قال شيخنا: كان متعبدًا بشرع من قبله وبه قال أصحاب الشافعي.
وحكى أبو سفيان السرخسي عن أصحاب أبي حنيفة: أنه لم يكن متعبدًا قبل بعثته بشيء من الشرائع، وتوقف (بعض) المعتزلة وغيرهم في ذلك منهم أبو هاشم وهو الأقوى.
١٠٣٨ - ووجه من قال (إنه) لم يكن متعبدًا (أنه لو كان متعبدًا) بشرع من قبله قبل البعث لكان يفعل ما تعبد به
[ ٢ / ٤١٣ ]
الأنبياء قبله، ولو فعل ذلك لنقل ولوجب أن (يخالط) من ينقل ذلك الشرع من اليهود والنصارى وغيرهم ويفعل كفعلهم، وقد نقلت أفعاله قبل بعثته (وعرفت) أحواله ولم ينقل أنه خالط أهل الكتاب ولا فعل أفعالهم ولا سأل عن شرعهم (فاتضح) ما ذكرناه.
١٠٣٩ - ووجه من قال: إنه تعبد: أنه قد كان قبل البعثة يحج ويعتمر ويصوم ويطوف بالبيت ويعظمه ويأكل المذكي ويركب البهائم ويحمل عليها وكل ذلك لا يحسن إلا شرعًا، فدل على أنه كان يتبع (شرع) من قبله.
الجواب: أنه لم يثبت عنه فعل شيء من العبادات من حج أو عمرة أو صلاة أو صيام قبل البعثة بحال، وكذلك لم ينقل عنه (أنه) ذكى (ولا) أمر بالتذكية، ومن ادعى ذلك يحتاج إلى دليل عليه، وإن نقل عنه شيء من ذلك فإنما كان بعد البعث وقبل الهجرة في طول إقامه بمكة، (فأما أكل اللحم المذكي فحسن في العقل لأنه ليس فيه ضرر على أحد وفيه منفعة لمن يأكله، وأما ركوب البهائم، كذلك لا ضرر فيه عليها لأنها خلقت لذلك وفيه منفعة الراكب).
[ ٢ / ٤١٤ ]
وقيل: إن ذلك حسن لأنه (ضرر) يؤدي إلى نفع أعظم منه وهو القيام بمصالحها وأقواتها، وأما تعظيم البيت فلأنه بناء الأنبياء إبراهيم، وإسماعيل، وتعظيم أماكن الأنبياء والتبرك بها حسن في العقل.
ومن نصر الثاني يقول: لا مدخل للعقل في تحسين ولا تقبيح في الشرعيات فثبت أنه كان متعبدًا في فعل ذلك.
١٠٤٠ - ومن قال بالوقف: احتج بأنه لو تعبد لخالط أهل الملل ولسأل عن شرائعهم ولم ينقل ذلك (ولو لم) يتعبد لما طاف بالبيت وعظمه وتعبد وصام، وقد نقل عنه مستفيضًا أنه كان يتحنث بحراء الأيام المتتابعات حتى (أوحى الله إليه) وذلك لا يحسن إلا شرعًا، فدل على أنه (كان متعبدًا بشرع) من قبله، وإذا تعارض الدليلان (وجب الوقف) حتى يتبين.
١٠٤١ - فصل: وهل كان متعبدًا بعد (أن بعث) بشرع من قبله: وهل ذلك شرع لنا ما لم يثبت نسخه؟
[ ٢ / ٤١٥ ]
فيه روايتان:
إحداهما: أنه لم يكن متعبدًا بذلك ولا هو شرع (لنا) وبه قال المعتزلة والأشعرية.
والأخرى أنه كان متعبدًا بذلك وهو شرع لنا ما لم يثبت نسخه (وهو اختيار شيخنا، وحكى أنه أنه اختيار التميمي) وبه قال أصحاب أبي حنيفة فيما حكاه أبو سفيان عن الرازي عنهم. واختلف الشافعية/١٠٤ م فروى عنهم كالمذهبين. قوال بعضهم تعبد بشرع إبراهيم ﵇، وقال (قوم) تعبد بشرع موسى ﵇.
[ ٢ / ٤١٦ ]
١٠٤٢ - وجه الأول قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. ومعناهما: واحد وهو الطريق الواضح فدل على أن كلا منهم اختص بشريعة فإذا شاركه غيره (زال) الاختصاص.
