٧٤١ - (منها مسألة) إذا ورد لفظان أحدهما مطلق والآخر مقيد، لم يخل إما أن يكون ذلك في حكم واحد أو في حكمين مختلفين. فإن كان في حكم واحد. فلا يخلو أن يكون التعبد بهما بكونهما أمرين أو نهيين.
٧٤٢ - فإن كان أمرين، مثل أن يقول سبحانه، إذا حنثتم فأعتقوا رقبة، ويقول في موضع آخر فإذا حنثتم فأعتقوا رقبة مؤمنة، فإنه يجب هاهنا حمل المطلق على المقيد لأن العتق واحد وقد اشترط الإيمان فيه.
فإن قيل: لم قلتم إن العتق واحد؟
قلنا: لأنه لو لم يكن واحدًا لوجب عتق رقبتين في الحنث لأن الأمر (المتكرر) يفيد تكرار المأمور به لا سيما إذا اختلفت صفته، ولا أحد قال هذا، فثبت أن المأمور به عتق واحد.
فإن قيل: ألا حملتم (اشتراط) الإيمان على الندب لأجل المطلق، ولم تقيدوا المطلق لأجل المقيد.
[ ٢ / ١٧٧ ]
قلنا: لأن المقيد أشد اختصاصًا بالأمر لأنه صريح فيه والمطلق أفاد الكافر بعمومه، والخاص أولى من العام. على أن هذا السؤال لا يصح إذا ورد التعبد في المقيد بلفظ الإيجاب لأن المطلق لا ينفي الإيجاب.
فإن قيل: إن كان بمنزلة الخاص والعام فالخاص داخل في العام، فقل إن ما تناوله الخاص ثبت بالخاص والعام، وما زاد على ذلك ثابت بالعام دون الخاص. قيل: (قد) تقدم الكلام في هذا في باب تخصيص العموم، على أنا متى جوزنا كافرًا أسقطنا أمره بالمؤمنة، وأمره بالإيمان يقتضي الانحتام.
٧٤٣ - فصل: وإن كان نهيين مثل أن يقول: إن حنثتم فلا تكفروا بالعتق، ثم يقول في موضع (آخر) إذا حنثتم فلا تكفروا بعتق كافر، فإن هذا ينبني على دليل الخطاب. فمن يقول ليس بحجة/٦٨ ب يقول لا يجب العتق أبدًا لأن النهي يفيد التأبيد ولا يخص النهي المقيد لأنه بعض ما دخل تحته، والشيء لا يخص بذكر بعض ما دخل تحته.
ومن يقول بدليل الخطاب يقول: تخصيصه بالكافرة يدل على أنه يجوز أن يكفر بالمسلمة فيخص به اللفظ المطلق، ويكون كأنه
[ ٢ / ١٧٨ ]
نهى في الموضعين عن الكافرة، ويجعل دليل الخطاب بمنزلة النطق في وجوب الاستعمال.
٧٤٤ - فصل: وإن كان اللفظان في حكمين مختلفين لم يبن أحدهما على الآخر، سواء كان سببهما واحدًا، كالكفارة فيها صيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينًا مطلقًا،
"أو" كان السبب مختلفًا مثل أن يأمره بالصلاة مطلقًا وبالصيام متتابعًا.
(وقد قال): أحمد ﵁ في رواية ابن منصور: إذا أخذ في الصوم فجامع في الليل استقبل فإن أطعم "فوطيء يبني" ليس هذا (من) هذا، والوجه في ذلك أن البناء في اللفظين يجب إذا كان الحكم مذكورًا في اللفظين، فأما إذا كان (الحكم مذكورًا) في أحد اللفظين غير الحكم (في) الآخر فلا تعلق
[ ٢ / ١٧٩ ]
له به، فلا وجه للبناء، ألا ترى أن العام يبني على الخاص في الحكم الواحد، فأما (في) حكمين مختلفين فلا.
٧٤٥ - فصل: فإن كان الحكم واحدًا (والسبب) مختلفًا مثل نصه في كفارة الظهار على عتق المطلق، ونصه في كفارة القتل على عتق مقيد بالإيمان، فقد روى عن أحمد ﵀ ما يدل على أنه لا يبنى المطلق على المقيد قال في رواية أبي الحارث: التيمم ضربة للوجه والكفين، فقيل: أليس التيمم بدلًا عن الوضوء والوضوء إلى المرفقين؟ فقال: إنما قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾.
ولم يقل إلى المرافق، وقال في الوضوء إلى المرافق، وقال في: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ومن أين يقطع السارق؟ من الكف "فظاهره أنه لم يبن التيمم المطلق على الوضوء المقيد وهو اختيار أبي إسحق بن شاقلا، وبه قال جل أصحاب أبي حنيفة.
وقد روى عن أحمد ما يدل على أنه يبنى المطلق على المقيد، قال في رواية أبي طالب "أحب إليّ أن يعتق في الظهار مسلمة".
