٧٥٥ - مسألة: إذا علق الحكم بشرط مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ وقول النبي ﷺ: "من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع"، فإنه يدل على انتفاء الحكم فيما عداه، إلا أن يقوم دليل على تعلق الحكم بشرط آخر يقوم مقامه في تعلق الحكم به، فإذا انتفى الشرطان انتفى الحكم. فإن دل دليل على ثبوت الحكم (مع عدم) الشرط على كل حال علمنا أن ذلك ليس بشرط وأنه تجوز به، مثاله أن يقول: إن كانت المعتدة حاملًا فأنفق عليها، فإذا انتفى الحمل لم تجب النفقة.
فإن قال: إن كانت المعتدة (الحامل) يملك ردها فأنفق عليها فإن النفقة تعلق بالشرط الأول وبالشرط الثاني، فإذا انتفيا
[ ٢ / ١٨٩ ]
سقطت النفقة، وإن انتفى أحدهما لم تسقط، فلو قال: أنفق على المعتدة بكل حال سقط حكم شرط الحمل والرجعة. وعلم أنهما ليسا بشرط وكذلك قوله: إذا زنى المسلم وهو محصن حل دمه تعلقت الإباحة بذلك، فإن قال: وإن قتل حل دمه تعلقت إباحة دمه بشرط آخر قام مقام الأول، فلا يباح دمه مع عدم الشرطين إلا أن يعلقه (بشرط ثالث) فأما أن يباح دمه مع عدم الشروط (كلها) فذلك يبطل الشروط.
وبه قال جل أصحاب الشافعي وأكثر المتكلمين وأبو الحسن الكرخي (حتى قال) لا يقبل شاهد ويمين، لأن الله تعالى شرط في الحكم الشاهد الثاني، فإذا لم يوجد لم يجز الحكم.
وقال أبو عبد الله البصري وعبد الجبار بن أحمد البصري: لا يدل (الشرط) على أن ما عداه بخلافه.
[ ٢ / ١٩٠ ]
٧٥٦ - لنا ما روي (أن) يعلى بن أمية سأل عمر ابن الخطاب ﵁ فقال: "ما بالنا نقصر/ ٧٠ أوقد أمنا"؟ فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: "صدقة تصدق الله سبحانه بها عليكم فاقبلوا صدقته".
فلو لم يعقلا من الشرط نفي الحكم عما عداه، لم يكن (لتعجبهما معنى).
فإن قيل: إنما عجبًا لأن الآيات أمرت بإتمام الصلاة، وإنما أباح القصر مع الخوف وبقى الإتمام واجبًا فيما عداه بالآيات الدالة على التمام.
قيل: ليس في القرآن آية تدل على إتمام الصلاة بلفظها خاصة ولهذا يقول المخالف: إن الأصل في الصلاة القصر ويروي عن عائشة كرم الله وجهها أنها قالت "كانت صلاة السفر والحضر ركعتين
[ ٢ / ١٩١ ]
فأقرت صلاة السفر وزيد في الحضر"، فدل على (أن) تعجبهما لبقاء الحكم مع عدم الشرط.
جواب آخر: أنهما لم يرجعا (إلا) إلى الشرط ولهذا قال يعلي: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ وقد قال تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ﴾ ولم يقل والأصل هو الإتمام.
فإن قيل: فالآية حجتنا لأن عدم الشرط لم يدل على عدم الحكم وهو القصر.
قلنا: بل قد دل على منع القصر، وإنما قام دليل على إباحته (في موضع آخر)، (فرد) ظاهر دليل الخطاب، كما يرد دليل فيرد ظاهر العموم وظاهر النطق.
جواب آخر: أنه قد يحتمل أن ذكر الشرط (يبين) أن السبب في نزول إباحة القصر كان الخوف ثم عمت إباحته كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ فبين أن ذلك سبب الارتهان لا أنه شرط في الارتهان
[ ٢ / ١٩٢ ]
فإن قيل: يحتمل أن يكون ذكر الشرط لتأكيد حال المشروط، لأنه إذا ورد مطلقًا ظن المكلف أنه لم يدخل فيه المشروط، بيانه أن يقول ﷾: ضحوا بالشاة وإن كانت عوراء، فيتوهم المخاطب أنه لو قال (ضحوا) بالشاة أنه لا يجوز العوراء فلما قيده بالعور بان أنه قد دخل في قوله ضحوا بالشاة.
(قلنا: لم نقل) إن ما عدا الشرط (يكون) بخلافه لأنه لابد لذلك من فائدة فيبين (المخالف) هذه الفائدة. وإنما قلنا: (لأن) لفظة "إن" وضعت موضع الشرط فكأنه قال الشرط في هذا (القصر) الخوف، أو الشرط في هذا الحكم كيت وكيت، ولو قال ذلك لوقف الحكم عليه، كذلك إذا قال (إن) كان كيت وكيت فافعل الحكم.
فإن قيل: لو منع الشرط من ثبوت الحكم مع فقده لكان قوله ﷾: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ يدل على أنه لم (يحظر) الإكراه على البغاء إن لم يردن التحصن.