١٠٤٣ - دليل آخر: ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأصفر وكل نبي بعث إلى قومه" فدل على أن كل نبي اختص بشرع لقومه، ومشاركتنا تمنع الاختصاص.
١٠٤٤ - دليل آخر: ما روى عن النبي ﷺ أنه خرج يوما فرأى بيد عمر قطعة من التوراة فغضب وقال: ما هذه؟ ألم آت بها بيضاء نقية؟ لو أدركني موسى ما وسعه إلا اتباعي فأنكر النظر في التوراة وأخبر أن موسى يجب أن يتبعه لو أدركه.
فإن قيل: إنما أنكر عليه (لأنها) مغيرة مبدلة، ونحن لا نرجع إليها وإنما نرجع إلى ما جاء به شرعنا منها.
وجواب عنه أن النبي ﷺ (قد) جعل العلة أن قد جاء بشريعة بيضاء (نقية) لا يحتاج معها إلى غيرها وأن موسى يلزمه اتباعه لو كان حيًا فبطل تأويلهم.
[ ٢ / ٤١٧ ]
١٠٤٥ - دليل آخر: أن النبي ﷺ لم يكن يرجع في الحوادث إلى حكم التوراة والإنجيل ولا يسأل عن شرع من قبله وإنما كان ينتظر الوحي ولهذا (انتظره) حين قذف هلال زوجته حتى نزلت آية اللعان، وكذلك حين حدث الظهار والإفك وغير ذلك.
فإن قيل: فقد رجع إلى التوراة في الرجم وكذلك في القصاص (في) السن فإنه قال (في) كتاب الله القصاص، وذكر السن في القصاص إنما ذكره الله تعالى في التوراة في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ - إلى قوله- والسن بالسن﴾.
قلنا: رجوعه إلى التوراة (في الرجم) موافقة لليهود وتعنيف لهم حين جحدوا الرجم في شرعهم، ألا ترى أنه لم يرجع في غير ذلك إليها من شرائط الرجم كالإحصان وغيره. وأيضًا (فإن) كون التوراة مغيرة يمنع من الرجوع إليها في استفادة الحكم منها، وقوله "كتاب الله القصاص" لم يرد به التوراة لأن كتاب الله إذا أطلق لم يعقل منه إلا القرآن يقال: هو أقرأنا لكتاب الله وحكمنا بكتاب الله
[ ٢ / ٤١٨ ]
وحامل كتاب الله، ويراد به القرآن) لا غير، وقال في القرآن: وحامل كتاب الله، ويراد به القرآن) لا غير، وقال في القرآن: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ويحتمل أن يكون أراد حكم الله القصاص، ويحتمل أنه أوحى إليه (أن) ذلك شرع (له) فلهذا رجع إليه.
١٠٤٦ - دليل آخر: أن النبي ﷺ قال لمعاذ: "بم تحكم: فقال: بكتاب الله: قال: فإن لم تجد؟. قال: بسنة رسول الله ﷺ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضى رسول الله" ولو كان متعبدًا بشرع/ ١٠٤ ب من قبله لأمره بالرجوع إلى ذلك.
فإن قيل: فقد قال بكتاب الله، والتوراة كتاب الله.
قلنا: قد بينا أنه إذا أطلق لم يعقل منه إلا القرآن وعلى أن شرع من قبلنا لا يقف على كتابهم كما أن شرعنا لا يقف على كتابنا فكان يأمره بتصفح أحوال (الأنبياء) وشرعتهم.
١٠٤٧ - دليل آخر: أن الصحابة ﵃ اجتهدوا
[ ٢ / ٤١٩ ]
واختلفوا واحتج بعضهم على بعض ولم ينقل عن أحد منهم أنه رجع إلى شرع من قبل نبينا ﵇ في حكم من الأحكام ولا احتج به ولا سأل عنه.
فإن قيل: إنما لم يرجعوا إليهم لأن خبرهم لا (يقبل) في الشرع.
قلنا: إذا لم يقبل خبرهم وكتابهم مبدل فلا سبيل إلى التعبد بأحكامهم لأن طريق ثبوتها متعذر.
فإن قيل: إنما نثبت من ذلك ما جاء به شرعنا.
قلنا: فما ننكر أن يكون ما جاء به شرعنا (قد جعل شرعًا لنا بأمر مبتدأ ثم ليس جميع شرعهم جاء به شرعنا) فكان يجب أن يبحث أو يسأل من أسلم منهم عن ذلك فنتبعه ولا أحد فعل ذلك.
