٦١٨ - واحتج بأنه يصح إسلامه (وظهارته) وصلاته وصومه، فدل على دخوله في الخطاب.
قلنا: إنما يصح منه ذلك إذا كان ممن يعقل، ومن يعقل ويفهم يجوز أن يخاطب.
فإن قيل: فإن دخل في الخطاب (فقل إنه) يجب عليه ذلك.
قلنا: من أصحابنا من يوجب عليه الإسلام والطهارة إذا عقل ذلك، وكذلك في الصوم إن أطاقه.
(ومن) قال: لا يجب فإنما أسقط الوجوب بدليل آخر.
إما الإجماع، أو لقوله ﷺ: "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ" /٦٠ ب والله أعلم بالصواب.
٦١٩ - مسألة: (يجوز تخصيص) (عموم) الكتاب بخبر الواحد، نص عليه في رواية عبد الله في الآية إذا
[ ٢ / ١٠٥ ]
كانت عامة، ينظر ما جاءت به (السنة، لتكون السنة هي الدليل) على ظاهرها مثل قوله: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ فلو كانت الآية على ظاهرها ورث كل من يقع عليه اسم ولد وإن كان يهوديًا أو نصرانيًا أعبدًا أو قاتلًا، فلما جاءت السنة أنه لا يرث مسلم كافرًا ولا كافر مسلمًا ولا يرث قاتل ولا عبد، كانت دليلًا على ما أراد الله من ذلك وبه قال أصحاب الشافعي.
وقال بعض المتكلمين: لا يجوز تخصيص العموم (بخبر) الواحد، وقال عيسى بن أبان ما دخله التخصيص بطريق
[ ٢ / ١٠٦ ]
متفق عليه جاز تخصيصه بخبر الواحد، وما لم يدخله التخصيص لا يخص.
٦٢٠ - دليلنا ما احتج به الإمام أحمد رحمة الله عليه في آية المواريث وأن السنة خصصتها وانعقد الإجماع على ذلك.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ في النكاح أجمعوا على تخصيصها بخبر أبي هريرة: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها".
واحتج أبو بكر ﵁ على فاطمة ﵂ بخبر الواحد لما طلبت ميراثها وأمثال ذلك كثير.
[ ٢ / ١٠٧ ]
فإن قيل: فقد خالف عمر ﵁ ورد حديث فاطمة بنت قيس في المبتوتة.
لا نفقة لها ولا سكنى وقال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة".
وأراد بالكتاب قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾.
قلنا: إنما رده لأنه اتهمها في الخبر ولهذا قال: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لعلها نسيت أو شبه لها" وفي لفظ (لا نترك لقول امرأة) لا ندري أصدقت أم كذبت، وكلامنا فيما صح من الأخبار وسكنت إليه نفس المجتهد، ولأن الآية مخصصة في حق الصغير بالإجماع وعندهم ما دخله التخصيص يجوز تخصيصه بخبر الواحد، دل على أن عمر لم يرده إلا أنه لم يصح عنده.
[ ٢ / ١٠٨ ]
فإن قيل: فقد (قبلوا) خبر الواحد فيما لا يجوز قبوله، ولهذا قبل أهل قباء خبر الواحد في نسخ القبلة وإن كان لا يجوز (النسخ).
قلنا: قد ذكر شيخنا أنه يجوز ذلك أيضًا لأن أحمد نص عليه فقال في رواية أبي الحارث والفضل بن زياد في خبر الواحد إذا كان إسناده صحيحًا وجب العمل به.
ثم قال: أليس القبلة حين حولت أتاهم الخبر وهم في الصلاة فتحولوا نحو القبلة وخبر الخمر أهرقوها ولم ينتظروا غيره، فقد أخذوا بخبر الواحد فيما يخبر به (من) النسخ.
[ ٢ / ١٠٩ ]
٦٢١ - دليل آخر: خبر الواحد يوجب العمل بالاتفاق، فجاز أن يخصص به العموم (كالتواتر).
