الجواب: أنه يقال لِمَ كان ذلك، ثم إنما كان كذلك لأن اللغة وردت بدخول النساء في جمع التذكير ولم ترد بدخول الرجال في جمع (التأنيث) وقد بينا ذلك، ولأن التذكير أقوى فجاز أن يغلب جمعه ولا يغلب جمع الأضعف.
فإن قيل: من أين قلت التذكير أقوى؟
قيل: من حيث (إن) أهل اللسان إذا أرادوا أن يعبروا عن ذكور وإناث بكلمة غلبوا لفظ الذكورية، ولم يغلبوا لفظ الأنوثية، فلو لم يكن ذلك أقوى لما عدلوا إليه، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ ومعلوم أنه بدأ به في الخلق، ثم جعل الأنثى مخلوقة منه، فهو الأصل وهي فرعه والأصل أقوى من فرعه، والله أعلم بالصواب.
٣٧٣ - مسألة: يدخل الكفار في الخطاب بالشرعيات، نص عليه أحمد ﵀ في كتاب طاعة الرسول فقال قوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَاّ أَنفُسُهُمْ﴾ فالظاهر يقع على الأمة واليهودية والنصرانية (وغير
[ ١ / ٢٩٨ ]
ذلك) وبه قال أكثر المعتزلة والأشعرية.
وفيه رواية أخرى لا يتناولهم الخطاب بالشرعيات، وإنما يخاطبون بالإيمان والنواهي، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قال في رواية حنبل في يهودي أسلم في النصف من (شهر) رمضان يصوم ما بقى ولا يقضي ما مضى، لأنه لم يجب عليه شيء من ذلك، وإنما وجبت عليه الأحكام من الصلاة والطهور بعد ما أسلم، وهو قول الجرجاني وغيره من أصحاب أبي حنيفة
[ ١ / ٢٩٩ ]
وأبي حامد وغيره من أصحاب الشافعي. وقال بقية الحنفية والشافعية كالرواية الأولى.
٣٧٤ - وفائدة هذه المسألة: أنا نقول أنه يعاقب على إخلاله بالتوحيد وبتصديق الأنبياء وبالشرعيات، وغيرهم لا يعاقب على ترك الشرعيات/٦٢ أفالخلاف يظهر ها هنا حسب، وإلا فقد
[ ١ / ٣٠٠ ]
أجمعت الأمة الإسلامية على أنه لا يلزمه أن يفعل العبادات في حال كفره، ولا يجب عليه القضاء إذا أسلم.
٣٧٥ - لنا على الرواية الأولى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وهذا يتناول المسلم والكافر لأن كل واحد منهما من الناس لوا مانع من دخوله تحت فكان مرادًا بذلك، والدليل عليه أنه لا مانع (لأنه لو كان مانعًا لكان عقليًا أو سمعيًا، فالمانع العقلي هو فقد التمكن من الفعل، وهو يمكنه أن يحج بأن يقدم قبله الإسلام، كما أن المسلم المحدث يوصف بالتمكن من الصلاة بأن يقدم عليها الطهارة والمانع السمعي معدوم لأنه لو كان لوجد عند الطلب.
(فإن قيل: المراد بالآية القادر على أداء الحج والكافر لا يقدر عليه، فلا يخاطب على ما لا يقدر عليه، ولا يصح منه.
قيل: لا نسلم بل هو قادر على أدائه بأن يسلم بكلمة ويحج، فصار بمثابة المسلم المحدث، فإنه يخاطب بالصلاة، وإن كان لا يصح منه في ذلك الحال لأنه يمكنه أن يتوضأ ويصلي كذلك ههنا).
٣٧٦ - دليل ثان: قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
[ ١ / ٣٠١ ]
الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ /٣٩ ب وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ وهذا صريح في أنهم أمروا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة كما أمروا بالإيمان.
فإن قيل: إنما أمروا (بعد) أن يعبدوا الله مخلصين (له الدين) وهو الإيمان، ثم قال: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾.
قيل: بل جمع الله تعالى عبادته وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بواو العطف، وهي تقتضي الجمع، وجعل (أمره منصرفًا إلى جميعها).