١٠٤٨ - دليل آخر: أنه لو تعبد بشرع من قبله لم يضف الشرع جميعه إليه كما لا يضاف الشرع إلى بعض أصحابه وإن كان له فيه (أثر) واجتهاد (لأنه) استفاد ذلك منه ﵇.
١٠٤٩ - دليل آخر: أن شرع من قبل موسى قد درس فلم يمكن التوصل إليه، وشرع موسى منسوخ بشرع المسيح،
[ ٢ / ٤٢٠ ]
ولا يجوز أن يكون متعبدًا بشرع المسيح لانعقاد الإجماع على خلافه لأن الناس اختلفوا على (أقاويل) أربعة: فمنهم من قال: لم يتعبد بشرع أحد. ومنهم من قال: تعبد بشرع جميع الأنبياء، ومنهم من قال: بشرع إبراهيم ومنهم من قال: بشرع موسى، ولم ينقل عن أحد أنه (قال) تعبد بشرع المسيح ﷺ أجمعين.
١٠٥٠ - احتج المخالف بقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ وشرعهم من هداهم فوجب اتباعه.
الجواب: أنه تعالى أمره بهدى مضاف إلى جميعهم وذلك هو التوحيد والدعاء إليه والصبر على ما تلقاه في تبليغ الرسالة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ فأما الشرائع فهم مختلفون فيها (فلا) يمكن الاقتداء بهم فيها (لاختلافهم في الأحكام فإن أخذ بشرع أحدهم خالف الآخر).
١٠٥١ - احتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ فبين أنها منزلة ليحكم بها النبيون ونبينا ﷺ من جملتهم.
[ ٢ / ٤٢١ ]
الجواب: أنه يحتمل أنه أراد بذلك (أن يحكم النبيون) من بني إسرائيل إذ لا يمكن حمله على جميع النبيين لأن من قبل موسى لا يحكم بها ومن بعده لا يحكم بها أيضًا، لأن عيسى ونبينا ﵉ قد نسخ شرعهما كثيرًا منها كالسبت وغيره.
جواب آخر: ظاهر الآية يقتضي أن يحكم بها جميع النبيين/١٠٥ أوبذلك يوجب حملها على الحكم بالتوحيد وتبليغ الرسالة ليدخل في ذلك الجميع، فأما الحكم في الشرائع فلا يمكن اجتماع النبيين على ما في التوراة (منها) لأن بعضهم قد نسخ بعض ما في التوراة (فثبت ما قلنا).
١٠٥٢ - احتج بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾.
الجواب: أن اسم الملة لا يقع إلا على أصل الدين من التوحيد والإخلاص لله بالعبادة دون الفروع ولهذا (لا) يقال: ملة أحمد وأبي حنيفة والشافعي يراد بذلك مذاهبهم، ولا يقال: ملة أحمد وأبي حنيفة مختلفة، ولهذا قال في آخر الآية "وما كان من المشركين" ولأن ملة إبراهيم انقطع نقلها فلا يجوز أن يؤمر بما لا سبيل إليه.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
١٠٥٣ - احتج بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ معناه (بما) أوحينا إليهم.
الجواب: لا نسلم أن معناه ذلك بل (قال ذلك) ليزيل عجب من تعجب من وحي الله تعالى إليه وهذا كما يقول الإنسان (لغيره) كيف راسلني فلان؟ فيقول: كما راسلك فلان وفلان ولم يرد بما راسلك فلان وفلان على أن الآية لو دلت على أنه أوحى (إليه بما أوحى) به إلى غيره لكان المراد به من التوحيد وما يتعلق به أو يراد به أنه (تعبده) بما أوحى به إلى غيره بأمر مبتدأ.
١٠٥٤ - احتج بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية.
الجواب: أن الدين المراد به التوحيد والإخلاص وتبليغ الرسالة دون الفروع، ولهذا لا يقال: دين أحمد مخالف (لدين) الشافعي ويراد به مذهبه. وبهذا قال تعالى في الآية: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾
[ ٢ / ٤٢٣ ]
(والذي لا تقع فيه الفرقة هو ما ذكرنا من التوحيد والإخلاص، وكذلك هو الذي يكبر على المشركين) فأما بقية الأحكام فهم فيها مختلفون متفرقون نسخ بعضهم على بعض وخالف بعضهم بعضا، ثم لو دلت الآية على ما ذكروا من أنه تعبد بشرع من قبله لدلت على أنه تعبد بذلك بأمر مبتدأ أنزل في كتابه.
