وقالت (البراهمة) لا يقع العلم بذلك، وإنما يقع بالمحسوسات فقط.
[ ٣ / ١٥ ]
(لنا) إنا نجد أنفسنا عالمة (بالبلدان) النائية كمكة والمدينة ومصر (وخراسان) (وغيرها)، (والسير) الماضية (كأخبار) بني أمية، وبني العباس وغير ذلك، كما نجدها عالمة بالمحسوسات والمشاهدات، ومن دفع ذلك فقد دفع ما يجده، ولا وجه [لمكالمته) ويفارق ما ترويه الآحاد، لأنا لا نجد أنفسنا عالمة بذلك.
(فإن قيل): لو وقع العلم بالخبر لوقع عند الخبر الأول والثاني، كما يقع (بالحس) والمشاهدة الواحدة العلم، ولا يحتاج إلى التكرار.
(الجواب عنه إنا نقول) من يقول: العلم بالخبر المتواتر ضروري، يقول:
[ ٣ / ١٦ ]
(إن) الله تعالى اختار أن يوقع لنا العلم عند التواتر دون الآحاد، (ومن قال هو مكتسب يقول: اكتسابه حاصل في التواتر دون الآحاد)، (وبيان) هذا إن الله تعالى أجرى العادة بحصول العلم إذا تكرر المخبر به، كما أجرى (عادة الحفظ) بتكرار الإعادة والدرس، وأجرى عادة السكر عند تكرر الشرب، فأما المشاهدة فإنه أجرى العادة: أن من كمل عقله إذا رأى شيئًا علمه وتحققه، وكذلك إذا سمع شيئًا من غير أن يتكرر، فكان (طريقهما) والعلم الواقع عنهما [غير] متفق.
احتج (المخالف): بأن كل واحد من الذين تواترت أخبارهم، يقدر على الكذب في حال الاجتماع، كما يقدر على الكذب في (حال) الانفراد، فإذا لم يقع العلم بخبرهم عند الانفراد لأجل (هذا) التجويز، كذلك حال الاجتماع.
(الجواب): إنهم وإن كانوا كذلك، إلا أنه لا يجوز مع كثرتهم، واختلاف هممهم وأديانهم، وعدم الداعي أن (ينتظمهم
[ ٣ / ١٧ ]
حال واحد) في (الاجتماع) على الكذب، ألا ترى أن كل واحد منهم يقدر على الزنا، والسرقة، والقتل، ثم لا يجوز أن تجمعوا على ذلك.
(واحتج): بأنه (إذا) لم يقع العلم بخبر الواحد، لأنه يجوز عليه الصدق والكذب، فكذلك إذا انضم معه غيره أبدًا، لأن حاله لا يتغير بانضمام غيره إليه.
(الجواب): (أنه) ليس لأجل ذلك، لكن لما ذكرنا من أن الله سبحانه لم يجر العادة بوقوع العلم بخبر الواحد، كما لم يجر العادة بالحفظ (بمرة) واحدة، والسكر بجرعة واحدة، وإنما أجرى العادة بذلك مع التكرار.
(وجوب آخر): أن الواحد يجوز أن (يدعوه) أمر إلى (الكذب) ولا يجوز أن يدعو الجم الغفير، والخلق العظيم
[ ٣ / ١٨ ]
داع واحد إلى أن يكذبوا، ولا يجوز أن يتفقوا على ذلك أيضًا، ولهذا لو استدل غريب لى جامع المنصور، لم يجز أن يتفق عدد كبير على دلالته على غيره، ويجوز ذلك من الآحاد، فبان ما ذكرنا، ولأنه ليس إذا جاز ذلك على كل واحد يجوز على الجماعة. ألا ترى أن كل واحد يجوز أن يعجز عن حمل ألف رطل [و] لا تعجز الجماعة عن ذلك.
احتج: (بأنه) لو وقع العلم بخبر الجماعة، لوقع العلم بخبر اليهود عن موسى: أنه قال: لا نبي بعدي، وبخبر النصارى واليهود عن عيسى: أن اليهود قتلته وصلبته، (والرافضة) عن أئمتهم.
(والجواب): (إن) من شرط التواتر أن يكون رواية جماعة لا يجوز اتفاقهم وتواطؤهم على الكذب، وإن يستوى طرفًا (الخبر) ووسطه في ذلك، وهذا غير موجود في خبر هؤلاء، وإنما يروون عن كتب، وعدد يسير.
وقيل: إن أول من أمرهم أن يقولوا ذلك ابن الراوندي
[ ٣ / ١٩ ]
بأصبهان ويدل على ذلك أنهم (لم يحتجوا) بذلك على عيسى وعلى محمد ﵉ ولو كان ذلك صحيحًا لاحتجوا عليهما.
(وجواب آخر): إن اليهود لم تكن (مجمعة) على هذا الخبر، ولهذا أسلم جماعة منهم بنبينا، وكذلك النصارى اختلفوا في قتل المسيح، وكذلك الرافضة.
(واحتج): بأنه إذا جاز اتفاق الجماعة على الخطأ وهم (الفلاسفة، والطبائعيون)، جاز اتفاقهم على الخطأ في الخبر.
[ ٣ / ٢٠ ]
(الجواب): إن ذلك يدرك بالاجتهاد فجاز أن يغلطوا فيه والخبر طريقه السماع (أو المشاهدة)، فلا يجوز أن يتفق الخلق العظيم على الخطأ فيه.
احتج: (بأنه) لو أوجب خبر الجماعة العلم، لوجب أن تقع لكل واحد العلم بنبوة محمد ﷺ لأنكم نقلتم نبوته قطعًا.
(والجواب): (إنا) نثبت نبوته قطعًا، ومن قال: لا (أعلمه) فهو يدعي ذلك عنادًا، كما يدعي: أنه لا يقع (له العلم) بالبلدان النائية، والأمم السالفة بالخبر، وكما يدعي أن القرآن ليس (بمعجزة)، وهو يتحدى أن يأتي بمثله فعجز، وكما شاهد الكفار معجزات الرسول ﷺ، ولم يؤمنوا.
(قيل جواب آخر): (إنا) لم نثبت نبوته قطعًا لأن المعجزات عرفت باستدلال ولم تعلم ضرورة وفيه ضعف.
(واحتجوا بأنه): لو وقع العلم بخبر التواتر، لوجب إذا (تعارض خبران متواتران) أن يقع علمان متضادان، (وهذا محال).
[ ٣ / ٢١ ]
(والجواب): (أنه لا يجوز اتفاق خبرين متضادين) في شيء واحد، ولا وجد ذلك.
(وجواب آخر هو): إن جميع ما ذكرتم يجري مجرى الشبه، والعلم بالتواتر يحصل ضروريًا فلا ينتفي بالشبه، ألا ترى أن مثل ذلك يحصل في الحسيات، وهو أن يختلف النظر فيها وتختلف الأسماع، ثم لا يوجب ذلك كون الحسيات غير موقعة (العلم). والله أعلم.