[ ٢ / ١٩٣ ]
قلنا: إنما شرط إرادة التحصن لأنهن إذا لم يردن (أن يتحصن لم تتصور كراهتهن) للبغاء، وإنما يقع الإكراه على البغاء إذا أردن (التحصن)، فصار إرادة التحصن شرطًا في الإكراه لا في الحكم.
٧٥٧ - دليل آخر: (أن قوله يا زيد ادخل الدار إن دخلها عمرو). يفهم منه أن الشرط في دخولك الدار دخول عمرو، فعلم أنه لم يلزمه دخولها ما لم يدخل عمرو.
٧٥٨ - دليل آخر: لو لم يقف الحكم على الشرط وجاز أن يوجد مع عدمه لجاز أن يكون كل شيء شرطًا في كل شيء حتى يقول: إن دخول (زيد) الدار شرط في كون السماء فوق الأرض، وإن وجد ذلك مع عدم الدخول لأن الشرط لا يختص به الحكم، وفي القول بهذا خروج عن اللغة والعقل.
٧٥٩ - احتجوا بأنه لو وقف الحكم على الشرط، لما صح قيام الدلالة على ثبوت شرط آخر، يوجب ثبوت الحكم مع عدم الشرط الأول، ونحن نعلم أنه لو قال: إن دخل زيد الدار، فأعطه/٧٠ ب درهمًا (وإن) دخل المسجد فأعطه درهمًا، فلو دخل المسجد ولم
[ ٢ / ١٩٤ ]
يدخل الدار استحق الدرهم. (وإن) كان الشرط في استحقاق الدرهم دخول الدار أولا.
قيل: إنما لم يمنع الشرط من قيام الدلالة على شرط آخر لأن الشرط الأول (لا يتعرض) للشرط الثاني بنفي ولا إثبات، ألا ترى أن قوله: إن دخل زيد الدار، فأعطه درهمًا (أنه جعل) (من) كمال (الشرط) في عطيته دخول الدار، وذلك لا يتعرض لقوله وإن دخل المسجد فأعطه درهمًا.
(فإن قيل: لا يتعرض قوله إن دخل الدار) فأعطه درهمًا لقوله وإن لم يدخل.
قلنا: بل قوله وإن لم يدخل إبطال للشرط ورجوع عنه (لأنه يستحق) الدرهم بكل حال ولو لم يدخل قط، بخلاف قوله وإن دخل المسجد لأنه قام مقام الشرط الأول شرط ثان لا يستحق (به) العطية إلا (بكل) واحد منهما فلا تكون العطية مستحقة مع عدم الشرط الأول بكل حال لأن العطية تقف عليهما
[ ٢ / ١٩٥ ]
فإن قيل: إذا لم يناف الشرط الآخر، لم يدل على أن ما عدا الحكم بخلافه.
قلنا: بل يدل (على) أن ما عداه بخلافه، مع كونه لم يذكر شرطًا آخر (لأنه لو أراد شرطًا آخر) لذكره، أو دل عليه، فلما سكت وأطلق دل (على أنه) علق الحكم بهذا الشرط خاصة فلم يثبت عدمه.
٧٦٠ - فصل: فأما قول الكرخي إن الشاهد الثاني شرط في الحكم، فإن أراد به أنه ذكر بلفظ الشرط، فمعلوم أنه ليس في الآية لفظ شرط، وإن أراد به أنه ذكر بلفظ الشرط (أن) الحكم لا يجوز مع فقده في حال ويجوز في حال، فهكذا نقول: إنه لا يحكم (بالشاهد) حتى تنضم إليه اليمين، وإن منع منه لأنه زيادةف ي النص، والزيادة في النص نسخ فلا نسلم أن الزيادة في النص نسخ (وسيأتي الكلام في ذلك).
٧٦١ - فصل: إذا علق الحكم بغاية وحد (منع)
[ ٢ / ١٩٦ ]
ظاهرها من ثبوت الحكم بعدها لأن قوله ﷾: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يجري مجرى قوله: صوموا صيامًا غايته ونهايته الليل، لأن إلى للغاية والحد، ولو قال ذلك لم يدخل الليل في الصوم لأنه لو دخل الليل في الصوم خرج الليل أن يكون آخر الصوم ونهايته بل (جاز) أن يكون الليل وسطًا للصوم.
فإن قيل: أليس يجوز أن يدل دليل على أن الليل ليس بنهاية الصوم؟ (بل) يجب صوم جزء من الليل.
قلنا: إذا دل دليل على ذلك صرفنا عن الظاهر وصارت الغاية مجازًا، كأنه أراد أن الغاية (مرتبة) من نهايته وغايته، وقد تصرف عن الظاهر بل عن الحقيقة بدليل.
٧٦٢ - فصل: فإن علق الحكم بعدد، دل على أن ما عداه بخلافه نص عليه أحمد في رواية محمد بن العباس وقد
[ ٢ / ١٩٧ ]
سئل عن الرضاع فقال عن النبي ﷺ: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان" فأرى الثالثة تحرم. وبه قال مالك وداود وبعض الشافعية.
وقال أصحاب أبي حنيفة والمعتزلة والأشعرية وجل أصحاب الشافعي وابن داود: لا يدل على أن ما عداه بخلافه.
