٤٩٤ - الكلام في العموم:
حقيقة العام: (هو) كلام مستغرق لجميع ما يصلح له كقولنا: الرجال يستغرق كل رجل، لأنه يصلح له ولا يدخل فيه غيره لأنه غير صالح لهم.
٤٩٥ - وهو على أربعة أضرب:
أحدها: ألفاظ الجمع المعرف كالمسلمين والمشركين والرجال والنساء.
الثاني: لفظ الجنس كقولنا: الناس والإبل والحيوان، وهذا ليس بجمع لأنه لا واحد له من جنسه، وإنما يشبه لفظ الجمع.
[ ٢ / ٥ ]
الثالث: الأسماء المبهمة (مثل "من") فيمن يعقل "وما" فيما لا يعقل إذا كان في الاستفهام أو في الشرط والجزاء، "وأي" في الجميع، "وأين" في المكان "ومتى" في الزمان.
الرابع: الاسم المفرد إذا دخل (عليه الألف واللام) مثل الإنسان والقاتل والزاني والسارق والدينار والدرهم والبيع والصيد فهذه الألفاظ إذا وردت متجردة عن القرائن دلت بصيغتها على الاستغراق، قال الإمام أحمد في كتاب طاعة الرسول قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ظاهره يدل على أن من وقع عليه اسم سارق وإن قل، فقد وجب عليه القطع، وبهذا قال جماعة الفقهاء وأكثر المعتزلة.
وقال الأشعري: ليس للعموم صيغة وهذه الألفاظ المقدم
[ ٢ / ٦ ]
ذكرها تصلح للعموم والخصوص ولا تحمل على أحدهما إلا بقرينة تدل على مراد المتكلم بها.
وقال محمد بن شجاع الثلجي وغيره: إن هذه الألفاظ تقتضي "أقل" الجمع بظاهرها ولا تحمل على ما زاد على ذلك إلا بدليل.
ومن الناس من قال: هذه الألفاظ تدل على العموم في الأمر والنهي دون الخبر.
٤٩٦ - فالدليل على قولنا (ما روى) أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا
[ ٢ / ٧ ]
وَارِدُونَ﴾ قال عبد الله بن الزبعري: لأخصمن محمدًا. وجاء إلى النبي ﷺ فقال له: "قد عبدت الملائكة وعبد المسيح أفيدخلون النار"؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ فحمل اللفظ على عمومه وأقره الرسول ﷺ على ذلك حتى بين الله تعالى أنه لم يرد باللفظ العموم، وإنما أراد من لم تسبق منه الحسنى فخصه بذلك.
٤٩٧ - دليل ثان: قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾.
فعقل من قوله: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ جميع أهله. فبين الله تعالى أن ابنه ليس من أهله الذين أمره بحملهم لأنه عمل غير صالح وإنما أمره بحمل من أطاع من أهله.
[ ٢ / ٨ ]
فإن قيل: إنما حمله على العموم لأن اللفظ يصلح لذلك.
قلنا: كون اللفظ يصلح له لا يجوز حمله عليه عندك من غير دليل يعلم به مراد المتكلم.
جواب آخر: أن نوحًا قد قطع (بأنه أمره) بحمل جميع أهله: وابن الزبعري قد قطع على أنه يخصم محمدًا ﵇ ولا يجوز القطع بما لا يصلح لذلك ويصلح لغيره فبطل قولهم.
٤٩٨ - دليل ثالث: وهو إجماع الصحابة ﵃، روى (أن) عمر قال لأبي بكر ﵄ لما أراد قتال مانعي الزكاة: كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن/ أقاتل ٤٩ ب الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم". فلم ينكر أبو بكر ﵁ احتجاجه بل قال (له أليس) قد قال ﵇: "إلا بحقها وحسابهم على الله"، والزكاة من حقها.
[ ٢ / ٩ ]
"وعن فاطمة ﵍ أنها جاءت إلى أبي بكر ﵇ فطالبته ميراثها من أبيها واحتجت بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ فقال لها أبو بكر: سمعت أباك يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" فلم يرد العموم وإنما ذكر التخصيص".
وكذلك لما اختلف عثمان وعلي ﵄ في الجمع بين الأختين بملك اليمين قال عثمان: يباح ذلك، واحتج بعموم قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقال علي: يحرم ذلك واحتج بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾.
[ ٢ / ١٠ ]
وكذلك لما سمع عثمان قول لبيد: "وكل نعيم لا محالة زائل. قال (له) كذبت نعيم الجنة لا يزول".
وكذلك احتج من كان (يبيح) شرب الخمر من الصحابة
[ ٢ / ١١ ]
بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ولم ينكر عليه الصحابة ذلك وإنما بينوا له أن هذه الآية منسوخة.
وغير ذلك من الأخبار.
فإن قيل: إن هذه (الأخبار) أخبار آحاد، فلا يحتج بها في الأصول.
قيل: إلا أن الأمة تلقتها بالقبول، وإن اختلف في العمل بها فصارت مقطوعة على صحتها.
وأجاب شيخنا أن هذه الأخبار مستفيضة بين الصحابة معلومة، غير أنها نقلت إلينا نقل آحاد، فصارت كما نقل إلينا من شجاعة عنتر وسخاء حاتم.
[ ٢ / ١٢ ]
٤٩٩ - دليل رابع: من المعنى وهو عمدة: أن الاستغراق ظاهر لكل واحد واقع في الفهم (تمس) الحاجة إلى العبارة عنه ليعلم السامع أن المتكلم أراده فلا يجوز أن يكون أهل اللغة مع سعة لغتهم، ومضى الأعصار عليهم لم يضعوا لذلك لفظًا يدل عليه، وكيف يدعي عليهم ذلك وقد وضعوا للمعنى الواحد الأسماء الكثيرة مثل الخمر والأسد والسيف وغير ذلك، أفتراهم فعلوا ذلك وعدلوا عن وضع لفظ يختص بمعنى ظاهر تدعوهم الحاجة إلى العبارة عنه (في) مصالح الدين والدنيا؟ هذا عين المحال.
فإن قيل: لا يمتنع (مثل ذلك منهم) إلا أنهم لم يضعوا لفعل الحال عبارة تختصه ولا وضعوا لرائحة الكافور لفظًا يختصها من رائحة المسك وكذلك لم يضعوا للاعتماد عُلوا وسفلًا ويمنة (ويسارًا) عبارة تختص بذلك.