فإن قيل: خبر التواتر يوجب العلم وهو مقطوع به فقوى بخلاف خبر الواحد.
قلنا: ألا فرقتم بهذا في باب العمل (وفي) العموم المخصوص.
جواب آخر: إن لم يكن خبر الواحد مقطوعًا به، فالعمل به مقطوع به، وما يوجب المقطوع (به) يجري مجراه.
٦٢٢ - دليل آخر: أن العموم معرض للتخصيص فاحتمل أن يعدل به عما تناوله، والمخصوص يتناول الحكم على وجه لا يحتمل التخصيص ولا يعدل به عما يتناوله فكان (أولى) في تناول الحكم والرجوع إليه، ولهذا قدم خصوص القرآن والسنة على عمومهما لما ذكرنا من المعنى.
٦٢٣ - احتج المخالف بأن الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد غير مقطوع به فلا يجوز ترك المقطوع (به) لغيره كالإجماع لا يترك بخبر الواحد.
[ ٢ / ١١٠ ]
قلنا: المقطوع به هو (ورود) لفظة على صيغة العموم، فأما مقتضاه فغير مقطوع به لأنه يحتمل أن يراد به غير الاستغراق ولهذا لا يجوز أن يقطع على كذب الخبر المخصص.
جواب آخر: أنا نقول بذلك وأنه لا يسقط العموم بخبر الواحد وإنما يبين به المراد.
ولهذا قال أحمد ﵁: فلما وردت السنة كانت دليلًا على (ما أراد الله تعالى، وهذا حقيقة التخصيص فعلى هذا بين) أن (الله تعالى) ما أراد بلفظ العموم الاستغراق، وإنما أراد ما لم يتناوله الخبر الخاص.
جواب آخر: أنه يبطل بالأشياء إذا أباحها العقل أو الأصل فإنه يقطع بإباحتها بذلك، ثم بخبر الواحد يجوز تخصيصها.
جواب آخر: أن الخبر وإن لم يقطع به فإن/ ٦١ أحكمه ثبت بأمر مقطوع به، فكان حكمه وحكم ما قطع به واحد، والمعنى في الإجماع أنه لا احتمال فيه، وخبر الواحد يحتمل النسخ فيقدم الإجماع عليه في مسألتنا، وعموم القرآن (يحتمل التخصيص)، والخبر الخاص غير محتمل فقدم ما لا يحتمل.
٦٢٤ - واحتج بأنه إسقاط بعض ما يقتضيه عموم القرآن بخبر الواحد فلم يجز كالنسخ.
[ ٢ / ١١١ ]
الجواب: أنا لا نسلم أنه إسقاط، بل هو يبين المراد (به) ثم (إن) النسخ إسقاط لموجب اللفظ فلم يجز إلا بمثله (أو بما) هو أقوى منه، والخصوص بيان ما أريد باللفظ فجاز بما دونه، ثم يلزم (عليه) القياس، يخصص به خبر الواحد ولا ينسخ به خبر الواحد.
٦٢٥ - فصل: وفيما ذكرنا دلالة على عيسى بن أبان، ونزيد أن ما جاز أن يخصص به ما دخله التخصيص جاز أن يخصص به ما لم يدخله التخصيص كخبر التواتر.
٦٢٦ - احتج بأن ما دخله التخصيص صار مجازًا (فقبل خبر) الواحد في تخصيصه، كما قلنا في بيان الجمل، وما لم يدخله التخصيص باق على حقيقته في الاستغراق فلم يقابله خبر الواحد لأنه يضعف عنه.
الجواب: أنا لا نسلم أنه باق على حقيقته في الاستغراق إلا أن لا يرد خبر مخصص، ثم لا فرق بينهما فإن العموم وإن خص فمعناه (معقول) وامتثاله ممكن فيه لم يتناوله التخصيص حقيقة مثل الذي لم يدخله التخصيص، فيجب أن يكون حكمهما سواء
[ ٢ / ١١٢ ]