[ ٢ / ١٨٠ ]
واحتج من قال بذلك: أن الله تعالى قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ولم يذكر عدلًا. ولا يجوز إلا عدل، وظاهر هذا أنه يبني المطلق على المقيد من طريق اللغة، وبه قال أًحاب مالك وهو اختيار شيخنا، وقال جل أصحاب الشافعي يبني المطلق على المقيد، واختلفوا فقال بعضهم: يبني من جهة اللغة وقال بعضهم: يبني من جهة القياس (ويقوى عندي أنه لا يبنى المطلق على المقيد من جهة اللغة ويبني من جهة القياس).
وبه قال أبو الحسين البصري وجل أصحاب الشافعي فالكلام في فصلين: أحدهما: أنه لا يبنى من جهة اللغة خلافًا لمالك وإحدى الروايتين واختيار شيخنا وبعض الشافعية، والثاني أنه يبنى من جهة القياس، خلافًا لأصحاب أبي حنيفة والرواية الأخرى عن أحمد رحمة الله عليه.
[ ٢ / ١٨١ ]
٧٤٦ - دليلنا على الأول، أن ظاهر المطلق يقتضي أن يحمل على إطلاقه، فلا يخص بالمقيد إلا أن يكون بينهما علاقة، إما من جهة اللفظ، وإما من جهة المعنى.
فالعلاقة من جهة اللفظ: أن يكون المطلق معطوفًا على المقيد بحرف عطف أو إضمار وهذا غير حاصل في مسألتنا. والعلاقة من جهة المعنى: أن يتفق (العتقان) في علة التقييد، وهذا حمل بالقياس، وليس كلامنا فيه، وإذا لم يكن بينهما علاقة لم يحمل أحدهما على الآخر كما لو كانا من جنسين.
٧٤٧ - دليل آخر: أنه يجوز أن يصرح الباري تعالى بالإيمان في كفارة القتل، وبالكفر في كفارة الظهار ولا تحمل إحداهما على الأخرى، كذلك إذا نص على الإيمان في كفارة القتل وأطلق في الظهار، لأنه في الموضعين لا وصلة بينهما.
فإن قيل: هناك الحمل يفضي إلى إسقاط أحد النصين.
(قلنا: وها هنا الحمل) يفضي إلى تخصيص العموم بغير دليل.
٧٤٨ - دليل ثالث: أن اللفظ المطلق لا يتناول المقيد، فلو جاز أني جعل المطلق مقيدًا لجاز أني جعل المقيد مطلقًا لإطلاق
[ ٢ / ١٨٢ ]
غيره، وهذا لا يجوز/٦٩ أكما لا يجوز أن يجعل العام خاصًا لتخصيص غيره (ولا الخاص عامًا) لعموم غيره، ولا المطلق مشروطًا للشرط في غيره، وارتكاب مثل هذا يمنع الثقة باللغة والرجوع إليها.
٧٤٩ - احتج من نصر ذلك بأن (قال) حمل المطلق على المقيد لغة العرب قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ (ومعناه لله).
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾.
وأراد نقصًا من (الأموال) (والأنفس والثمرات، ولكنه) لما قيد بالأموال اكتفى.
وقال الشاعر:
وما أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني
أألخير الذي أنا أبتغيه أم الشر الذي هو يبتغيني
معناه أريد الخير وأتقي الشر.
[ ٢ / ١٨٣ ]
وقال الآخر:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف يعني نحن بما عندنا راضون فاكتفى بأحدهما عن الآخر كذا في مسألتنا.
الجواب: أن جميع ما ذكروه حمل فيه المطلق على المقيد لأجل العطف، لأن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه، يقال: رأيت زيدًا وعمرًا، معناه: ورأيت عمرًا، فأما في مسألتنا فلا وصلة بينهما بعطف ولا غيره.
جواب آخر: أنه إنما حمل هناك لأن أحد الكلامين غير مستقل بنفسه، ولا يفيد فائدة فحمل على الآخر لموضع الحاجة إلى حمل الكلام على فائدة، بخلاف مسألتنا فإن كل واحد من الكلامين مفيد بنفسه، فلا حاجة بنا إلى حمله على الآخر إلا بدليل.
جواب آخر: في المواضع المستشهد بها قامت دلالة لأن قوله: "والذاكرين الله كثيرًا" أريد به الله تعالى لأن الكلام خرج مخرج المدح والحث على ذكر الله بدليل أنه قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، ولا يكون ذلك إلا في ذكره تعالى. فأما بقية أنواع الذكر للناس أو الملائكة، فليس فيه هذا الثواب العظيم، وكذلك (الآية) الأخرى ذكر فيها الابتلاء وبشر الصابرين على ذلك بأن عليهم صلوات من ربهم ورحمة وسمى كل شيء من ذلك مصيبة.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وكذلك قول الشاعر: "أريد الخير" مفهومه أن من يريد الخير لا يريد الشر.
