بخلاف المجمل فإنه لا يعقل المراد منه ولا يمكن امتثاله ثم بقاؤه على حقيقته لا يمنع (من احتمال) التخصيص وبيان المراد به والله أعلم بالصواب.
٦٢٧ - مسألة: يجوز تخصيص عموم السنة بخاص القرآن على ظاهر كلامه في رواية عبد الله، وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين.
وخرج ابن حامد رواية أنه لا يجوز ذلك وبه قال بعض الشافعية وغيرهم.
٦٢٨ - لنا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ
[ ٢ / ١١٣ ]
شَيْءٍ﴾ ولم يفصل، ولأن القرآن مقطوع بطريقه، فيه إعجاز وبرهان، فإذا جاز تخصيص الكتاب بالسنة فتخصيص السنة بالكتاب أولى (وأحرى لقوته وضعفها، ولأنه إذا جاز أن يخص القرآن بالقرآن فتخصيص السنة بالقرآن أولى)، ولأن التخصيص يبين المراد فإذا جاز أن يبين المراد (لنا) بالسنة، جاز أن يبين لنا المراد بكلامه.
٦٢٩ - احتج المخالف بقوله ﷾: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.
الجواب: أنه ليس في أمره أن يبين لنا ما نزل ما يمنع أن يبين الله تعالى (لنا بكلامه) ما أنزله إلينا، وقد ذكر (سبحانه أن كتابه تبيان) لكل شيء (وأن رسوله) مبين أيضًا، ونحن نقول بالجميع.
جواب آخر: أن المراد بهذا البيان الإظهار والإعلام بدليل أنه علقه على جميع الكتاب والتخصيص لا يدخل على جميع الكتاب وإنما يفتقر جميع الكتاب إلى "الإظهار والإعلام".
[ ٢ / ١١٤ ]
جواب آخر: أنا نحمله على أنه يبين ما يفتقر إلى البيان مما لم يبينه الكتاب.
٦٣٠ - واحتج بأن التفسير والتبيين تابعان للمبين والمفسر، فلو خصصنا السنة بالقرآن جعلنا السنة هي الأصل والقرآن هو (الفرع) لأنه الذي يفسرها ويبينها وهذا لا يجوز.
والجواب: أنه ليس كذلك، ومن يقول إن المفسر تابع والمفسر هو الأصل ألا ترى أن تخصيص القرآن بعضه ببعض وتخصيص السنة بعضها ببعض لا يدل على أن المخصص هو الأصل والمخصص تابع، وقد ورد تخصيص القرآن بعضه ببعض لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ خص بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وخص قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ بقوله: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، والسنة تخصيصها بالسنة أكثر من أن يحصى، ولأنه قد خص الآحاد بالتواتر، ولا أحد يقول إن التواتر فرع الآحاد، ولا أن الأصل هو الآحاد كذلك هاهنا.
[ ٢ / ١١٥ ]
والله أعلم بالصواب.