٣٧٧ - دليل ثالث: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ وهذا يدل على أنهم يعذبون في سقر لتركهم الصلاة والزكاة.
فإن قيل: المراد بالآيات لم نكن (ممن يعتقد الصلاة والزكاة).
قلنا: هذا خلاف الظاهر لأن اللفظ حقيقة في فعل الصلاة، وفعل الإطعام، فلا يحمل على الاعتقاد من غير دليل.
[ ١ / ٣٠٢ ]
جواب آخر: أن العقوبة (تجب) على ترك الاعتقاد، وقد علمت من قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، فيجب أن يحمل اللفظ على فائدة أخرى.
فإن قيل: الظاهر أن العقوبة تجب بمجموع هذه الأشياء لا بواحد منها.
(قلنا: لو لم تكن كل واحدة منها) يستحق به العقوبة، لما وجبت العقوبة بمجموعها، ولأن بالتكذيب بيوم الدين يستحق العقوبة من غير أن ينضم إليه غيره، فكذلك بترك الصلاة وترك الزكاة يجب أن تجب العقوبة.
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ يجوز أن يكون إخبارًا عن قوم كانوا (أسلموا)، وارتدوا بعد إسلامهم ولم يكونوا قد صلوا في حال إسلامهم، لأن قوله تعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ليس يفيد أنهم لم يصلوا في جميع الزمان الماضي.
قلنا: قوله تعالى: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ هو جواب المجرمين المذكورين في قوله تعالى: ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنْ الْمُجْرِمِينَ﴾ وذلك عام في كل مجرم (مرتد وغير مرتد) على أن قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ
[ ١ / ٣٠٣ ]
الْمُصَلِّينَ﴾ يفيد أنهم لم يصلوا في جميع الزمان الماضي أو في زمان غير معين، ولا يفيد زمانًا معينًا، كما أن قولنا: فلان عوقب لأنه لم يحج يدل على وجوب الحج في زمان غير معين، ومن يحمل الآية على المرتد يحملها على وجوب الصلاة في زمان معين.
٣٧٨ - دليل رابع: قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، فذمهم على (شركهم) وإخلالهم بالزكاة.
فإن قيل: ظاهر الكلام أنه ذمهم على الشرك وجعل من صفتهم أنهم لا يؤتون الزكاة: (كقول الزاني السارق إذا كان كل واحد منهما يستحق الحد على الانفراد).
قلنا: بل ذمهم على الصفتين معا، لأن الشرك صفة، والإخلال بإيتاء الزكاة صفة أخرى، فصار كقول القائل ويل للسراق الذين لا يصلون، ذمهم على السرقة وترك الصلاة.
فإن قيل: لو كان كذلك لم يتوجه الذم (إلا إلى الإخلال بالصفتين، وقد أجمعنا أن المشرك مذموم وإن لم يكن له مال تجب زكاته.
قيل: (الذم يتوجه إلى الصفتين) مع اجتماعهما، وإلى
[ ١ / ٣٠٤ ]
كل واحدة منهما على الانفراد كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرا﴾. فذمه على الصفتين، ويذم على المشاقة على الانفراد، وعلى ترك سبيل المؤمنين على الانفراد وكذلك (يقال): ويل للسارق الذي لا يصلي، يذم على كل (واحدة من الصفتين).
٣٧٩ - دليل خامس: قوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، فذمه على جميع ذلك.
(فإن قيل: المراد به ترك الاعتقاد.
قيل: لا يصح لأنه قد قدم الصدقة والصلاة، فدل على أن المراد الفعل دون الاعتقاد).
٣٨٠ - دليل سادس: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (فإذا ضوعف عليه العذاب بمجموع ذلك دل على أن/ ٤٠ أالزنا والقتل يدخل فيه فثبت كون ذلك محظورًا) عليه.
[ ١ / ٣٠٥ ]
٣٨١ - ومن الدليل على المسألة: أن الأمة مجمعة على أن الكافر (يحد) على زناه على وجه النكال، فلو لم يكن مكلفًا ترك الزنا لم يكن الزنا معصية، (ولو) لم يكن معصية (منه) لم يعاقب على فعله.
فإن قيل: إنما حد لأنه لم يترك الكفر الذي بزواله يكون مكلفًا ترك الزنا.
قيل: فيجب أن (يكون) إنما (حد) لأجل يهوديته، ولم يقل أحد ذلك ويلزم أن يحد قبل زناه لأنه كافر قبل الزنا.
فإن قيل: إنما حد لأنه التزم أحكامنا.
قيل: فمن أحكامنا أن لا يحد على المباح، فلو كان الزنا منه مباحًا (لم يحد) عليه.
فإن قيل: إنما كلف الكافر ترك الزنا لأنه (مع) كفره
[ ١ / ٣٠٦ ]
يمكنه تركه، وليس كذلك الصلاة والصيام لأنه لا يمكنه مع كفره فعلهما فلم (يخاطب) بفعلهما.
(قيل: نحن لا نريد منه الفعل مع الكفر، إنما نريد منه الفعل بشرط أن يقدم عليه شرطه فيتصور منه أن يتقدم على شرطه ويفعله، كالمحدث يقدم الشرط الذي هو الطهارة ويفعل الصلاة).
قيل: إنه لا يجوز أن يكلف ترك الزنا إلا وقد كلف أن يعلم قبحه، ولا سبيل له إلى (العلم بقبحه) إلا بشريعة الإسلام، لأن ما عداها من الشرائع قد منع (المكلفون) من الرجوع إليها، ولا يمكنه مع جحد الإسلام أن يعلم به قبح شيء، كما لا يمكنه فعل الصلاة في هذا الحال فلا فرق بينهما.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكلف العلم بقبح الزنا بأن يسلم فيستدل على قبحه فيتركه.
قيل: لكم مثله في الصلاة والحج.
٣٨٢ - دليل آخر: من تناوله الأمر بالإيمان، تناوله الأمر بالعبادة كالمسلم، والمسلم إنما دخل في الأمر لصلاحه له في اللغة، وهذا موجود في الكافر فوجب دخوله في الأمر، وعندي أن في العبارة خللًا لأن المسلم لا يحسن خطابه بالإسلام والإيمان، فإنه مسلم
[ ١ / ٣٠٧ ]
مؤمن، كيف يقال قد تناوله الأمر بالإيمان (بل يقال هذا أمر بالتعبد دخل فيه الكافر أصله الإيمان وتصحيحه أنه حر ويعقل الخطاب مثل المسلم سواء).
٣٨٣ - دليل آخر: أن نقول قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (ونحوه أمر) مطلق فدخل فيه الكفار كالأمر بالإيمان، ولأنه ليس فيه أكثر من الكفر (وهو) يقدر على إزالته، ومن قدر على شرط الفرض يخاطب بالفرض، ألا ترى أن المحدث إذا دخل عليه وقت الصلاة يخاطب بها؟ لأنه يقدر على شرطها وهو الطهارة.
فإن قيل: الحدث لا ينافي صحة الصلاة، ولهذا يصلي المتيمم وهو محدث وكذلك المستحاضة.
قيل: هناك ضرورة وأما الاختيار (فلا) تصح (الصلاة) مع الحدث، ثم لا يمنع (من) توجه الخطاب بها.
[ ١ / ٣٠٨ ]
٣٨٤ - دليل آخر: أن نقول. هو مخاطب بالإيمان وهو شرط العبادات، ومن خوطب بالشرط كان مخاطبًا بالمشروط، ألا ترى أن من خوطب بالطهارة كان مخاطبًا بالصلاة.
٣٨٥ - والدليل على من قال: هو مخاطب بالنهي (دون الأمر أن نقول من دخل في أحد الخطابين دخل في الآخر، كالمسلم، يؤيد هذا أن النهي) أمر بالترك، والأمر (بالترك) (أمر) بالفعل، فهما سواء في المعنى (وتحريره أن هذا أحد نوعي الخطاب، وخوطب به الكافر، أصله النوع الآخر، والنهي أمر بالفعل فهما سواء في المعنى).