٧٦٣ - ولنا: ما روى يحيى بن سلام في تفسيره عن قتادة لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ
[ ٢ / ١٩٨ ]
اللَّهُ لَهُمْ﴾. قال رسول الله ﷺ: "قد خيرني ربي فوالله لأزيدن على السبعين" فأنزل الله تعالى في سورة المنافقين ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾. فوجهه أن النبي ﷺ عقل أن ما بعد السبعين يخالف حكم (ما قبل) السبعين.
فإن قيل: الكافر لا (يغفر) له من جهة السمع، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ فغير جائز أن يخالفه الرسول، وبان (أن) الخبر غير صحيح.
قلنا: الخبر ثابت مشهور (لم) يختلف في صحته، فأما استغفار النبي ﷺ (فكان) قبل تسميتهم كفارا، وقبل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ /٧١ أومغفرة الله سبحانه لا يحيلها العقل فلهذا قال ذلك.
فإن قيل: فإذا كان العفو جائزًا، والاستغفار جائزًا، فإن ما زاد على السبعين بحكم ذلك لا بدليل الخطاب.
[ ٢ / ١٩٩ ]
قلنا: قوله لأزيده يدل على أنه فهم الزيادة من دليل الخطاب، وأن ما زاد على السبعين بخلافها، وإلا فالمباح كله لا يخصص بعدد.
فإن قيل: إنما ذكر الله تعالى السبعين على عادة العرب في مبالغتها، تقول: لا أفعل ذلك ولو سألتني سبعين مرة، ولو جئت إلى سبعين مرة ما رضيت مبالغة للنفي لا أن مرادها أنك إذا زدت على السبعين (مرة) فعلت ورضيت.
قلنا: قول الرسول ﷺ "لأزيدن" يدل على أنه فهم أن الزيادة تخالفها، لأنه لو أراد ذلك لفهم الرسول ﷺ أنه منعه من الاستغفار وحسم طمعه من العفو، فما كان يجوز له المخالفة لأنه ﷾ قد (عصمه عن مخالفته) ووفقه لطاعته.
فإن قيل: هذا من أخبار الآحاد فلا يثبت به أصل. قلنا: هذا لغة وإذا اشتهرت اللغة في كتاب واحد كفى وبهذا نقبل قول الخليل وسيبويه
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وابن الأعرابي والفراء وغيرهم إذا حكى الواحد منهم عن العرب على أن هذا يتضمن عملًا، وخبر الواحد يثبت به العمل.
وأما قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾. لما علق الإباحة بالأربع دل على أن ما زاد لا يجوز، وخصصنا به قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وكذلك عقلت الأمة من تعليق الحد في الزنا بمائة، وفي القذف بثمانين أنه لا تجوز الزيادة على ذلك، وكذلك قول النبي ﷺ: "في أربعين من الغنم السائمة شاة" "خص به قوله" في الغنم صدقتها.
[ ٢ / ٢٠١ ]
٧٦٤ - دليل آخر: أنه (نيط) باللفظ ما لو اختزل منه عم فتضمن (ذلك) نفيًا وإثباتًا.
أصله الاستثناء وأيضًا فإن الحكم لو ثبت فيما زاد على العدد المذكور لم يكن لذكر العدد فائدة، (وكلام) الحكيم لا يجوز أن يعرى عن فائدة ما أمكن، كما لا يجوز أن يخلي ذكر الشرط والغاية والحد عن فائدة.
٧٦٥ - احتج: بأن تعليق الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد ولا عما نقص لجواز أن يكون في تعليقه بذلك العدد فائدة سوى نفيه عما زاد ونقص على ما نبينه في تعليق الحكم بالصفة.
الجواب: أنا قد بينا أن فائدته (في) نفي الزيادة والنقصان وما يذكره (من فائدة) يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
٧٦٦ - فصل: فإن علق الحكم باسم دل على أن ما عداه بخلافه، نص عليه وبه قال بعض الشافعية ومالك
[ ٢ / ٢٠٢ ]
وداود. وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين لا يدل على أن ما عداه بخلافه.
٧٦٧ - لنا: أنه إذا علق الله ﷾ الحكم على الاسم الخاص. ولم يعلقه على الاسم العام علمنا أنه غير متعلق عليه إذ لو كان متعلقًا عليه لما عدل (عنه) إلى الخاص، مثاله أن يقول: "في سائمة الغنم الزكاة" دل على أنه لا زكاة في النعم، لأنه لو كان فيها زكاة لقال: في النعم زكاة، لأنه أخص وأعم، والنبي ﷺ تمدح باختصار الكلام وجمع المعاني فقال: "أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارًا".
[ ٢ / ٢٠٣ ]
(ولهذا لما قال: "فجعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورا" دلنا على أن غير التراب منها لا يطهر).
٧٦٨ - دليل آخر: أن الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره كالصفة تميز الموصوف من (غيره) ثم إذا علق على صفة دل على أن ما عداه بخلافه. وكذلك إذا علق على اسم وهذا يسلمه من خالف من الشافعية/٧١ ب في الاسم فإنه يوافق في الصفة، ومن منع الصفة ينتقل الكلام إليها، وكالغاية (مع) الجميع تميز ذلك الزمان من غيره. والحد يميز ذلك المكان من غيره.
