وقالت المعتزلة: هو ما ذكرتم إلا أن الاستدعاء لا يكون إلا بإرادة، والإرادة مشروطة فيه.
وقال بعضهم: هو إرادة الفعل بالقول على وجه الاستعلاء.
١٤٩ - لنا أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح
[ ١ / ١٢٤ ]
(ابنه) ولم يرده، لأنه لو أراد ذلك لوقع منه على أصلنا، ولم يجز أن يمنعه منه عندكم لأن الأمر بالشيء يدل على حسن ذلك الشيء، ولا يجوز نهيه تعالى عن الحسن.
فإن قيل: من أين يثبت أن إبراهيم رأى في المنام صيغة الأمر؟
قيل: من حيث إنه لو لم يؤمر لم يجز له أن «يأخذ» ابنه ويضجعه للذبح، لأن ذلك محظور، فثبت أنه أمر بذلك وحيًا في المنام، ومنامات الأنبياء وحي.
وجواب آخر: أنه قال تعالى في الحكاية عن ابنه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ فإن قيل: يحتمل قوله: "افعل ما تؤمر" في المستقبل، ولو أراد ذلك في الماضي لكان يقول: افعل ما أمرت من الذبح وغيره.
قيل: لا يجوز ذلك لأن فيه جوابًا عن إخباره إياه بأنه رأى أنه يذبحه في الماضي، فثبت أن قوله "افعل ما تؤمر" المراد به ما أمرت به من الذبح، فلما أضجعه دل على أن الأمر كان به، على أنه لو أراد به
[ ١ / ١٢٥ ]
في المستقبل لم يقل: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. لأنه لا يعلم بما يؤمر به في المستقبل فيصف نفسه بالصبر عنه.
فإن قيل: ما أمر به هو مقدمات الذبح من الإضجاع والأخذ بالمدية وتَلِّه للجبين وقد فعله.
قيل: حقيقة الذبح قطع مكان ١٨ أ/ مخصوص معه تبطل الحياة.
وجواب آخر: لو كان المأمور به المقدمات لم يكن في ذلك بلاء مبين، ولا يحتاج فيه إلى الصبر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾.
وقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.
ثم هذا خلاف الظاهر لأنه قال في القرآن: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، دل على (أن) الأمر تناول الذبح.
فإن قيل: فقد فعل (الذبح) ولكن الله تعالى كان يلحم ما يفريه إبراهيم شيئًا فشيئًا، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.
[ ١ / ١٢٦ ]
قيل: لو كان كذلك لما افتقر إلى فداء لأنه فعل المأمور به، ثم لو صح هذا لذكره سبحانه لأن هذا من (الآيات) الباهرة وذكره وإعجازه أعظم وقوله: "قد صدقت الرؤيا" معناه قد امتثلت الأمر إذ اعتقدت جوبه وحقيقة العزم (على) فعله فكنت بذلك مصدقًا للأمر.
١٥٠ - وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
فمنها دليلان:
أحدهما: أنه أخبر أن كن بمجردها أمر.
والثاني: أنه قد يكون أمر بإرادة وبغير إرادة وعندهم لا معنى لذكر الإرادة لأنه لا يكون أمرًا إلا بإرادة.
١٥١ - وأيضًا فإنه سبحانه أمر برد الأمانات وقضاء الدين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
[ ١ / ١٢٧ ]
(ثم) يثبت أنه لو قال: والله لأؤدين إليك أمانتك اليوم. والله لأقضينك دينك اليوم إن شاء الله، فلم «يصدق» أنه لا يحنث، وكان من الواجب على أصلهم أنه يحنث لأن الله تعالى قد شاء ما أمر به من قضاء الدين وتأدية الأمانة.
١٥٢ - وأيضًا فإنه لو كان من شرط الأمر الإرادة لم يجز للعرب أن يسموا من قال لعبده: افعل كذا، آمرًا من قبل أن يعلموا إرادته، فلما أطلقوا عليه هذا الاسم قبل علمهم بها دل على أن هذه الصيغة أمر من غير إرادة.
فإن قيل: إنما قلنا إذا قال السيد لعبده: افعل أمرًا لقرينة «عادات» الناس، فإن العادة جارية بأن يقول السيد لعبده: افعل الأمر، هو يريده.
قيل: عادات الناس منقسمة، منهم من يأمره بأمر ويريده، ومنهم من يأمره (بأمر) ولا يريده، ولهذا يأمر عبده ويكرهه إذا كان قصده أن يعرف أصدقاءه عصيان العبد له، ليسقط لومهم له في ضربه، فدل على بطلان ما ذكرتم.
[ ١ / ١٢٨ ]
١٥٣ - وأيضًا فإن أهل اللغة حدوا الأمر بقول القائل "افعل" مع الرتبة ولم يشترطوا الإرادة، مع أنهم اشترطوا الرتبة، فلو كانت شرطًا لم يخلوا بذكرها، فدل على أن الصيغة تكون أمرًا من غير إرادة.
١٥٤ - وأيضًا: فإنه قد يحسن أن يقول الرجل لعبده: أمرتك بكذا ولم أرده، ولو كان من شرط الأمر الإرادة لما حسن ذلك، كمنا لا يحسن أن يقول الرجل لعبده: أردت منك كذا وكذا ولم أرده، بل عدوه تناقضًا.