قلنا: هذه (الأسماء) غير ظاهرة ولا تمس الحاجة إلى العبارة عنها فلهذا لم توضع لها عبارات. والمخالف يمنع ذلك ويقول الحاجة (إليها) داعية كالحاجة هنا.
[ ٢ / ١٣ ]
والجواب: أن العرب (قد) وضعت لذلك عبارة تنبئ عنها، فيقال: فعل الحال، ورائحة الكافور، واعتمد سفلًا وعلوًا ويمنة ويسرة، فوضعوا عبارة مركبة مضافة تدل على جميع ذلك، وعندكم أنهم لم يضعوا عبارة تدل على الاستغراق لا مفردة ولا مركبة وهذا لا يجوز.
فإن قيل: فنحن نقول أيضًا قد وضعوا لفظًا مركبًا يفيد الاستغراق، وهو لفظ الكل والاستغراق، فيقول: جاءني الناس كلهم، واستغرقت أكل (الخبز).
قلنا: المعروف من قولكم أن التأكيد "بكل وباستغرقت" لا يدل (إلا) على ما دل عليه قوله جاءني القوم، وأكلت الخبز، ومتى قلتم هذا فقد سلمتم المسألة لأن التأكيد لا يدل إلا على ما دل عليه المؤكد ولا يفيد إلا ما أفاده عند جميع الناس، (فإذا)، كان التأكيد يقتضي العموم فقد سلمت أن في الألفاظ ما يقتضي العموم فزال الخلاف.
فإن قيل: فلا حاجة بهم إلى لفظ يقتضي الاستغراق لأنه يمكن للمتكلم أني عدد الأشخاص الذين يريد أن يعمهم بالحكم.
[ ٢ / ١٤ ]
(قلنا): لا يمكن ذلك لأن من أراد أن يعم جميع الناس لا يمكنه أن يعددهم واحدًا واحدًا، ولو أراد أن يعبر عن قبيلة واحدة لشق عليه أن يعدهم (أيضًا) واحدًا واحدًا.
فإن قيل: فقد يكون بالمتكلم حاجة إلى لفظ يحتمل الكل والبعض ليجعل السامع في شك من ذلك ثم لم يضموا لذلك لفظًا.
قلنا: قد/٥٠ أأو قوم، وأكلت خبزا، فلا يعلم (هل) أراد الكل أو البعض، ويمكن أيضًا أن يقول: جاءني (إما) كل القوم أو بعضهم، وأكلت "إما كل" الخبز أو بعضه.
فإن قيل: فقد وضعوا له لفظًا يدل على الاستغراق وهو لفظ الجمع.
قلنا: الإشارة لا تدل على الاستغراق بحال فلم يغنهم ذلك عن اللفظ.
جواب آخر: أن وضعهم للمعنى الواحد أٍماء كثيرة يدل على أنهم لا يرجعون إلى الإشارة.
[ ٢ / ١٥ ]
فإن قيل: يمكنهم أن يدلوا على الاستغراق بالتعليل، فلا يحتاجون إلى عبارة عنه لأنهم إذا قالوا من دخل الدار ضربته لأنه دخل الدار، علمنا أنه يعم بذلك كل من دخل الدار.
قلنا: إنه ليس كل (حكم) تعرف علته فيعلل بها، ألا ترى أن الإنسان إذا أراد أن يخبر أن (كل من) في الدار آكل أو شارب أو نائم أو قائم إلى غير ذلك مما لا يحصى لم يعرف لذلك علة تعم الجميع، ثم لو عرف لذلك علة فقد تكون عللهم مختلفة، فيكون أحدهم آكلًا أو شاربًا لعلة وآخر لعلة أخرى، فلا يمكن تعليلهم بعلة تشيع فيهم.
فإن قيل: إنما يلزم هذا لو كانت (أصل) المواضعة من جهتهم، فأما إذا كانت الأسماء توقيفًا لم يلزم ما ذكرتموه.
قلنا: وإذا كانت توقيفًا إلا أنهم إذا لم يوقفوا على وضع كلام للمعنى، واشتدت حاجتهم إلى النطق بذلك المعنى فإنهم يضعون له أسماء، ألا ترى أن من استحدث آلة من الصناع لا يعلم لها اسمًا فإنه يضع لها اسمًا من قبله، وكذلك من ولد له ولد، فإذا كان ذلك في الشخص الواحد فالأمم الكثيرة في الأزمان المتصلة أولى بوجوب ذلك.
٥٠٠ - دليل خامس: معلوم أن أهل اللغة يلجأون في
[ ٢ / ١٦ ]
الإخبار عن الاستغراق إلى كل وجميع ولا يلجأون إلى لفظ الجمع نحو المسلمين، فإذا كان الجميع مشتركًا بين الكل والبعض لم يلجأوا إلى لفظ دون لفظ.
فإن قيل: إنما (يلجأون بما) يقترن بكل وأجمعين من شاهد الحال لأنه يراد بذلك الاستغراق.
قلنا: فهلا (قرنوا) بلفظ الجمع ذلك، لأنه عندهم بمنزلة كل وأجمعين في أنه يصلح للكل والبعض.
٥٠١ - دليل سادس: معلوم أن أهل اللغة إذا قرنوا بلفظ الجمع كل وأجمعين قصدوا بذلك إيضاح مرادهم (للاستغراق) وبيانه، فلو كان مشتركًا في ذلك الكل والبعض لكان قصدهم بالتأكيد (في قوله) رأيت بني تميم كلهم أجمعين تأكيد الإلباس والإيهام، ألا ترى أ، من قال: رأيت شفقًا ثم أكد ذلك فقال: إما الحمرة (أو) البياض أو قال: رأيت جميعًا إما كل القوم أو بعضهم، ثم كرر ذلك اللفظ لم يرد بهذا التأكيد إلا إلباسًا فيما رآه، وهذا المعنى وهو أن كل من دل على شيء بدلالة ثم تابع بين الأدلة عليه فإنه يتأكد المدلول، وهذا يعلم بالضرورة كونه محالًا على أهل اللغة.
[ ٢ / ١٧ ]
فإن قيل: إنما وقع التأكيد للعموم بكل وأجمعين لأنها في العادة تستعمل في أكثر الجنس دون أقله بخلاف الناس والقوم فإنها تستعمل في الأقل والأكثر بمنزلة واحدة.