فإن قيل: فرق بينهما، لأنه في الصفة يذكرها مع اسم فلا تفيد إلا تخصيصه وفي الاسم (يعدل) من اسم إلى اسم كل واحد منهما يقع به التعريف فلا يوجب ذلك التخصيص.
قلنا: إذا عدل من الأعم إلى الأخص، دل على أنه قصد التخصيص، ثم يلزم عليه إذا قال في السائمة الزكاة، فإنه يفيد إسقاط الزكاة عن المعلوفة، وإن لم يتقدم ذلك اسم يخصه، كذلك في الاسم.
[ ٢ / ٢٠٤ ]
فإن قيل: الصفة يجوز أن تكون علة، يعلق الحكم عليها والاسم لا يجوز أن يكون علة فلا يتعلق الحكم عليه.
قلنا: لانسلم، وبهذا نقول في التيمم، عدل عن التراب فلم يجزه، فنجعل العلة اسمه ترابًا، وقد قال أحمد يجوز الوضوء بماء الباقلاء لأنه ماء وإنما أضفته إلى شيء لم يفسده.
فإن قيل: العرب تجمع بين (الأجناس) المختلفة في الحكم، فتقول اشتر لحمًا وخبزًا وتمرًا، ولا تقيد الاسم بصفة، وغير الصفة عندها بمنزلة الصفة. فتقول: اشتر (لي) تمرًا برنيا، وغيرها البرني (عندها) سواء.
قلنا: لا فرق بينهما فإنه إذا قال: اشتر لي خبزًا، لم (يجز) أن يشتري له غيره مثل الصفة، ولو قال في الصفة اشتر تمرًا برنيا وطبرزذا ومعقليًا جاز.
٧٦٩ - احتج الخصم بأنه لو قال: زيد أكل، لا يدل على أن عمرًا لم يأكل.
(الجواب عنه أنا نقول لا نسلم ونقول يدل عليه إذا علمنا أنه يريد الإخبار عنهما، مثل أن يقول: دعوت زيدًا وعمرًا فأكل زيد،
[ ٢ / ٢٠٥ ]
يدل على أن عمرًا لم يأكل) ثم هذا (لا) يجوز أن يكون في الخبر، لأن الإنسان قد يكون له غرض في الإخبار عن زيد (دون عمرو، فأما المكلف الموجب إذا أراد الإيجاب على زيد) وعمرو فلا معنى لقوله: أوجبت على زيد، ويمسك عن عمرو، إلا لأنه لا يجب عليه.
فإن قيل: يحتمل أن يوجبه بلفظ آخر أو دليل آخر.
قلنا: فإذا لم يأت بدليل آخر في الإيجاب عليه وأمسك، دل على أنه لم يوجب عليه، إذ لو أوجب عليه لبينه أو دل عليه.
٧٧٠ - احتج بأنه قال: تعليق الحكم على الاسم يسد باب القياس لأنه إذا قال: لا تبيعوا البر بالبر، يجب أن لا يقاس عليه الأرز لأن تخصيصه بالاسم يوجب أن يكون التفاضل جائزًا فيما سواه.
الجواب أن الكلام في مقتضى اللغة، والقياس شرعي، فيجب أن يثبت له دليل في اللغة ويمنعه في الشرع.
جواب آخر: أنا نقول يستعمل ما لمي سقط معنى اللفظ وهو القياس فإذا أفضى إلى إسقاط معنى اللفظ أطرح، كما نقول: إنه يستعمل ما لم يسقط فحوى الخطاب وهو التنبيه، فإذا أسقط التنبيه سقط، ألا ترى أنه إذا قال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ يدل على أن
[ ٢ / ٢٠٦ ]
غير التأفيف يجوز، لكن لما كان يسقط التنبيه وهو أن الضرب أكثر في الهوان (من التأفيف) أسقطنا الدليل.
٧٧١ - فصل: فإن علق الحكم على صفة، (دل) على أن ما عداها بخلافه، وبه قال جل أصحاب الشافعي، وقال أصحاب أبي حنيفة وأكثر المتكلمين وبعض الشافعية لا يدل على المخالفة وهو اختيار أبي الحسن التميمي من أصحابنا.
٧٧٢ - لنا: أنه إجماع الصحابة ﵃، روى أن أبا بكر ﵁ احتج على الأنصار بقول النبي ﷺ: "الأئمة من قريش" فدل على اختصاصهم بذلك.
وعن الأنصار أنهم احتجوا على أن التقاء الختانين لا يوجب الغسل بقوله ﷺ: "الماء من الماء".
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وعن ابن عباس ﵁ أنه (احتج) على الصحابة في ميراث الأخت مع البنت بقوله تعالى: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ فأثبت للأخت الميراث مع عدم الولد، فدل على أن مع (الولد) لا ترث، وكذا قوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ فدل على أنها لا تزاد وأقرته الصحابة على دليل الخطاب. وكذلك احتج بأنه لا ربا في النقد بقوله: "إنما الربا في النسيئة" ولم ينكر عليه (أحد) /٧٢ أهذا الاستدلال، بل عارضوه، فدل على (اتفاقهم) أن دليل الخطاب حجة بمقتضى اللغة.
