قومًا رجحوا القران في حكم غسل الرجلين والجلد، وكذلك القران والإفراد وقع لكل راو شبهة فيما نقل، لأن بعضهم سمعوه يلبي بالحج والعمرة، وبعضهم يلبي بالحج فقط، فنقل كل واحد ما سمع، (والله أعلم).
مسألة
يجوز التعبد بخبر الواحد شرعًا وعقلًا، وبه قال أكثرهم وقالت طائفة من المتكلمين: لا يجوز التعبد به.
(لنا): إن العقل لا يمنع أن يتعبدنا الله سبحانه (بالعمل) بخبر الثقة في الظاهر، كما تعبدنا بقبول الشاهدين،
[ ٣ / ٣٥ ]
وكما تعبد العامي بقبول قول المفتي، وقبول قول المرأة في حيضها وطهرها، وجواز قبول قول الهدية واستجلابها.
فإن قيل: هذه الأمور من أمور الدنيا، ولهذا يجوز الصلح عليها، فجاز قبول شهادة الآحاد فيها، بخلاف العبادات، فإنها مصالح للعباد، فلا يجوز (تثبيتها بخبر الواحد).
(قلنا): الشهادة تجوز فيما لا يدخله الصلح كالفروج، وإراقة الدماء، وما أشاروا إليه من كونها من أمور الدنيا، فهي كأمور الدين لأن الوجوب والقبح يدخل كل واحد منهما، على أن رؤية الهلال من أمور الشرع، يلزم بها العبادة من الصوم والحج، وكذلك إقامة الحدود عبادة شرعية، وكذلك قتل المشهود عليه شرع، (وقول المفتي شرع) فلا فرق بينهما.
فإن قيل: إنما علمنا بالشهادة لدليل قاطع على وجوب العلم بها، بخلاف الخبر.
(قلنا): (أخبار الآحاد) إنما نقبلها إذا دل على وجوب العمل بها دليل قاطع: فلا فرق بينهما.
ودليل آخر: قد ثبت جواز التعبد بالأخبار المتواترة، ولا فرق بين أخبار الآحاد وبينها في جواز التعبد، وإنما يفترقان من حيث أن (التعبد) بخبر الواحد غير معلوم، وبخبر التواتر معلوم، وهذا يلزم أن نجيز (العمل) بخبر الواحد، إذا دل دليل قاطع على وجوب
[ ٣ / ٣٦ ]
العمل به، أول تكاملت شروطه، فيعلم بتكامل الشروط وجوب العمل، إذ لا فرق بين أن يقول سبحانه: إذا غلب على ظنكم صدق الراوي فاعملوا بخبره، وبين أن (يقول) فافعلوا كذا (وكذا) في إنا نعلم (وجوب الفعل).
دليل آخر: لا يمتنع في العقل أن تكون لنا فيما يخبرنا به الواحد، مع جواز الكذب عليه، ألا ترى أن من خوفنا من سلوط طريق، حسن في العقل قبول قوله، والتوقف عن سلوكه، كذلك فيما يخبرنا الواحد من أخبار الديانات.
فإن قيل: فيلزمكم قبول/ (خبر) الفاسق، لجواز المصلحة، كما قلتم في أخباره عن الطريق.
(قلنا): لا يمتنع من ذلك عقلًا، وإنما الشرع منع من قبول (خبر) الفاسق.
فإن قيل: فيلزمكم أن تقبلوا خبر الواحد في أصول (الدين) وإثبات القرآن.
(قلنا): نقبله فيما كان عملًا، فإذا أخبرنا بقراءة شاذة فيها تحليل أو تحريم أخذنا به، ولم نثبته قرآنًا، لأن طريقه، وطريق
[ ٣ / ٣٧ ]
أصول الدين العلم، والعلم لا يقع به. على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
(احتج المخالف): بأن الشرائع مصالح (للمكلفين)، وخبر الواحد لا يعلم صدقه فيه، (فالعمل) به لا نأمن أن يكون مفسدة.
الجواب: أنه يلزم على ذلك (عدم) قبول قول المفتي، لأنه مخبر عن الشرع، وقبول قول الشاهد.
(وجواب آخر: أنه) لا يمتنع أن يكون قبول قول الواحد العدل مصلحة مع غلبة ظننا أنه صادق، كما كانت العبادات المعلقة على شروط من زوال الشمس وغروبها، ووجود نصاب وحول، فعلها عند ذلك مصلحة.
فإن قيل: وجود شروط العبادات معلوم متحقق بخلاف الخبر.
[ ٣ / ٣٨ ]
(قلنا): (يجوز) تعليق ذلك على غلبة الظن من زوال الشمس وغير ذلك.
وقد قيل: أن خبر العدل معلوم لنا، إذا ظننا صدقه، ولسنا نشترط صدقه.
فإن: قيل: ظنكم صدق الراوي، لا يخلو أن يكون طريقًا إلى المصلحة. أو شرطًا لا يجوز أن يكون طريقًا إلى المصلحة مع جواز الخطأ فيه وإن كان شرطًا فجوزوا أن يكون ظنكم كذبه شرطًا.
(قلنا): ظننا بصدق المخبر يجوز أن يكون شرطًا بحكم العقل دون كذبه، ألا ترى أنه لو أخبرنا مخبر (بسلامة طريق،
[ ٣ / ٣٩ ]
وغلب على ظننا صدقه حسن سلوكه، ولو غلب على ظننا) كذبه لم يحسن (بنا) سلوكه.
واحتج: بأنه لو كان ما يخبرنا به الواحد عن النبي ﷺ مصلحة مع ظننا صدقه، جاز أن يكون ما يخبرنا الواحد عن الله تعالى من أنه أرسله مصلحة، (أو أن الله) أمر بفعل كذا مصلحة، وما الفرق بين (خبره) عن الله تعالى وعن رسوله؟
الجواب: إن الخبر نقبله ونعمل به، لأنه ورد بقبوله دليل مقطوع به، إما من قول الله تعالى، أو قول رسوله، أو إجماع الأمة. فإما قبول النبوة ممن يدعيها، فلم يرد بقبولها دليل، فلهذا لم نقبله.
فإن قيل: فيجب أن تجوزوا، إذا قال نبي قد ثبتت نبوته بالمعجزة: إذا جاءكم نبي غلب على ظنكم صدقه (يجب) أن تقبلوا (منه).
الجواب: أن هذا لا يجوز، لأنه يؤدي إلى مفسدة، لأن النبوة من الرياسات العظيمة، والأمور الجسيمة، فلو يجوز (قبولها) ممن يدعيها، كان ذلك سببًا إلى أن يدعيها كل راغب في رياسة، بخلاف الخبر، فإن الإنسان إذا سمع شيئًا فأداه، لا يحصل له بذلك وجوب طاعته،
[ ٣ / ٤٠ ]
وامتثال أمره، ولا تحصل له بذلك رياسة عظيمة، فجاز قبول قوله، إذا غلب على ظننا صدقه، كما قبلنا قول المفتي والشاهد والحاكم.
وجواب آخر: إن تجويز كذب من يدعي النبوة من أقوى ما ينفر عنه، لأنه لا يجوز أن يكون من أكرمه الله بالرسالة كاذبًا، بخلاف المخبر، فإن تجويز كذبه لا ينفر عنه، ولأن من أخبرنا عن الرسول: أنه شاهده وسمع منه كلامًا، لا يمتنع/ (قبوله) في عقولنا، لأن مثل ذلك قد جرت به العادة في حق جماعة. فإما من يخبرنا باستماع كلام الله، (ومشاهدته) من غير (بينة)، يمتنع في عقولنا قبول قوله، إلا أن يأتي (بمعجزة) تدلنا على أنه مؤيد مختار.
واحتج: بأنه لو جاز التعبد بأخبار الآحاد في فروع الدين، لجاز في أصوله، حتى إذا أخبرنا: بأن أهل اللغة وضعوا هذا اللفظ للعموم، وهذا للخصوص، وجب أن يقطع بقوله.
الجواب: إن ما كفلنا (فيه) العلم، لا يجوز أن نأخذ فيه (بقول) من يجوز عليه الكذب، لأنه لا يقع لنا العلم بذلك، وما طريقه العمل يصح أن يقع العمل بقوله.
[ ٣ / ٤١ ]
فإن قيل: أليس بخبر الواحد تعتقدون وجوب الفعل؟
فقد أقدمتم على الاعتقاد بخبر الواحد.
(قلنا): ما أقدمنا على اعتقاد الوجوب بخبر الواحد، (ولكن) بدليل قاطع دل على وجوب قبول قول الواحد، وهو الأدلة على قبول أخبار (الآحاد).
فإن قيل: فهلا جوزتم ورود دليل قاطع على قبولها في الأصول؟
(والجواب): أن المعلوم حاصل في نفسه، لا يحصل بحسب ظننا صدق الراوي، لأن من يخبرنا: أن زيدا في الدار ليس يكون في الدار، بكوننا ظانين كونه في الدار، لأن كونه في الدار أمر في نفسه (ثابت) لا يتغير بظننا وعدم ظننا، فلم يجب إذا ظننا صدق الراوي، (إذا روى): إن الله تعالى غير عالم، أو غير متكلم، أن يعتقد ذلك، وإذا كان كذلك، فلم يجز أن يرد دليل قاطع على قبوله، بخلاف العمل، فإن كونه مصلحة يجوز أن يقف على أن نفعله ونحن على صفة، وهي (كوننا) ظانين صدق الراوي، لوجوب ذلك العمل، فجاز أن (يدل) دليل قاطع على
[ ٣ / ٤٢ ]
وجوب ذلك علينا، فيجوز لنا: أن نعتقد (وجوبه) علينا.
(احتج: بأنه) لو جاز التعبد بخبر الواحد في الفروع، لجاز في (نقل) القرآن.
(الجواب): (أن) هذا جمع (بغير) علة ثم القرآن المنقول بالآحاد، لا يخلو أن يظهر فيه الإعجاز، أو لا يظهر فإن ظهر (فيه الإعجاز) فهو (معجزة) النبوة، ولا يكون معجزًا إلا وقد ظهر في عصره، وتحدى به جميع أهل العصر، ولا يظهر للجميع إلا وقد تواتر نقله وإن لم يكن فيه معجز جاز أن يعمل بما تضمنه من عمل، كما نفعل في قراءة ابن مسعود وغيره.
واحتج: بأن أخبار الآحاد قد تتعارض، فلا يمكن العمل
[ ٣ / ٤٣ ]