قلنا: هذا لا يمنع من كونها مشتركة بين البعض والكل، فيلتبس على السامع مراد المتكلم.
جواب آخر: وهو أنها إذا كانت تختص بالأكثر خرجت من أن تكون مشتركة ووجب كونها حقيقة في الأكثر دون الأقل وإن لم تكن مختصة بالأكثر، بل احتمالها للأكثر والأقل سواء سقط السؤال.
جواب آخر: أنه يلزمه لفظة كل من لفظة كل مع لفظة أجمعين، فإن كل تؤكد بأجمعين ثم لا تفيد (إلا ما أفاده لفظة كل، كذلك لفظة كل تؤكد بها لفظة الناس ولا تفيد) إلا ما (أفادت لفظة) الناس.
فإن قيل: بل لفظة أجمعين (أكثر) استعمالًا من لفظة كل.
قلنا: ما يظهر ذلك، بل هما سواء ألا ترى أ، من قال رأيت الذي في الدار كلهم، أو رأيت (الذين) في دار أجمعين، لم
[ ٢ / ١٨ ]
يجد السامع فصلًا بين الكلامين في كثرة ما يفهمه وقلته، وكذلك لو قال ضربت من في الدار كلهم أجمع. وأجمع كلهم، (أو) أكلت الرمان كلها أجمع أو أجمع كلها لم يجد السامع بين القولين فيما (يفهم من الكثرة) فصلًا.
جواب آخر: إن كانت لفظة أجمعين تستعمل في الاستغراق أكثر فلا يخلو إما أن تكون مشتركة بين الأكثر وما دونه أو تختص بالأكثر، فإن كانت تختص فهو قولنا، وإن كانت مشتركة بين الأقل والأكثر فهي ولفظة كل ولفظة الناس والقوم على حد سواء في الالتباس على السامع فسقط السؤال.
٥٠٢ - دليل سابع: أن أهل اللغة فصلوا بين (لفظ) العموم ولفظ الخصوص، فقالوا مخرج هذا الكلام مخرج العموم، ومخرج هذا مخرج الخصوص، كما فصلوا بين لفظ الأمر ولفظ النهي ولفظ الخبر ولفظ الاستخبار، فلو كان لفظ العموم يتناول (لفظ) الخصوص لم يكن لهذا التفريق والتفصيل فائدة.
٥٠٣ - دليل ثامن: أن أ÷ل اللغة خالفوا بين تأكيد العموم (وبين تأكيد) الخصوص، فقالوا في تأكيد العموم: رأيت القوم
[ ٢ / ١٩ ]
أجمعين، ولم يقولوا رأيت القوم نفسه، وقالوا في الخصوص رأيت زيدًا نفسه ولم يقولوا رأيته أجمعين، فلما فرقوا بين تأكيدهما (لا بالقصد)، وجب أن يفرقوا بينهما لا بالقصد، لأن حكم التأكيد حكم المؤكد، ولا يلزم على هذه الإشارة فإن الإشارة إلى جماعة خلاف الإشارة إلى الواحد، على أن الإشارة تورد للاستراحة إليها والاستعانة بها (لا للتأكيد) وهذا يلزم من قال: إن لفظ العموم لا يفيد إلا ما أفاده لفظ الخصوص، فأما من قال لفظ الخصوص يتناول الواحد، ولفظ العموم يتناول الجميع دون الواحد فقد قال بأنهما يختلفان باختلاف تأكيدهما فلا يلزمه.
٥٠٤ - دليل تاسع: أن أهل اللغة وضعوا للواحد غير صيغة الاثنين وللتثنية غير صيغة الجمع، فقالوا: رجل ورجلان ورجال، كما قالوا: فرس وحمار وبعير، فلو كان احتمال لفظ الجمع كاحتمال لفظ التثنية ولفظ الواحد لما كان لتفريقهم معنى.
٥٠٥ - دليل عاشر: لو قال قائل: رأيت الناس إلا زيدًا (عمرا) لكان كلامًا صحيحًا، ولو لم يدخل تحت قوله: الناس كل الجنس لم يصح استثناؤه، لأن الاستثناء يخرج من اللفظ ما لولاه لدخل تحته، ولهذا لا يصح أن يستثني من الناس البهائم، لأنها لا تدخل تحت الجنس، وكذلك لو قال من دخل داري ضربته حسن أن يستثنى من شاء من العقلاء، فلو لم يكن قد دخل تحت لفظة
[ ٢ / ٢٠ ]
"من" كل عاقل (لما صح) الاستثناء لأنه لا يستثني من الشيء إلا ما دخل تحته.
فإن قيل: إنما يصح الاستثناء لصلاح اللفظ لكل واحد من الناس ومن العقلاء.
قلنا: هذا لا يصح لأن الاستثناء لا يخرج إلا ما دخل تحت اللفظ لأنه إخراج جزء من كل، كذا ذكر أهل اللغة، وما يصلح لذلك ما دخل تحته.
جواب آخر: لو جاز ذلك لجاز أن يقول القائل لغيره: اضرب رجالًا إلا زيدًا، ويجري في الصحة (والحسن) مجرى قوله: من دخل داري ضربته إلا زيدًا، لأنه يصلح دخول كل رجل تحت قوله اضرب رجالًا، فلما (قالوا: إن قوله اضرب رجالًا إلا زيدًا، إلا بمعنى ليس كأنه) قال: ليس زيد منهم، وقالوا في قوله: من دخل داري ضربته إلا زيدًا استثناء حقيقي دل على أن الاستثناء لا يكون لما يصلح دخوله تحت اللفظ وإنما يكون لما دخل تحت اللفظ (لا به). ويدل على أن الاستثناء أن يخرج ما لولاه (لصلح دخول) تحت اللفظ، فإنه لو حسن ذلك لجاز لقائل أن يقول:
[ ٢ / ٢١ ]
ضربت رجلًا إلا زيدًا لأن كل رجل (يصلح) دخوله تحت قوله اضرب رجلًا، وكذلك يحسن أن يقول له: على عشرة إلا واحدًا، ولا يحسن أن يقول له: عليّ عشرة إلا عشرة لأنها لا تدخل/٥١ أتحت اللفظ وإن صلح أن تكون داخلة.