فإن قيل: (قوله): "الأئمة من قريش" (جعل جملة الأئمة من قريش) بلام الجنس لأن اللام تقتضي الاستغراق فلا يبقى إمام في غيرهم، فلهذا احتج به أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
وكذلك قوله "الماء من الماء" يقتضي ثبوت جنس الغسل،
[ ٢ / ٢٠٨ ]
جميعه (من) الماء فلا ينفي غسل من غير الماء الذي هو الإنزال.
وكذلك قوله: "إنما الربا في النسيئة" ولفظة "إنما" للحصر، فلهذا احتج على نفي ما عداه لا من دليل الخطاب.
قلنا: المخالف لا يفرق بين لام الجنس وبين الصفة، ولهذا قال (في قول) النبي ﷺ: "الشفعة فيما لم يقسم" أنه احتجاج بدليل الخطاب ولم يأخذوا به، وكذلك لم يفرقوا بين "إنما" والصفة، لأنهم قالوا في قوله ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" أنه احتجاج بدليل الخطاب فلا حجة فيه. وفيه ضعف.
فإن قيل: لم يرجعوا في هذه المواضع إلى دليل الخطاب، وإنما رجعوا إلى الأصل وذلك أنهم أثبتوا الميراث والغسل والربا في النسيئة بالنطق ورجعوا فيما لا خطاب فيه إلى الأصل، وهو أنه لا ميراث ولا غسل ولا ربا محرم.
قلنا: لم يرجعوا إلا إلى دليل الخطاب بدليل أنهم قالوا "إنما الماء من الماء" نسخ بخبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين
[ ٢ / ٢٠٩ ]
ولا ينسخ إلا ما ثبت حكمه فدل على أن دليل الخطاب قد ثبت حكمه، وكذلك (عارضوا ميراث الأخت بالسنة، وكذلك في الربا) عارضوه بالسنة.
٧٧٣ - دليل آخر: أن العرب فرقوا بين الخطاب المطلق والمقيد بصفة، كما فرقوا بين المطلق والمقيد في الاستثناء (في أن) حكم (المستثنى) غير حكم المستثنى منه، كذلك تدل الصفة على أن (حكم) ما عداها بخلاف حكمها.
فإن قيل: نحن نفرق بين مطلق الخطاب وبين المقيد بصفة، فنقطع على ثبوت الحكم في مطلق الخطاب، لوا نقطع على ثبوت الحكم في المقيد بصفة مع فقد الصفة.
قلنا: إنما شككتم في ثبوت الحكم المقيد بصفة مع فقدها (إلا أن) الظاهر يعطي أن ما عداها بخلافها لأن قوله اشتر لي خبزًا سميذا يدل على أنه لا يريد شراء (الخبز) الخشار، ولهذا لو اشتراه حسن لومه وعقوبته، ويقول: لما أمرتك بحواري دل
[ ٢ / ٢١٠ ]
على أني لا أريد (شراء) الخشار.
٧٧٤ - دليل معتمد آخر: أن الحكيم إذا أتى بكلام عام لأنواع فلم يعلق به الحكم إلا بعد أن قيده بصفة تتناول بعض تلك الأنواع، علمنا أن ذلك الحكم لا يعم تلك الأنواع إذ لو عمها لم يكن لتكليف ذكر الصفة فائدة. فإن قيل: في ذكر الصفة فوائد غير انتفاء الحكم مع عدمها، والفائدة أن يكون (قد) أطلق القول لتوهم متوهم أن الصفة خارجة منه فيذكر الصفة لإزالة هذا الإيهام، مثاله أن يقول: ضحوا بشاة عوراء يعلم أنه لو قال ضحوا بشاة/٧٢ ب توهم المخاطب أنه لا يجوز عوراء فذكر عوراء لتدخل في الجملة وتكون غير العوراء أولى بالجواز.
قلنا: كلامنا في عادة العرب، وهي لا تقصد في كلامها قطع التوهم وإزالته ولهذا تكلم بالحقيقة ولها مجاز وبالمجاز وله حقيقة، وتطلق، وكذلك تكلم بالعموم مطلقًا وإن تطرق عليه توهم التخصيص.
فإن قيل: الغاية (الثانية) يحتمل أن تكون الصفة قد وقع
[ ٢ / ٢١١ ]
(الابتلاء بها)، وما عداها لا يشتبه فيه، (فينص عليها) مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾، وإن كان لا يجوز قتلهم بحال.
قلنا: ما هذه سبيله تكون الصفة تنبيهًا على ما ليست فيه الصفة، فقد تعلق بذكر الصفة فائدة وقدم (ذلك على) دليل الخطاب لقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.
جواب آخر: أن هذه الفائدة التي ذكروها لا تمنع أن يكون الظاهر من الاستعمال تخصيص الموصوف بالحكم لأن ذلك هو الأغلب في الاستعمال والحكم يتبع ذلك دون ما يجوز أن يراد به، كما يجوز أن يراد بالعموم الخصوص وإن كان الظاهر العموم.
فإن قيل: والفائدة الثالثة أن تكون المصلحة أن يعلم حكم الصفة بالنص وعرف حكم ما عداها بالقياس عليها أو بنص آخر كما نص في الأجناس الستة.