فإن قيل: النهي لما توجه إليه تعلقت به أحكامه من الحدود وغيرها، والأمر لا تتوجه إليه أحكامه من صحة الفعل ووجوب (العقاب على الترك) والقضاء بالفوات فدل على أنه لا يتوجه إليه.
قيل: أما/٤٠ ب صحة الفعل فيصح بشرط أن يسلم فيفعل، وأما وجوب العقاب (والقضاء) فلا يتعلق بالأمر وإنما يتعلق بأمر ثان (عندي) وذلك لم يوجد فيسقط، وإن قلنا: القضاء يجب
[ ١ / ٣٠٩ ]
بالأمر فسقوط القضاء لا يدل على أنه لم يتوجه إليه الخطاب بالفعل، ألا ترى أن الجمعة لا يجب على المسلم قضاؤها ويتوجه إليه الخطاب بها في الابتداء؟ كذلك ههنا.
فإن قيل: النهي يصح منه امتثاله وهو الترك فدخل فيه والأمر لا يصح منه امتثاله فلم (يدخل في خطابه).
قيل: يبطل بالأمر بالصلاة في حق المحدث وأنه لا يصح منه امتثاله ويتوجه (إليه).
٣٨٦ - احتج الخصم: بأن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله"، الخبر (بطوله)، فأمر أن يدعوهم إلى الإسلام، فلو كان الخطاب يتوجه إليهم بغير ذلك، لأمره أن يدعوهم إليه.
وكذا كتب إلى كسرى وقيصر ودعاهما إلى التوحيد ولم يدعهما إلى غيره.
[ ١ / ٣١٠ ]
الجواب عنه: أنا نقول: أنه لم يدعهم إلى العبادات لأنه لم يصح فعلها في حال الكفر (ولأن الإسلام أسهل تناولًا من غيره لأنه يتقدم كل عبادة) فأمره أن يدعوهم إلى ما يصح فعله وهو الإيمان.
٣٨٧ - (فإن احتج بأن يقول: الكافر يستحيل منه أن يفعل) الشرعيات عبادة وقربة مع كفره فلا يكلف ما لا يطيقه، كما لا يكلف الزمن أن يصلي قائمًا، والحائض أن تصلي مع حيضها.
الجواب عنه أن نقول: (المستحيل أن يكلف فعل العبادات) مع كفره ولم يكلف ذلك وإنما كلف بأن يقدم عليها الإسلام كما كلف المحدث فعل الصلاة لا مع حدثه، لكن بأن يقدم عليها الطهارة.
فإن قيل: فكذا نقول إذا أسلم يكلف الفعل.
قيل: عندكم الشرط في تكليفه تقدم الإسلام، فإن لم يسلم لم يستحق العقاب على الإخلال بالعبادات، ونحن نقول: يستحق العقاب بإخلاله بها وإن لم يسلم. فإن وافقتم في العقاب ارتفع الخلاف، فإنه لا فائدة (في الخلاف) سواه، فأما الزمن والحائض فإنه لا يمكنهما إزالة الزمانة والحيض، بخلاف الكافر فإنه يمكنه أن يسلم ويفعل.
[ ١ / ٣١١ ]
فإن قيل: فعلى أصلكم يجوز أن يمنع الله الكافر من الإيمان فلا يمكنه فعله كما لا يمكن للزمن إزالة الزمانة، (ولا) الحائض إزالة الحيض.
قيل: يجوز أن يمنعه إلا أنه ممنوع (مع) أهلية القدرة، بخلاف الزمن والحائض، فإنهما يستحيل منهما القدرة، لأن عندنا يجوز أن يكلفه العبادات ويمنعه من شروطها كما يكلفه الإيمان ويمنعه منه، ويكلفه الصلاة (ويعدمه) الماء والتراب، وهذا لأنه لا اعتراض عليه فيما يفعله ولا (فوقه تعالى من) يحظر عليه، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، ولهذا (عندكم يجوز) أن يكلف الإيمان من في علمه أنه لا يؤمن، ولا يكون ذلك عيبًا ولا قبيحًا.
٣٨٨ - فإن احتج بأنه لو كلف الشرعيات لأخذ بأدائها كالمسلم.
الجواب عنه: أنه باطل بالإيمان بالله وبرسوله، وقد كلف فعلهما ولم يحمل على أدائهما، ولأنه إنما لم يقتل بتركهما لأنه مجتهد
[ ١ / ٣١٢ ]
(وناظر) هل يجب ذلك عليه أم لا؟ والمجتهد لا تجوز عقوبته (بخلاف المسلم فإنه بالتزام الإسلام لزمته العبادات ولا اجتهاد له في ذلك).
٣٨٩ - احتج بأنه لو خوطب بالعبادات لصحت منه (في حال الكفر ولوجب عليه القضاء في حال الإسلام).
الجواب عنه: أنه إنما لم تصح منه لعدم شرطها، وهذا لا يمنع من الخطاب بها، كالمحدث يخاطب بالصلاة ولا تصح منه، لعدم الشرط، وأما القضاء فهو فرض ثان يجب بغير الخطاب الأول ثم تلزم الجمعة - تجب - ولا (يلزم) قضاؤها بعينها. وعلى/٤١ أأن إيجاب قضائها تنفير له عن الإسلام لأنه (متى علم أنه إذا) أسلم وهو شيخ أخذ بعبادة خمسين سنة من صلاة وصيام وغير ذلك لم يسلم ولهذا المعنى قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقال ﵇: "الإسلام يجب ما قبله" فدل
[ ١ / ٣١٣ ]
على أن الإسلام يسقط عنهم ما كان لزمهم من العبادات في حال الكفر.
٣٩٠ - احتج بأنه لو كلف أداء الزكاة لوجب إذا أسلم قبل حلول الحول بيوم أن يلزمه الزكاة، لأنه قد كان مكلفًا فعلها وقد حصل عند وجوب الداء على صفة يصح معها أداؤها.
والجواب عنه: أنا لا نقول: أنه كلف وهو كافر في أول الحول أن يزكي إذا أسلم قبل حلول الحول، وإنما نقول إنه كلف (الأداء في آخر الحول إذا كان مسلمًا وكان معاقبًا على تفويتها، بتفويت شرط انعقادها وهو الإسلام).
٣٩١ - احتج بأن الكافر لو كلف الشرعيات لكان مكلفًا ما لا يطيقه لأنه يستحيل منه فعل الشرعيات عبادة وقرية مع كفره، (ولم يكلف ذلك).
الجواب عنه: أنا نقول: يجوز أن يكلف ما لا يطيقه من جهة المنع لا من جهة الاستحالة عند أصحابنا، وإن سلم فالمستحيل أن يفعلها مع كفره، ولم يكلف ذلك، وإنما كلف (أن) يقدم الإسلام ويفعل.
فإن قيل: فكذا نقول.
[ ١ / ٣١٤ ]
قلنا: بل أنتم تجعلون (شرط) كونه مخاطبًا بها تقدم إسلامه، ونحن نقول: يخاطب بفعلها بأن يقدم على ذلك شرطها، فإن لم يفعل عوقب عليها وعلى شرطها، كالمحدث يخاطب بالصلاة بأن يقدم الطهارة، فإن لم يفعل عوقب على الصلاة والطهارة، فإن وافقتم في ذلك زال الخلاف (فإنه لا فائدة في المسألة إلا العقاب).
٣٩٢ - احتج بأن الكفر يمنع صحة العبادة ويمنع لزوم قضائها في (الثاني) فهو كالمجنون.
الجواب عنه: أنه يلزم الحدث لأنه يمنع صحة الصلاة وقضائها، ثم لاي سقط معه الخطاب والمعنى في المجنون أنه غير مخاطب (بالإيمان) والنواهي بخلاف الكافر العاقل.
٣٩٣ - فإن احتج: بأن خطابه بالعبادة خطاب بما لا منفعة له فيه، وتكليف المكلف ما لا منفعة له فيه لا يجوز.
الجواب: نحن نكلفه على وجه ينتفع به وهو أنا نأمره بالعبادة، وبأن يقدم عليها الإيمان ثم يفعلها فينتفع بذلك، فمتى عصى عوقب على ذلك (جميعه).
[ ١ / ٣١٥ ]