فإن قيل: لو كان الاستثناء لا يخرج إلا ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ لحسن أن يقول من دخل داري ضربته إلا الملائكة والجن لأنهم (لا) يدخلون تحت لفظة من.
قيل: قد ذكر أنه يصح، فإذا قلنا لا يصح فإنما يخرج الاستثناء ما لولاه لتناوله الكلام، ولم يمنع مانع من دخوله تحته، والملائكة والجن يمنع مانع من دخولهم تحت اللفظ وهو علمنا أن المتكلم قبل الاستثناء لم يردهم ولا عناهم فلم يكن في الاستثناء فائدة.
جواب آخر: أنه يلزمهم مثل هذا لأن الاستثناء لو أخرج من الكلام ما لولاه لصلح دخوله لوجب إذا استثنى الملائكة والجن أن يصح، لأن دخولهم في قوله من دخل داري ضربته يصح ويصلح أن يدخلوا فيه، فكل ما يلزمنا يلزمهم (مثله).
٥٠٦ - دليل حادي عشر: لو قال قائل ضربت كل من (دخل) في الدار، فقاله آخر ما ضربت كل من في الدار،
[ ٢ / ٢٢ ]
لكان ذلك مناقضة ومنافاة لخبره، ولو كانت اللفظة مشتركة بين الكل والبعض لم يتناف الخبران ولا يتناقض لأن المثبت يثبت بقوله ضرب البعض والنافي ينفي بقوله ضرب البعض.
٥٠٧ - دليل ثاني عشر: أن العلم محيط بأن لفظة كل مقابلة للفظة جزء على كل حال، وذلك يمنع من أن يكون قولنا "كل" مفيدًا (للجزء) على الحقيقة.
٥٠٨ - دليل ثالث عشر: أن قول القائل: اضرب رجلًا يفيد ضرب رجل غير معين وقوله: لا تضرب رجلًا كالسلب له، لأنه لا يجوز له ضرب أحد من الرجال، ولو أفاد قوله: اضرب رجلًا البعض، وقوله: لا تضرب رجلًا البعض لم يتنافيا ولم يكن أحدهما سلبًا للآخر.
٥٠٩ - دليل رابع عشر: لو كانت لفظة "من" مشتركة بين الكل والبعض لكان السيد إذا قال لعبده: من عندك وعنده جماعة من الناس أن للعبد أن يجيبه بذكر بعضهم، فلما حسن من العقلاء لومه ومن السيد تأديبه على ذكر البعض والسكوت عن ذكر البعض دل، على أن لفظة "من" تقتضي الكل.
٥١٠ - دليل خامس عشر: لو اقتضت لفظة "من" البعض لكان للعبد أن يقول لسيده إذا قال له من في الدار: (أن) يقول له: ما أدري (من) تريد (بكلامك لأن
[ ٢ / ٢٣ ]
كلامك) مشترك بني الكل والبعض ولكان له أن يقول: عن العرب تسألني أم عن العجم؟ فإذا قال (له) عن العرب، قال (له) عن مضر تسألني أم عن ربيعة؟ (فإذا) قال عن مضر قال عن بني (تميم) (تسألني) أم عن بني سعد، ثم يتصل الاستفهام من العبد أبدًا، ومعلوم ضرورة أنه ليس للعبد ذلك، ومعلوم أنه متى أخلد إلى هذا استحق العقوبة.
فإن قيل: إنما لا يحسن ذلك من العبد لأنه يضطر إلى قصد السيد (على) بعض الاستفهامات.
قيل: كيف يضطر إلى قصده وجميع ما يأتيه به من الألفاظ مشترك، وهل هذا إلا بمثابة أن يسمع إنسان رجلًا يقول رأيت شفقًا (لا يكرره) في أنه لا يضطر إلى أن يعلم هل هو حمرة أو بياض؟
فإن قيل: يجوز أن يضطر إلى قصده لما يقترن بكلامه من الإشارات.
[ ٢ / ٢٤ ]
قلنا: لفظة "من" ليس يقترن بها إشارة ولو اقترن في حالة (لكان) يجب أن تحسن (هذه) الاستفهامات إذا لم تقترن بها إشارة، ولأنه ليس بواجب حصول العلم عند الإشارة في كل حال.
فإن قيل: فقد يحسن إذا قال له من عندك؟ أن يقول أعن العرب تسألني أم عن العجم؟
قلنا: متى لم يعرف غرض السائل أن يسأله/٥١ ب عن إحدى القبلتين (لم) يحسن أن يستفهمه، ومن قال: إنه يحسن أن يستفهمه من غير أن يعرف غرضه في السؤال عن إحدى القبيلتين لزمه أن يقول: إنه يحسن أن يستفهمه أبدًا على الحد الذي ذكرنا لأن الاستفهام في الجميع سواء.
فإن قيل: إنما يجيبه بذكر (كل) من عنده لأنه بذلك يحصل له الغرض لأنه إن أراد الكل فقد وجد، وإن أراد البعض فقد دخل تحت جوابه عن الكل.
قلنا: إذا كانت اللفظة محتملة للاشتراك فليس في جوابه بالكل بلوغ غرض السائل لأنه يحتمل أن يكون سأله عن البعض ولم يرد أن يسمع بذكر (الباقين ولا يفحص) عنهم ولا يعرفهم.
[ ٢ / ٢٥ ]
جواب آخر: أن ما ذكروه يقتضي (حسن) جوابه بالكل ولا يقتضي وجوبه، وإذا لم يجب حسن أن يستفهم (وإذا بالكل ولا يقتضي وجوبه، وإذا لم يجب حسن أن يستفهم (وإذا حسن أن يستفهم) أدى إلى ما ذكرناه.
٥١١ - احتجوا بأن صيغة لفظ (العموم) لو اقتضت الاستغراق لم يخل (إما) أن يكون علم ذلك بالعقل أو بالنقل، ولا مدخل للعقل في إثبات اللغات، وأما النقل فلا يخلو أن يكون تواترًا أو آحادًا، فلو كان تواترًا لعلمناه ضرورة كما علمتموه، وإن كان آحادًا فلا يثبت هذا الأصل، لأن طريق ثبوت الأصول العلم، ولا يقع العلم بالآحاد، فبان أنه لا طريق إلى العلم بأن ألفاظ العموم تقتضي الاستغراق.
