٥٧٦ - وأما التخصيص بالاستثناء فمن شرط صحته: أن يكون متصلًا بالكلام، أو في حكم المتصل فأما المتصل بالكلام كقوله: له علىّ عشرة إلا درهما، وأما الذي هو في حكم المتصل فبأن يكون انفصاله قبل أن يستوفي المتكلم غرضه من الكلام، (نحو) أن يسكت عن الاستثناء لانقطاع نفسه، أو لبلع ريق، أو سعال وما أشبهه، وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم.
وحكى عن ابن عباس أن الاستثناء المنفصل يصح (ويخص) الكلام به أبدًا، وروى أن ذلك جائز إلى سنة.
[ ٢ / ٧٣ ]
وعن الحسن البصري وعطاء أنه يصح ما دام في المجلس.
وقد أومأ أحمد إلى (نحو) هذا في اليمين خاصة قال في رواية أبي طالب: إذا حلف بالله ثم سكت قليلًا ثم قال: إن شاء الله، فله استثناؤه لأنه يكفرُ، والصحيح ما ذكرنا أولًا.
٥٧٧ - والحجة في ذلك أن الاستثناء لغة، وقد/٥٧ أبينت أنه غير مستعمل في عرف اللغة، (ذلك) لأن الإنسان إذا قال: رأيت الناس ثم قال بعد شهر: إلا زيدًا (ثم قال): أردت به الاستثناء من الكلام الذي قلته منذ شهر قبح ذلك عندهم وعدوه لغوًا.
٥٧٨ - دليل ثان: أن الاستثناء غير مستقل بنفسه وهو كالخبر مع المبتدأ، والجزاء مع الشرط فإنه قد ثبت أنه لو قال: زيد.
[ ٢ / ٧٤ ]
ثم قال: بعد شهر منطلق، أو قال: من دخل الدار، ثم قال بعد شهر فله درهم. لم (يحسن) ذلك (كذلك) الاستثناء.
٥٧٩ - دليل ثالث: أنه لو جاز (ذلك) وصح، (لم يستقر) عقد، ولا إيقاع طلاق وعتاق، ولم يوثق بأحد في وعد ولا وعيد، لجواز أن يستثني بعد زمان ما يسقط حكم الكلام، وفي اتفاق الناس على خلاف هذا دليل (على) بطلانه.
٥٨٠ - دليل رابع: أن من جوزه إلى سنة، لم ينفصل عمن جوزه إلى سنتين وأكثر، فبطل الجميع.
٥٨١ - واحتج بأن النبي ﷺ قال: "والله لأغزون قريشًا مرتين. ثم سكت ساعة. وقال: إن شاء الله تعالى".
الجواب: أن هذا غير ثابت، ولو ثبت فليس المراد به الاستثناء، وإنما المراد به أن الأفعال المستقبلة بمشيئة الله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
[ ٢ / ٧٥ ]
٥٨٢ - واحتج بأنه: "تخصيص عموم فجاز أن يتأخر عن العموم كالتخصيص بغير الاستثناء.
قلنا: الاستثناء لغة لا يثبت بالقياس، وإن سلم قلنا: إن لفظ التخصيص (يفيد بانفراده، وكذا لفظ النسخ بخلاف لفظ الاستثناء. يوضح ذلك أن لفظ التخصيص والنسخ) يجوز أن يرد بعد سنتين بخلاف لفظ الاستثناء، فإنه مقدر إلى سنة عنده.
٥٨٣ - احتج بأنه: معنى يرفع حكم اليمين فجاز أن يقع منفصلًا كالكفارة.
قلنا: اللغة لا تثبت بالقياس، ثم لا نسلم أن الاستثناء يرفع حكم اليمين وإنما يوقفه على شرطه، والكفارة لا ترفع حكم اليمين، وإنما تمحص مأثم (الهتك) بالحنث.
٥٨٤ - واحتج من قدره بالمجلس: بأن حال المجلس كحال اللفظ في قبض الصرف والسلم والاشتراط، فكذا في الاستثناء.
قلنا: تلك أحكام اتفقنا في الشرع عليها (بعلة) وهذا (لغة) فوقف على عرف أهل اللغة كالخبر والجزاء والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٧٦ ]