فإذا ثبت (هذا) فلم نحمله على ذلك إلا بدليل، وفي مسألتنا لا دليل في ذلك فوجب حمل أحدهما على الآخر إلا أن يكون من جهة القياس والمعنى وليس هو (من) مسألتنا.
٧٥٠ - احتج: بأن الله ﷾ قيد الشهادة في موضع بالعدالة، وأطلق في موضع، وحملنا المطلق على المقيد فلا نقبل إلا عدلًا.
الجواب: أنا لم نشترط العدالة في الآية المطلقة بالتقييد في الأخرى بالعدالة وإنما بشيء آخر.
جواب آخر: أنه قد قيد في الوضوء بالمرافق وأطلق في التيمم فلم نحمله عليه.
وكذلك ذكر في كفارة الظهار "الإيمان" وأطلق في كفارة القتل (فلم) نحمله عليه فتقابلا.
(جواب آخر: أنه قد ورد في القرآن رد شهادة الفاسق بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية فاشترط العدالة، كذلك لا نحمل المطلق على المقيد).
[ ٢ / ١٨٥ ]
٧٥١ - احتج بأن قال القرآن كالكلمة الواحدة فيجب تقييد بعضه بما يفيد به البعض الآخر.
الجواب: إن أردتم أنه كالكلمة الواحدة في أنه لا تناقض فيه فصحيح، (وإذا) كان صحيحًا لايتناقض، يجب تقييد بعضه (ببعض كالجنسين) المختلفين.
وإن أردتم أنه كالكلمة في وجوب تقييد بعضه ببعض فهو نفس الخلاف ولهذا لم يقيد بعضه بما قيد به بعض فخالف في الحكم، ثم لو صح هذا (لوجب) أن يكون كل ما فيه عموم، (لأن فيه عمومًا)، أو يجعل كل أمر فيه غير واجب لأن فيه أمرًا غير واجب، أو يجعل كل إطلاق فيه مشروطًا.
٧٥٢ - احتج بأنا نقول في الخبرين: أحدهما عام، والآخر خاص، يحمل العام على الخاص كذلك في المطلق والمقيد.
الجواب: أنه لا فرق بينهما لأنا نقول بذلك إذا وردًا في حكم واحد وأما إذا وردا في حكمين فلا يخص العام بالخاص.
٧٥٣ - فصل: (والدليل) على بناء المطلق على المقيد
[ ٢ / ١٨٦ ]
من جهة القياس: (أن) المطلق يقتضي العموم، وتخصيص العموم جائز بالقياس، ولأن من منع تقييد المطلق بالقياس لا يخلو (أن يكون) منعه لأجل أن التخصيص لا يتأتى في العين الواحدة، وهذا عين واحدة، وهذا غلط لأن المطلق يشتمل على جميع صفات الشيء وأحواله/٦٩ ب أو لأن القياس ليس بدليل أو دليل لا يخصص العموم، فالكلام (في) الأول يأتي في الدليل على القياس، والثاني قد مضى الكلام فيه، أو لأن تقييد المطلق زيادة (على) النص وهو نسخ. ونحن لا نسلم وسيأتي في باب النسخ، أو لأن الله تعالى استوفى حكم المطلق ونحن لا نسلم ذلك ونقول:
الدليل على صحة علة القياس يدل على أنه ﷾ لم يستوف حكم المطلق بهذا الكلام كما قلنا في العموم.
قالوا: في حمل أحدهما على الآخر قياس المنصوص على المنصوص (عليه) وذلك لا يجوز، لأنه يفضي إلى إسقاط أحد النصين، وهذا كما لا يجوز قياس القطع في السرقة على القطع في قطاع
[ ٢ / ١٨٧ ]
الطرق في قطع اليد والرجل ولم يجز عندكم قياس التيمم على الوضوء في إيجاب مسح الرأس والرجلين.
الجواب أن هذا قياس المسكوت (عنه) على المنطوق به، وذلك جائز ولا يفضي إلى إسقاط شيء، وأما قياس السرقة على المحاربة (والتيمم على الوضوء) في مسح الرجل والرأس فالإجماع منع منه، ومن شرط كون القياس حجة أن لا يعارضه نص ولا إجماع، وفي مسألتنا (لم يعارضه).
٧٥٤ - فصل: فإن كان الحكم المطلق قد قيد في مثله بقيدين متنافيين نحو قضاء رمضان ورد قضاؤه مطلقًا، وقيد في صوم الظهار بالتتابع وفي صوم المتعة بالتفريق، فإنا نحمله على أحد التقييدين إذا كان بالقياس عليه أولى من القياس على الآخر.
ومن قال: المطلق لا يحمل على المقيد (أو يحمل عليه) من جهة اللغة لا بحمله على أحد التقييدين لأن ليس عنده أحدهما أولى من الآخر، وقد مضى الكلام (في جواز ذلك) وجواز الحمل.
[ ٢ / ١٨٨ ]