الجواب: أنه لا يخلو أن هذه الدلالة يستدلون بها على أ، لفظ العموم ما وضع للاستغراق، أو يستدلون بها على أ، لفظة العموم وضعت للاستغراق ولما دونه.
فإن أردتم الأول قلنا لكم نحن نعلم ضرورة بالنقل عنهم وعند سماع كلامهم، أن لفظة كل وجميع إذا استعملت في الاستغراق لم تكن مجازًا، ونعلم أيضًا باللفظ المتواتر أنهم أضافوا إلى هذه (اللفظة) أحكامًا لا تصح إضافتها إلا إذا كانت اللفظة للعموم نحو الاستثناء والاستفهام وغير ذلك فيبطل ما ادعوه.
[ ٢ / ٢٦ ]
وإن أرادوا الثاني وهو أن لفظ العموم وضع للاستغراق وما دونه فالحجة من ذلك عليهم (لا لهم) لأنهم سلموا أن لفظة العموم تقتضي الاستغراق حقيقة وادعوا أنها تقتضي ما دونه، ونحن ننفي ذلك وتقول لو كان موضوعًا لما دونه لم يخل إما أن يكون معلومًا بالعقل ولا مجال له في ذلك، أو بالنقل وهو ينقسم تواترًا وآحادًا، ولا تواتر في ذلك ولا آحاد أيضًا، ولو كان آحادًا لم يلزم قبوله في هذا الأصل.
جواب آخر (أنا بينا) ذلك باستقراء كلامهم ومعرفة مقاصدهم وما قرنوه (به) من الألفاظ الدالة على الاستغراق.
٥١٢ - احتجوا بثان: وهو أن لفظ العموم يستعمل للاستغراق وما دونه على حد سواء لأنه يقال انطلق الناس، وذهب القوم، وجمع التجار، ويراد به البعض وتارة الكل، فكما وجب أن يكون حقيقة في الاستغراق يجب أن يكون حقيقة فيما دونه.
والجواب: أنكم (إن) أردتم أنها تستعمل فيهما على حد الحقيقة من غير قرينة، أو لا تستعمل (فيهما) إلا مع قرينة لم يسلم لكم الموضعان ولم يمكنكم ذلك إلا أن (تنزلوا) على أنها وضعت للاشتراك.
[ ٢ / ٢٧ ]
جواب آخر أنه يلزمكم. أن يكون قولنا بحرًا حقيقة في (السخى) وكذلك قولنا أسدًا حقيقة في الشجاع "لأنها" تستعمل في ذلك.
فإن قيل: ليس بمستعمل كاستعماله في اجتماع الماء وفي البهيمة.
قلنا: وكذلك لفظ العموم ليس استعماله في البعض كاستعماله في الاستغراق، وكل فرق لهم في ذلك يمكن مثله في مسألتنا.
فإن قيل: الظاهر في اللفظة إذا استعملت في الشيء أن تكون حقيقة فيه إلا أن يمنع من ذلك مانع، وقد استعملت/ لفظة العموم في البعض فدل على أنها حقيقة فيه.
قلنا: الاستعمال لا يقتضي الحقيقة، لأنهم قد يستعملون الحقيقة والمجاز في الأسماء.
فإن قيل: لو لم يكن الاستعمال طريقًا إلى كون الاسم حقيقة لم يعرف الفصل بين الاسم الحقيقة والمجاز.
قلنا: هذا دعوى لأنا قد بينا وجوها تعرف بها الحقيقة من المجاز.
[ ٢ / ٢٨ ]
جواب آخر: لو ثبت أنه لا طريق لنا إلى الفصل بين الحقيقة والمجاز لم يصر ذلك دليلًا على الحقيقة لأن الشيء لا يكون دليلًا على الشيء لأن غيره يفسد أن يكون دليلًا عليه، ثم ينتقض أصل السؤال بأسماء المجاز كلها كالحمار والأسد والبحر فإنها تستعمل ولا تكون حقيقة.
فإن قيل: ذلك عرفناه بقصد أهل اللغة أنهم لم يريدوا بذلك الحقيقة في اسم الرجل البليد والشجاع والسخي.
قلنا: وكذلك نحن نعلم باضطرار (أن) قول القائل أكلت جميع الخبز، وقد أكل بعضه أنه مجاز وكذلك قوله: ضربت كل من في الدار وقد ضرب بعضهم.
فإن قيل: كيف علمتم ذلك باضطرار ونحن نخالفكم فيه.
قلنا: وكيف علمتم باضطرار أن اسم الحمار (إذا وقع) على البليد مجاز، والنافون للمجاز في اللغة يخالفونكم، ويمنعون أن يكون هذا الاسم مجازًا.
وجواب آخر: أن قولنا أمر يستعمل في الشأن، والقول على وجه الاستعلاء، والفعل، وليس بحقيقة في جميع ذلك ولا يمكن القول بأنا نعلم باضطرار أنه مجاز في غير القول لأن جماعة يقولون: إن ذلك حقيقة في الجميع.
٥١٣ - احتجوا بثالث وهو أنه لو أفاد لفظ العموم
[ ٢ / ٢٩ ]
الاستغراق لم يحسن منه الاستفهام لأن الغرض بالاستفهام الفهم، وطلب فهم ما قد فهم (عبث) وقد ثبت أنه إذا قال ضربت كل من في الدار يحسن أن يستفهم فيقال له: ضربتهم جميعهم أو بعضهم؟ ويقال له: ضربت زيدًا فيهم؟ فدل على أنه لم يفد الاستغراق.
الجواب: أن الاستفهام قد يرد لإزالة الالتباس، لأنه قد يكون المتكلم غير "حافظ" أو يكون ساهيًا فيزول بالاستفهام هذا الالتباس، ولهذا قد يستفهم الإنسان بتكرار العموم (ويجاب بتكراره) نحو أن يقول: ضربت كل من في الدار، فيقال: أضربتهم كلهم؟ فيقول: ضربتهم كلهم، ولو كان يطلب الفهم لأجابه بلفظ آخر، وكذلك يستفهم في الخصوص فيقول: جاءني زيد فيقال له: جاءك زيد؟ فيقول: نعم، وكذلك يقول: رأيت الخليفة. فيقال له: رأيت الخليفة؟ فيقول: نعم وما أشبه ذلك كثير.
وقد يكون الاستفهام لزيادة الفهم، لأن الفهم قد يكون علمًا، وقد يكون ظنًا، فإن كان علمًا فهو مكتسب فيطلب بالاستفهام أن يصير ضروريًا، والضروري أقوى من المكتسب، وإن كان (علمه ظنا) فيطلب "بالاستفهام أن" يتزايد
[ ٢ / ٣٠ ]
ظنه، في قصد المتكلم، ألا ترى أنه إذا قال القائل: ضربت كل من في الدار قد يكون فيها من يعظمه المتكلم - (كأخيه وعمه فيغلب على ظن السامع أنه لم يضربه وكلام المتكلم - (كأخيه وعمه فيغلب على ظن السامع أنه لم يضربه وكلام المتكلم) يدل على أنه قد ضربه فيستفهمه لتزول الشبهة ويقوى ظن السامع (على) ضربه.
٥١٤ - احتجوا برابع وهو (أن) الاستثناء يدخل على لفظ العموم، فلو اقتضى لفظه الاستغراق لكان ذلك نقضًا له ورجوعًا عنه: لأنا نستدل على أن المتكلم لم يرد به ظاهره بل تجوز بقوله.
الجواب: أنكم إن أردتم أن يقتضي الاستغراق إذا تجرد عن قرينة، فهذا لم يتجرد عن قرينة وهي الاستثناء وإن أردتم أنه يقتضي الاستغراق/ ٥٢ ب فإن لم يتجرد (عن قرينة) لم نسلم لأن عندنا أنه لا يقتضي الاستغراق إلا إذا تجرد عن القرائن (وهذا لم يتجرد).
جواب آخر: أن لفظ العموم يستغرق ما دخل عليه فإذا كان معه استثناء كان شاملًا لما عدا الاستثناء لأنه لا يدخل على المستثني، وبيان ذلك (أنه) إذا قال: ضربت كل من في الدار
[ ٢ / ٣١ ]
إلا زيدًا فإن اللفظ يعم ما عدا زيدًا وهو مثل قوله له (عليّ) عشرة إلا درهمًا (فإنه) يستغرق قوله ما عدا الدرهم، ولو لم يستثن استغرق العشرة، ثم لا يعد ذلك نقضًا ولا رجوعًا (كذلك في مسألتنا مثله ولا فرق بينهما).
فإن قيل: أليس لو قال: رأيت زيدًا وبكرًا وعمرًا ثم استثنى واحدًا منهم كان قبيحًا ويسمى مناقضًا.
الجواب عنه أنا نقول: الاستثناء يخرج بعض الجملة وكل اسم مما ذكره وسماه جملة منفردة، فإذا (استثناه فقد) استثنى جميع الجملة، فصار كما لو قال: له عليّ عشرة إلا عشرة (لا يجوز) ويعد مناقضًا.
جواب آخر: لو ثبت أن ظاهر العموم الاستغراق وأن الاستثناء قد صوره مجازًا لا يكون ذلك نقضًا، ألا ترى أن قولنا: "حمار" حقيقة في البهيمة، (ثم) إذا اقترن به قرينة دلت على أن المراد به الرجل البليد لم يكن ذلك تناقضًا.
فإن قيل: لو لم يكن قول القائل: ضربت كل (من) في
[ ٢ / ٣٢ ]
الدار (إلا زيدًا) (لا يسمى) نقضًا ونسخًا لكان قوله ضربت كل من في الدار، لم أضرب كل من في الدار (لا يسمى) نقضًا (ونسخًا) ولا يعد قبيحًا.
قيل: هذا لكم ألزم لأن لفظة "كل" مشتركة عندكم بين الاستغراق (والبعض) حقيقة، والاستثناء فيها دال على أنه أراد إحدى الحقيقتين فيلزم أن يكون قوله: ضربت كل من في الدار، لم أضرب كل من في الدار حسنًا لأنه استعمل كل لفظة (في) إحدى حقيقتيها وهي البعض. ثم الفرق عندنا بين الموضوعين أن الاستثناء يجب تعلقه بما تقدمه من الكلام (لأنه لا) يستقل بنفسه، فيصير المستثني والمستثني منه كالجملة الواحدة ويدل مجموع اللفظين على استغراق ما عدا المستثنى بخلاف قوله: ضربت كل من في الدار، لم أضرب كل من في الدار (لأن) كل واحدة من اللفظتين جملة مستقلة بنفسها لا يجب تعلقها بالأخرى، لأن المتكلم استوفى غرضه بكل لفظة منها، فإذا كانت إحدى الجملتين تنافي الأخرى كان بقوله الثاني قد نقض الأولى، يبين (صحة) هذا أنه
[ ٢ / ٣٣ ]
يحسن العموم (المشروط) بالصفة، ألا ترى أنه يقول: ضربت كل من في الدار فيعم فلو قال: ضربت كل من (في) الدار من الطوال، عم الطوال دون غيرهم، ولا يحسن أن يقول: ضربت كل من في الدار، لم أضرب كل من في الدار (فاتضح الفرق بينهما).
٥١٥ - احتجوا بخامس: أنه لو كان لفظ العموم مستغرقًا لما جاز تخصيصه بدلالة متصلة ولا منفصلة، كما لا يجوز تخصيص العلة بل العموم أولى بذلك لأنه دلالة قاطعة والعلة الشرعية أمارة.
الجواب: أن التخصيص بالأدلة المتصلة مثل الشرط والاستثناء والتقييد بالصفة، قد بينا أن العموم يشمل ما عداها، وأما الأدلة المنفصلة فإنما جاز (أن تخص) العموم لأنه لا يخرج بذلك عما وضع له وإنما حمل على بعض ما يقتضيه فلم يصر مجازًا فيما بقي، ألا ترى أ، هـ لو قال: له عليّ عشرة دراهم (إلا درهمًا) (لم يصر) مجازًا في التسعة وهذا مثله، ولأن كلام صاحب الشرع وإن تأخر بعضه عن بعض فهو كالمجموع يجب ترتيب بعضه على
[ ٢ / ٣٤ ]
بعض (فيصير ذلك) كالاستثناء سواء، والعلة المخصصة لا تصير بتخصيصها مجازًا أيضًا.
٥١٦ - احتجوا بسادس: أنه لو كان حقيقة العموم للاستغراق لما جاز استعماله في الجاز.