وأيضًا فإنا نجد أمرًا من غير مريد وهو المكره فدل على أن الأمر قد ينفك عن الإرادة.
١٥٥ - احتجوا بأشياء منها:
أن صيغة الأمر ترد والمراد بها الأمر كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾.
وترد والمراد بها التهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾.
وترد والمراد بها التعجيز كقوله تعالى: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾.
[ ١ / ١٢٩ ]
وترد والمراد بها التكوين كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
وترد والمراد بها الهوان كقوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
وترد والمراد بها الإباحة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.
وإنما ينفصل الأمر منها مما ليس بأمر ١٨ ب/ بالإرادة فدل على كونها شرطًا.
الجواب: (أنا) لا نسلم أن الأمر تميز عما ليس بأمر بالإرادة، وإنما ينفصل الأمر عما ليس بأمر بالاستدعاء كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمر.
فأما بقية الصيغ فليس باستدعاء فلم يكن أمرًا، وإذا تميز الأمر بما ذكرنا بطل احتجاجهم.
وعلى أن الصيغة في تلك المواضع عدلنا عنها لقرينة كما عدلنا عن أسماء الحقائق في الأسد والحمار إلى المجاز في الرجل الشجاع والبليد لقرينة، والخلاف في الصيغة المتجردة عن القرائن لأمر.
[ ١ / ١٣٠ ]
١٥٦ - احتجوا بأن العرب لا يفرقون بين قولهم افعل كذا، وبين قولهم أريد منك كذا.
الجواب: أنا لا نسلم فإن قوله "أريد" إخبار عن إرادته. وليس باستدعاء ولهذا يدخله التصديق والتكذيب، وقولهم "افعل كذا" استدعاء. ولهذا لا يدخله التصديق والتكذيب فافترقا. ولأنهم لو لم يفرقوا لما أنكروا قول القائل لعبده: أريد منك كذا ولست أريده، وعدوه تناقضًا وقبحًا، ولم ينكروا قول القائل لعبده: افعل كذا ولست أريده.
١٥٧ - احتج بأن النهي إنما يكون نهيًا لعلمنا أن الناهي يكرهه. وكذا يقتضي إنما يكون الأمر أمرًا لكون الآمر يريد.
الجواب: أنا لا نسلم، ونقول النهي إنما كان نهيًا للزجر عن الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، ولا فرق بينه وبين الأمر.
١٥٨ - احتجوا بأنه لا يخلو إما أن تجعلوا لفظة "افعل" أمرًا لصيغة فيبطل ذلك بلفظ التهديد وغيره (أو) تجعلوها أمرًا لقيام الدليل على أنه «لا» يراد بها التهديد والتعجيز وما أشبه ذلك فيبطل بكلام الساهي والغائب: (و) قد قام الدليل على أنه لم يرد هذه الأشياء وليس هذه الصيغة في حقه أمرًا، فإذا بطل هذا ثبت أن المتكلم بهذه الصيغة على غير وجه السهو/ غرضه بإيرادها إيقاع المأمور به، وهذا هو نفس الإرادة. فقد تم ما ذكرناه.
[ ١ / ١٣١ ]
الجواب: أنا نجعلها أمرًا لكونها استدعاء (لفعل متجردة) على وجه الاستعلاء لا للإرادة (ثم نقول) إذا جاءت متجردة اكتفينا في الحكم عليها بأنها أمر وإنما يحتاج من استعملها في غير الأمر إلى دليل (ويخرج على هذا الساهي والغائب وإن وجدت منه هذه الصيغة إلا أنه ليس على وجه الاستعلاء فلهذا لا يكون أمرًا).
وجواب آخر يجوز أن يقول إنها تكون أمرًا (لإرادة) المتلفظ بها (أن تكون أمرًا) كما قالت المعتزلة أن الخبر إنما يكون خبرًا لإرادة المتكلم به أن يكون خبرًا، فما أنكرتم أن يكون في الأمر مثله.
فإن قيل: فيجب أن تكون الصيغة أمرًا إن كره المأمور به وذلك باطل بالتهديد.
قلنا: إنما لم يكن التهديد أمرًا لأنها غير متجردة (عن القرائن).
وجواب ثالث: لو كان الأمر إنما يكون أمرًا إذا أراد الآمر الفعل لما جاز أن يستدل بالأمر على الإرادة لأنه لا (يُعْلَمُ أمر) قبل العلم بالإرادة.
[ ١ / ١٣٢ ]
جواب رابع: أنا لا نسلم أن الآمر يريد إيقاع المأمور (به) فقط (بل) قد يريده وقد لا (يريد ذلك، وقد) بينا ذلك في أدلتنا.
فإن قيل: لو لم يكن من شرطه الإرادة لصح الأمر من البهيمة.
قيل: إنما لم يصح منها لعدم النطق (والتمييز) لأن الأمر استدعاء (الفعل) بالقول وقد عدم (في حقها) ولهذا المجنون (يريد ولا يصح منه الأمر لعدم ذلك).
١٥٩ - مسألة: (للأمر صيغة موضوعة في اللغة
[ ١ / ١٣٣ ]