قلنا: الكلام في اللغة والعرب لا تعرف المصالح التي تدعونها، لأنها شرعية، ثم لو كان ذلك، لبين النص على ما لا صفة فيه أو نبه على ذلك.
[ ٢ / ٢١٢ ]
فأما الأعيان الستة فقد نبه على علتها فقال: "ما كيل مثل بمثل وكذلك الميزان".
جواب آخر: أنا إذا عرفنا بطلان هذه (الأقسام من) قوله ﷺ: "في سائمة الغنم الزكاة" ولم نجد دليلًا نافيًا للزكاة عن المعلوفة ثم (اتفقنا) أن الزكاة لا تجب فيها فما نفينا إلا بدليل الخطاب.
٧٧٥ - دليل آخر: أن تقييد الاسم بالصفة يقتضي التخصيص، لأنه لا يجوز أن يقول: أعط رجلًا طويلًا أو أبيض، والطويل والقصير والأبيض والأسود عنده سواء، فإذا ثبت هذا قلنا كل ما اقتضى تخصيص الاسم (العام)، اقتضى المخالفة بين المخصوص والمخصوص منه كالعام المخصص.،
٧٧٦ - دليل آخر: أنه يجب أن تدل الصفة على انتفاء الحكم عما عداها لتكون أعم لدلالتها.
فإن قيل: إنما يجب ذلك إذا وضعت اللفظ لذلك الشيء، وهذه لم توضع لنفي ما عدا الصفة.
قلنا: قد بينا أنها قد وضعت لذلك بما تقدم.
[ ٢ / ٢١٣ ]
٧٧٧ - احتج المخالف: بأنه إذا دل المقيد بصفة، على أن ما عداه بخلافه، لدل عليه إما بصريحه ولفظه، وإما بفائدته/ومعناه، وليس يدل عليه من كلا الوجهين، لأن الصريح (ليس فيه ذكر لما عدا الصفة لأن قوله أدوا الزكاة من السائمة لا ذكر فهي للمعلوفة)، والمعنى والفائدة أن يقال: لو كانت الزكاة تجب في غير السائمة، كما تجب في السائمة، لما تكلف ذكر السوم لأنه لا فائدة فيه، وقد بينا أن له فوائد غير انتفاء الحكم وهو ما (مضى) في أدلتنا، فإذا (ليس) يدل عليه.
الجواب: أنه يدل عليه بصريحه وفائدته، أما الصريح فقد (بينا) أن الصحابة ﵃ فهمت من صريح اللفظ ذلك، وهم أهل اللسان، وقوله ليس فيه ذكر لما عدا الصفة يبطل بقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإنه ليس في لفظه ذكر الضرب، ويدل بصريحه على المنع من الضرب.
وأما فائدته: فقد بينا أن الحكيم لا يذكر لفظًا لا فائدة فيه، وما ذكروه من الفوائد فقد بينا الكلام عليها ولأن الظاهر ما ذكرنا وإن جاز أن يكون ما ذكروه فائدة نادرة.
[ ٢ / ٢١٤ ]
٧٧٨ - احتج: بأن إثبات ذلك لا يخلو (إما) أن يكون عقلًا، أو نقلًا، فالعقل لا مدخل له في إثبات اللغة، والنقل إن كان تواترًا فيجب أن يستوي في علمه، وإن كان آحادًا، فلا يثبت به أصل.
الجواب: أنه قد مضى الكلام في مثل هذا وقلنا: إنا نثبت ذلك (باستقراء) كلامهم ومعرفة مذاهبهم، وقد بينا عادة أهل اللسان وأقوال الصحابة ﵃ (وقد قال) أبو عبيد ﵁ في الغريب في قول الرسول ﷺ: "لأن يمتليء جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا" إن هذا يدل على أنها (إذا) لم تمتليء بالشعر جاز. وفي قوله ﵇: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" يدل على أن لي غير الواجد لا يحل عرضه وعقوبته. وهو أوثق من نقل اللغة عن أهلها وعرف
[ ٢ / ٢١٥ ]
مقاصد كلام العرب وتبحر فيه وذكر ذلك في كتب اللغة، حتى لا يقال إنه كان (له اختيار) في (اللغة)، فيحتمل أن يكون هذا من اختياره.
٧٧٩ - واحتج بأنه لو دل تعليق الحكم بصفة على (أن) ما عداه بخلافه، لما جاز إبطال دلالته بدليل منفصل عنه يدل على أن ما عداه مثل حكمه كما لا يجوز ذلك في اللفظين.
الجواب عنه أنا نقول: تعليق الحكم بصفة، يدل على أن ما عداه بخلافه إذا علقه بالصفة فقط، (أما إذا علقه بالصفة) وبما عداها فما خص الحكم (معه) فلا يكون دلاله.
فإن قيل: فيجب على هذا أن لا يستدلوا بتعليق الحكم بالصفة إلا أن (لا) يجدوا في الأصول تعليق الحكم بغيرها، وأنتم لا تفعلون ذلك.
قلنا: قد ذكرنا في العموم أنه لا يحمل على الاستغراق حتى نطلب المخصص فلا نجد، فكذا نقول هاهنا. وقال شيخنا: لا نقف في العموم "على طلب" التخصيص، وكذلك هاهنا
[ ٢ / ٢١٦ ]
(لأن) الظاهر/٧٣ ب أن المتكلم لما ذكر الصفة قصد تخصيص الحكم بالصفة.
جواب آخر: أنه لا يمتنع أن يكون ظاهر تعليق الحكم بصفة يدل - وإن جاز أن يرد دليل - على أن ما عداه مثله، فيخالف الظاهر كلفظ العموم ظاهره يقتضي الاستغراق ويجوز أن يرد دليل مخصص يخرجه عن الاستغراق.
فإن قيل: لفظ العموم إذا خص لا تبطل دلالته فيما بقى بعد التخصيص، وهاهنا إذا وردت دلالة أن ما عدا (الصفة في) الحكم مثل الصفة، بطلت دلالته.
قلنا: قد بينا أنها دلالة إذا خصص الحكم بها، فأما إذا لم يخص بها فليست دلالة.
جواب آخر: أن العموم إذا خص حتى يبقى واحد، فإنه يبطل أن يكون عمومًا ولا يخرجه ذلك (أن يكون) عمومًا قبل التخصيص كذلك هاهنا مثله.
٧٨٠ - احتج: بأنه لو قال في الخبر: زيد الطويل في الدار (لم) يدل على (أن) القصير ليس في الدار كذلك (في) الأمر.
[ ٢ / ٢١٧ ]
الجواب: أنه إذا استخبر عن الأزياد (فقال) زيد الطويل، دل على أن القصير ليس في الدار فلا نسلم.
جواب آخر: في الخبر قد يكون له غرض في إخباره عن واحد دون الآخر بعلمه أن الآخر متى أخبر عنه استقر، بخلاف الأمر فإنه لا غرض للأمر في تعليق الحكم بصفة وعدوله عن عموم اللفظ وهو أن يقول: "في الغنم السائمة الزكاة" وعنده أن في المعلوفة أيضًا تجب الزكاة، لأن ذلك عبث ولو بين فيه غرضًا ما فهو شاذ الظاهر ما ذكرنا.
٧٨١ - احتج بأن أهل اللغة فرقوا بين العطف والنقض فقالوا: قوله أكرم البيض والسود، عطف وليس بنقض، ولو كان دليل الخطاب صحيحًا، لكان ذلك نقضًا لأن قوله، أكرم البيض، يقتضي أن لا يكرم السود، فإذا قال: والسود نقض.
والجواب: أن قد بينا أن الصفة تكون دليلًا إذا خصها بتعليق الحكم، فأما إذا ذكر مع البيض السود لم تكن الصفة دليلًا، ولأنه يبطل بالغاية فإنه لو قال: اغسل يديك إلى المرافق، يدل على أنه لا يغسل (ما فوق) المرافق، فلو قال: واغسل ما فوق المرافق سقط حكم الغاية وكذلك في الشرط (فإنه) لو قال: أعط زيدًا درهمًا إن دخل الدار اقتضى أن لا يعطيه (إذا) لم يدخل (الدار).
[ ٢ / ٢١٨ ]
فلو قال: أعطه إن دخل (الدار) وإن لم يدخل (الدار)، جاز وسقط حكم الشرط.
٧٨٢ - احتج بأنه لا يجوز أن يكون (ذلك) دليل على حكم، ويوجد ذلك الدليل عاريًا عن الحكم، وقد وجدنا دليل الخطاب موجودًا، والحكم معدوم بدليل قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ ونحن نعلم أنه لا يجوز قتلهم مع عدم الإملاق.
وأيضًا قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ والظلم لا يجوز في ٧٤ أ/ كل الشهور، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ وهو منذر لجميع الخلق. فعلمنا أن تخصيص الشيء ببعض أوصافه، لا يدل على أن ما عداه بخلاف حكمه.
الجواب: قد بينا أن دليل الخطاب يثبت ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وها هنا عارضته أدلة أقوى منه من تنبيه وغيره، على أنه قد قيل في الشهور.
[ ٢ / ٢١٩ ]
أراد: "لا تظلموا فيهن" يرجع إلى الإثنى عشر شهرًا.
جواب آخر: أن إسقاطه في بعض المواضع لا يدل على أنه ليس بدليل، ألا ترى أن العموم قد يكون غير مستغرق في مثل قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ولم تؤت مثل فرج الرجل ولحيته، وفي قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (وما) دمرت السموات والأرض (والجبال)، ومثل قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ومعلوم أنه لم يخلق نفسه وصفاته، ولا يخرجه ذلك أن يكون دليلًا من جهة العموم.
٧٨٣ - احتج: بأنه لو كان الخطاب دليلًا لجاز أن يبطل حكم الخطاب ويبقى حكم الدليل، كما جاز أن يبطل حكم الدليل ويبقى حكم الخطاب ألا ترى (في) قوله ﷺ: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" يقتضي (إن كان) بإذنه (أن) لا يكون (نكاحها) باطلًا، وعندكم هو باطل بأصل الخطاب.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
الجواب عنه: أن شيخنا ذكر وجهين، أحدهما أنه يجوز أن يبطل حكم الخطاب ويبقى حكم الدليل لأنه بمنزلة الخطابين، فإذا بطل أحدهما لم يبطل الآخر.