والجواب: أنه يبطل بالألفاظ (التي ذكرنا) من الأسد والحمار وغير ذلك، هي حقيقة وتستعمل في الرجل مجازًا، ثم ينقض بالاستثناء في العدد فإنه إذا قال: له عليّ عشرة/ ٥٣ أإلا درهما أو كر إلا قفيزًا هو استثناء ولا نجعله مجازًا.
٥١٧ - احتجوا بسابع: أن لفظ العموم لو كان حقيقة في الاستغراق (لوجب) إذا دل الدليل على أنه (إذا) أريد به البعض أن يصير مجازًا لأنه استعمل في غير ما وضع له.
الجواب: أن (المجاز) ما تجوز به عما وضع له كالأسد حقيقة في البهيمة ثم يتجوز به في الرجل الشجاع، فأما لفظ العموم فما تجوز به وإنما شمل ما عدا المستثنى فهو حقيقة فيما دخل تحته
[ ٢ / ٣٥ ]
(كقوله: له على عشرة إلا درهمًا وكقوله اضرب من في الدار الطوال لا يدخل تحته) القصار، ويكون حقيقة في الطوال وكذلك يكون حقيقة في الإقرار "بتسعة".
٥١٨ - احتجوا بثامن: أن لفظ العموم لو اقتضى الاستغراق لكان تأكيده عبثًا لأن التأكيد يفيد ما أفاده المؤكد.
الجواب: لم إذا أفاد ما يفيده المؤكد يكون عبثًا، وما أنكرتم من حصول فوائد في التأكيد لا يحصل مع فقده، وهو أن يكون المتكلم حكيمًا يستدل بخطابه على إرادته، فإنه إذا أكد زادنا دلالة على دلالة فنزداد (به) بيانًا وإيضاحًا، ولهذا كثر الله ﷾ الأدلة على مدلول واحد لحكمة لا نعلمها بعينها. وإن كان غير حكيم فربما يظن السامع أنه قد سها في ابتداء الكلام أو نسخ، فإذا أكده زال (ظن السامع لذلك) وربما كان بعض ألفاظ العموم أقل استعمالًا في الاستغراق من بعض فيؤكدها بما هو أكثر استعمالًا، وهذه فوائد معلومة.
فإن قيل: لو حسن التأكيد لما ذكرتم من ترادف الأدلة لإزالة (الإلباس) وحصول العلم الضروري لحسن أن يقول الإنسان:
[ ٢ / ٣٦ ]
استندت إلى الحائط المبني من الآجر والطين لينفي أن يكون استند إلى رجل بليد لأنه قد (يتجوز أن يسمى الرجل باسم الحائط إذا كان بليدًا).
الجواب عنه: أنا نقول: التأكيد يحسن اتباعًا لفعل العرب وهم أكدوا "بما" ذكرنا وليس يجب أن يؤكدوا كل شيء لأنهم أكدوا ما ذكرنا، ألا ترى أنهم سموا الشيء الواحد بأسماء كثيرة، ولم يلزمهم أن (يسموا)، وليس يجب أن يؤكدوا كل شيء بأسماء كثيرة فبان ما ذكرنا.
جواب آخر: أنه يلزمهم مثل هذا في الاشتراك فإن التأكيد لا يفيد إلا ما أفاده المؤكد (من الاشتراك فيجب أن تعدوه عبثا).
(جواب آخر: وهو أنه يبطل ما ذكرتموه بتأكيد الخصوص فإنه يقال: جاءني زيد نفسه).
وبتأكيد ألفاظ العدد كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، وكقوله: "ألف تامة".
٥١٩ - احتجوا بتاسع: وهو أنهم قالوا: لو كانت لفظة
[ ٢ / ٣٧ ]
"من" عامة في الاستفهام لكان قول القائل من عندك سؤالًا عن كل العقلاء، فكانت تجري مجرى قوله: أكل الناس عندك؟ (وكل تقتضي) أن يكون جوابها لا أو نعم.
الجواب: أن قوله: من عندك استفهام عن صفة من عنده، واسمه، وهو كقوله: أخبرني عن أسماء من عندك، وصفاتهم، وذلك لا يقتضي جوابه بلا أو نعم بل يجب أن يخبره بأسماء من عنده من العقلاء وصفاتهم.
جواب آخر: يلزمهم مثل ذلك فيما يقولونه من الاشتراك لأنها إذا كانت للاشتراك (بين) الكل والبعض فيجب أن يكون جوابها بلا، أو نعم، لأنه إن علم من قصد السائل (أنه استفهم بها) عن الكل فجوابه لا، أو نعم، وإن علم من قصده أنه قال له: (البعض أي) أبعض الناس عندك؟ فجوابه لا، أو نعم.
جواب آخر: أن لفظة "من" عامة في الاستفهام، لكنها في كلام السائل دون المسؤول، والسائل سأل باللفظة العامة (من) لأنه لا يعلم من عند المسؤول، فأما المسؤول (فإنه) يعلم من عنده فلم يجب أن يجيبه باللفظة العامة مِنْ لا، أو نعم، بل يجيبه بمن عنده من الكل، أو البعض.
[ ٢ / ٣٨ ]
٥٢٠ - احتجوا بعاشر: وهو أن لفظ "من" لو أفاد الاستغراق لاستحال جمعها لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده المجموع وليس بعد الاستغراق/٥٣ ب شيء يفيده الجمع. وقد قال الشاعر: أتوا نارى فقلت: منون أنتم؟ فقالوا: الجن قلت عموا ظلامًا.
الجواب: أن منون وإن كانت لفظة لفظ الجمع فليست بجمع حقيقة، لأنه يستفاد منه ما يستفاد من قولهم من عندنا؟ ألا ترى أن قوله من أنتم؟ استفهام عن جماعة مثل قوله: منون أنتم؟ وعند (المخالف) ألفاظ العموم تفيد الاشتراك بين الكل، والبعض، فلفظة منون مشتركة بين الكل والبعض، كلفظة "من" (فلم) تفد أكثر مما أفادته لفظة "من" عندنا وعندكم.
٥٢١ - احتجوا بالأخير: أنه لو كان لفظ العموم موضوعًا للاستغراق لما جاز تخصيصه إذا كان من القرآن بالسنة والقياس، كما لا يجوز النسخ بهما.