١٠٥٥ - واحتج بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية. ولم يأمرنا باتباعها ونحن نحكم بذلك.
(فثبت أنا نحكم به اتباعًا لشرعهم).
(الجواب أن في الآية ما يدل على وجوب الحكم علينا بذلك) وهو قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ وهذا يقتضي أنه أوجب الحكم علينا بذلك، فدل على أن الحكم (بذلك وجب) في شرعنا، ثم قلنا: إنا لم نحكم بذلك لهذه الآية وإنما حكمنا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الأَلْبَابِ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
١٠٥٦ - احتج بأن نبينا كان متعبدًا بشرع من قبله قبل بعثته فلما بعث لم يرد النسخ عنه في شرعه فدل على بقائه في حقه.
الجواب: لا نسلم ذلك، وقد تقدم الكلام فيه.
١٠٥٧ - احتج بأن مجيء /١٠٥ ب نبينا ﵇ غير مناف لما تقدمه من الشرائع وكل شرع لم يرد عليه ما ينافيه وجب البقاء عليه كشرعنا.
الجواب: أنه ﵇ غير مناف لما تقدمه.
ولا ملغ ماله فمن أوجب عليه التزامه يحتاج إلى دليل.
١٠٥٨ - (احتج بأنه تعالى حكى شرع من قبلنا فلو لم يرد التسوية بيننا وبينهم فيه لم يكن لذكره فائدة).
(والجواب عنه أنه ذكره) ليأمرنا في مواضع، وليبين نسخه وإسقاطه عنا في مواضع وهذا مما (لا) يوجب أن يكون شرعًا لنا والله أعلم./١٠٦ أ
[ ٢ / ٤٢٥ ]
انتهى الجزء الثاني من كتاب "التمهيد" لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني الحنبلي المتوفى سنة ٥١٠ هـ.
ويتلوه الجزء الثالث إن شاء الله وأوله: "باب الكلام في الأخبار"
[ ٢ / ٤٢٦ ]
أهم نتائج البحث
بعد دراسة وتحقيق الجزء الأول من كتاب التمهيد يستطيع الباحث استخلاص النتائج التالية:
أولًا: أن نسبة هذا الكتاب للمؤلف ثابتة، لا شك فيها، وقد قرر هذا من ترجم له ونقل عنه.
ثانيًا: أن كتاب التمهيد من أوائل الكتب التي وصلت إلينا في أصول فقه الحنابلة وهو الكتاب الثاني في المذهب بعد كتاب العدة لأبي يعلي.
ثالثًا: أن الكتاب حفظ لنا جملة من الروايات المنقولة عن الإمام أحمد بن حنبل وكانت هذه الروايات مصدرًا أساسيًا عند أبي الخطاب في استنباطه أصول مذهبه إمامه.
رابعًا: اعتنى المؤلف كثيرًا بآراء شيخه وحافظ على نقلها في أغلب مسائل الكتاب سواء كان موافقًا له أو مختلفًا معه.
خامسًا: يعتبر الكتاب من كتب أصول الفقه المقارنة، إذ اعتنى بنقل آراء المذاهب المشهورة وفحول علماء الأصول.
سادسًا: ظهر في الكتاب روح الاستقلال لدى الشيخ أبي الخطاب، إذ كان يذكر الآراء ويرجح بينها ويدلل عليها ويناقش الأدلة وينتهي في كل مسألة إلى رأي يختاره ويدعمه بالدليل، وقد اختلف مع شيخه في عشرين مسألة تقريبًا.
سابعًا: الشيخ أبو الخطاب في الكتاب منصف لخصمه، يذكر آراءه وأدلته واعتراضاته وأجوبته، ولم يقع في الكتاب كله عبارة واحدة فيها قدح بعالم من العلماء أو تجريح لمخالف.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
ثامنا: يعتني أبو الخطاب بالأدلة النقلية والعقلية ويكثر منها، ويهتم بوجوه دلالتها حتى يصل إلى الغرض المطلوب، كما أنه يهتم بالشعر وبكلام أئمة العربية ويستشهد به.
تاسعًا: كتاب التمهيد من المصادر الأساسية التي اعتمد عليها مؤلفو الحنابلة المتأخرين في علم الأصول كابن قدامة والفتوحي، وآل تيمية وهم يهتمون بذكر آرائه في مسائل علم الأصول.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم