تمنع انعقاد الإجماع، ويدل على أنه لم (يصح) عنده الخبر في الحكم، فلا يحصل به العلم، وكلا القولين (محتمل).
مسألة
يقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى، كمس الذكر ورفع اليدين في الصلاة. وبه قال عامة الفقهاء وقال أكثر أصحاب أبي حنيفة: لا يقبل.
دليلنا: أن الصحابة ﵃ (رجعوا) في الغسل في التقاء الختانين إلى خبر عائشة ﵂، ورجعوا في المخابرة إلى خبر رافع بن خديج، ولهذا قال اب عمر: "كنا نخابر أربعين سنة، لا نرى بذلك بأسًا، حتى أتانا رافع بن خديج فأخبرنا أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة فتركناها بقول رافع"، وذلك مما تعم به البلوى.
[ ٣ / ٨٦ ]
دليل آخر: إن هذا حكم شرعي لا طريق إلى معرفته من طريق العلم فيجب فيه قبول خبر الواحد، كسائر أحكام الشرع، ولأن كل حكم ثبت بالقياس يثبت بخبر الواحد، أصله ما تعم به البلوى، يؤكد هذا: أن القياس مستنبط من خبر الواحد وفرع له؛ فإذا جاز أن يثبت به ما تعم به البلوى، فلأن يجوز بخبر الواحد الذي هو أصله أولى، ولأن وجوب العمل بخبر الواحد يثبت بدليل مقطوع (به) وعليه (فيثبت به) ما تعم به البلوى، كالقرآن (وخبر التواتر).
واحتج المخالف: بأن ما تعم به البلوى كثر السؤال عنه والجواب، وإذا كثر انتشر وكثر نقله، فإذا رواه الواحد لم يقبل منه، كمن ادعى: أن النبي ﷺ وصى بالخلافة لعلي ﵁ لا يقبل
[ ٣ / ٨٧ ]
(منه، ولا يرجع في ذلك إلى الخبر الواحد، لأنه مما يكثر السؤال عنه).
والجواب: أنه يجوز أن يكثر السؤال (والجواب) ولا يكثر النقل، ألا ترى أن الأذان اختلف الناس في كلماته، وذلك مما يسمع في اليوم خمس مرات، ولم ينقل نقلًا عامًا، وكذلك حج النبي ﷺ، وتعليم المناسك نقل إلينا آحادًا، وكذلك نقض الصلاة بالنجاسة الخارجة من غير السبيلين، وكذلك شروط البياعات من الخيار وغيره، وشروط الأنكحة ثبتت بخبر الواحد، وإن كان سؤال الناس عن ذلك (كثيرًا) وكذلك رجم ماعز
[ ٣ / ٨٨ ]
وقطع سارق رداء صفوان وغير ذلك/، وكذلك وجوب الوتر، وهذا لمعنى: وهو إن كثيرًا من الصحابة كانوا: لا يرون الرواية ويتشاغلون بالجهاد وغيره، قال السائب بن يزيد صحبت سعد ابن أبي وقاص زمانًا، فما سمعت منه (حديثًا)
[ ٣ / ٨٩ ]
إلا حديث الخلطة، وكذلك رواية أبي بكر وعمر ﵄ قليلة، وإذا كان كذلك لم يلزمه.
فأما خبر الإمامة، فإن ذلك يجب عندهم على كل أحد أن يعلمه ويقطع به، فلا يجوز أن يثبت بنقل خاص، وليس كذلك ها هنا، فإنه من مسائل الاجتهاد، فجاز أن ينفرد البعض بعلمه، ويكون فرض الباقين: الاجتهاد والتقليد.
واحتج: بأن تعلق فرضه بالكافة (يفضي إلى أن يخاطب) به الكافة ويأمر بتواتر نقله، ليصل إلى من بعده وصولًا بعلمه، وإذا رواه الواحد شككنا (في قوله).
[ ٣ / ٩٠ ]