والجواب: أن النسخ إسقاط اللفظ والمعنى فلم يجز إلا بمثله، والتخصيص بيان حكم اللفظ فجاز بما هو دونه، (وسيأتي الكلام عليه والفرق بين النسخ والتخصيص في مسائل النسخ).
[ ٢ / ٣٩ ]
٥٢٢ - فصل: والدليل على أن من حمل لفظ العموم على أقل الجمع ما تقدم، ولأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة أنهم حملوا عموم القرآن والسنة على أقل الجمع ووقفوا في الباقي، بل حملوه على عمومه. فدل على أنه موضوع لذلك، ولأنه لو قال: رأيت الناس (كلهم) إلا زيدًا، وعمرًا، وبكرًا، ومن دخل داري ضربته إلا ثلاثة: فلان، وفلان، (وفلان) لصح، ولو حمل (لفظ العموم) على أقل الجمع لما صح استثناء أقل الجمع لأن استثناء (الجميع) لا يجوز بالاتفاق ولأن الثلاثة لفظ (الجمع) خص (بها) من لفظ العموم، فيجب أن يكون لفظ العموم في الاستغراق أخص منها.
٥٢٣ - احتج بأن قال: الثلاثة أقل الجمع فوجب حمل اللفظ عليه لأنه (هو) اليقين، وما زاد على ذلك مشكوك فيه. (فلا يحمل اللفظ عليه إلا بدليل).
(الجواب عنه أنا نقول: قولكم ما زاد على الثلاثة، مشكوك فيه) لا نسلمه، فيجب أن تدلوا عليه، ثم الذي اقتضى الحمل
[ ٢ / ٤٠ ]
على الثلاثة، يقتضي الحمل على ما زاد (على الثلاثة) لأن لفظ العموم موضوع للثلاثة ولما زاد وضعًا واحدًا فلم اختص بالثلاث دون الزيادة؟ ولأنه إن جاز حمله على الثلاثة لأجل اليقين فيجب حمله على الاثنين والواحد لأن (لفظ الجمع) يقع على ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وهو سبحانه وحده المنزل. وقال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ في داود وسليمان وهما اثنان، وكتب عمر ﵁ إلى سعد ﵁ وقال: جهزت إليك ألف يرجل، وإنما أنفذ إليه القعقاع بن عمرو التميمي، مع ألف (رجل) وقيل عمرو
[ ٢ / ٤١ ]
ابن معد يكرب فسمى الواحد ألفًا، ومعلوم أنه إذا ذكر لفظة الألف لا تحمل على الواحد لأجل اليقين.
٥٢٤ - واحتج بأن قال: لو كان لفظ (الجمع) يقتضي العموم لوجب إذا قال لفلان عليّ دراهم أنه لا يقبل منه ثلاثة.
الجواب: أن قوله: له عليّ (ثلاثة) إثبات في نكرة فلا تقتضي العموم ولو قال: لفلان عليّ دراهم قبل تفسيره بثلاثة لأنه يقترن به ما يمنعه من حمله على الجنس، وهو أنا نعلم من طريق العرف والعادة أنه لا يجوز أن يكون أراد بقوله الدراهم جنس الدراهم أو لا يجوز أن يكون قد استقرض منه كل درهم ولا أتلف عليه ما يساوي كل درهم، فلم يحمل على الجنس لذلك، وليس إذا لم يحمل اللفظ على العموم لدليل يجب أن لا يحمل إذا خلا عن دليل يبين أنه أريد به البعض.
٥٢٥ - احتج بأن قال: الغالب في ألفاظ العموم أن المراد
[ ٢ / ٤٢ ]
بها البعض ولهذا قال: غلق الناس، وفتح التجار، وضربت الدراهم، أريد به البعض، وأخص البعض، ما يتيقن، وهو الثلاثة، فوجب الحمل عليه.
الجواب: أنا لا نسلم لأنه إذا قال: رأيت جمعيهم، وضربت كلهم أريد به الجميع، ثم قد يستعمل الشيء غالبًا في المجاز، ألا ترى أن الغائط يستعمل في النحو غالبًا وهو حقيقة اسم للموضع المطمئن من الأرض، وكذلك الراوية تستعمل غالبًا في المزادة، وهو حقيقة اسم الجمل الذي يحمل عليه الماء، ثم وإن كان الغالب الاستعمال في البعض إلا أن الغالب أنه لا يراد به الثلاثة بدليل ما استشهدوا به.
٥٢٦ - فصل: والدليل (على) من قال: (إن) لفظ العموم يستغرق في الأمر والنهي ولا يستغرق في الخبر أنه لا يخلو أن (يكون) ذلك من جهة اللغة أو من جهة أخرى.
فإن كان من (جهة) اللغة فقد بينا أن لفظ العموم وضع للاستغراق فلم يختلف باختلاف الجملة التي يدخل عليها إذ لا طريق إلى/٥٤ أالفرق بينهما من جهة اللغة.
وإن كان من جهة أخرى فعليه بيان ذلك.
فإن قيل: إنما فرقنا بينهما لأنه لو لم يقتض الاستغراق في الأمر
[ ٢ / ٤٣ ]
والنهي لم يكن المكلف مزاح العلة، وليس كذلك الوعيد لأن الغرض به الزجر عن القبيح، وذلك يحصل بالخوف، والخوف (يحصل) بغالب الظن.
والجواب: أن لفظ العموم إن لم يقتض الاستغراق لم يجب حمله على الاستغراق لا في الأمر ولا في الوعيد، ويجب إذا أراد الحكيم أن يزيح علة المكلف أن لا يدل على الاستغراق بلفظ العموم، بل يجب أن يدله بدليل آخر.
وإن كان يقتضي الاستغراق وجب استغراقه في الخبر كما يجب في الأمر، لأن الخبر خطاب لنا والقصد به إفهامنا، ولا يجوز قصد إفهامنا بلفظ (له) ظاهر إلا وقد أراد ظاهره، وإلا كان قصد إفهامنا الشيء بخطاب لا يدل عليه.
فإن قيل: الخبر لا يدخله نسخ ولا تخصيص فلم يستغرق في العموم بخلاف الأمر.
قلنا: لم كان كذلك؟ ثم هذا يؤكد أن الأمر إذا دخله الاستغراق مع كونه ينسخ ويخصص فألا يدخله (النسخ) والتخصيص أولى بالاستغراق، ولأنه متحقق (فيه) لا يزول عنه.
[ ٢ / ٤٤ ]