والثاني: أنه يبطل حكم الدليل ببطلان الخطاب، لأنه فرعه ونتيجته، فإذا سقط الأصل سقط فرعه ويفارق الخطابين فإنه ليس أحدهما فرع الآخر.
٧٨٤ - احتج بأنه لو كان دليل الخطاب حجة، لما جاز تركه بالقياس. كما لا يجوز نسخ الخطاب بالقياس.
الجواب: أن دليل الخطاب بعض مقتضى الخطاب، ويجوز ترك بعض مقتضى الخطاب بالقياس. ألا ترى أنا نترك العموم إلى الخصوص بالقياس، وكذلك نعدل (عن) الظاهر بالقياس فكذلك في دليل الخطاب.
٧٨٥ - احتج بأنه لو كان دليل الخطاب حجة لما جاز تخصيصه لأنه مستنبط من الخطاب وما استنبط من اللفظ لا يجوز تخصيصه كالعلة.
الجواب: أنه ليس بمستنبط من اللفظ، وإنما اللفظ بنفسه يدل عليه بمقتضى اللغة، فجاز تخصيصه كالخطاب نفسه.
فإن قيل: لو كان حجة بنفس اللفظ، ما جاز استفهامه، كنفس اللفظ الصريح ومعلوم أنه لو قال أعط رجلًا أبيض، حسن أن يقال: ولا تعط أسود ولا يحسن مثل ذلك في الصريح فنقول: أعط أبيض.
[ ٢ / ٢٢١ ]
الجواب: أنه يحتمل أن يقول: لا يحسن الاستفهام، ولهذا يحسن أن ينكر عليه لو أردتك/ ٧٤ ب تعطي أسود لقلت (لك) أعط رجلًا، ولم أصفه بالبياض، ومن قال: يحسن الاستفهام يقول: إنما حسن لأنه يجوز أن يكون قد علق الحكم على أحد وصفيه، ليدل على المخالفة ويحتمل أن يكون قد خص وصفه للشرف والفضيلة فيحسن الاستفهام ليزول الاحتمال، ويخالف الصريح فإنه لا احتمال فيه، فلم يحسن الاستفهام.
٧٨٦ - احتج: بأنه ليس في كلام العرب كلمة تدل على شيئين متضادين، وهاهنا (يقولون) هذه اللفظة تدل على إثبات الحكم ونفي ضده.
الجواب لا نسلم فإن التعليق بالغاية يدل على إثبات الحكم فيما قبل الغاية، ونفيه عما عداها، وكذلك الأمر بالشيء يدل على النهي عن ضده وهما متضادان، على أن اللفظ لا يدل على الشيئين المتضادين من طريق واحد، وهاهنا دلت على الحكم (من) صريح اللفظ وعلى نفي ما عداه من دليله وفائدته.
٧٨٧ - واحتج بأن الصفة جعلت للتمييز بين الأنواع فالتعليق عليها لا يدل على نفيه عما عداها (كالاسم).
[ ٢ / ٢٢٢ ]
الجواب: أنا لا نسلم، وقد تقدم ذلك (وبيانه).
٧٨٨ - فصل: إذا علق الحكم على صفة في جنس، كقوله: "في سائمة الغنم زكاة" دل على نفيه عما عداها في ذلك الجنس خاصة، ويحتمل أن يدل على النفي فيما عداها في جميع الأجناس وهو قول بعض الشافعية وذكر شيخنا أنه ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀.
٧٨٩ - لنا: أن دليل الخطاب نقيض النطق، (والنطق) لم يتناول إلا سائمة الغنم، فنقيضه يجب أن يتناول معلوفتها حسب، هذا كما نقول في التخصيص لا يتناول إلا ما دخل تحت عموم الجنس وكذلك الاستثناء (عندنا) لا يكون إلا من الجنس.
٧٩٠ - احتج بأن السوم يجري مجرى العلة في تعلق الحكم به، والعلة حيث وجدت تعلق الحكم بها.
الجواب: أنا لا نسلم أنه علة، وإنما هو أحد وصفي العلة، والغنم الوصف الآخر، لأن الحكم تعلق بمجموعها. فإذا انفرد أحد الوصفين، لم يجز أن يعلق الحكم عليه، لأنه بعض العلة، ألا ترى
[ ٢ / ٢٢٣ ]
أنه (لا) يحسن أن يقال: لا زكاة في الخيل والبغال لأنه ليست سائمة.
٧٩١ - فصل: إذا علق الحكم على لفظة "إنما" دلت على إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما (عداه) نحو قوله: "إنما الأعمال بالنيات" خلافًا لبعض المتكلمين لأنها لا تقتضي نفي الحكم عما عدا المذكور.
٧٩٢ - لنا: أن المفهوم من قول القائل: إذا سئل هل في الدار رجال؟ فقال: إنما في الدار زيد. أنه ليس فيها سواه. ومثل ذلك قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ "أي" لا إله إلا وكذا/٧٥ أقول الشاعر:
أنا الرجل الحامي الديار وإنما يدافع عن أحسابكم أنا أو مثلي
[ ٢ / ٢٢٤ ]