[ ١ / ١٣٩ ]
عليه أحمد في رواية "إسحق بن إبراهيم" فقال: «الأمر من النبي ﷺ سوى الفعل، لأن النبي ﷺ قد يفعل الشيء على جهة الفضل، ولأن النبي ﷺ قد يفعل الشيء وهو له خاصة، وإذا أمر بالشيء فهو للمسلمين عامة وأمره توكيد».
وقال بعض الشافعية: الأمر حقيقة في الفعل كما هو حقيقة في القول.
١٧٠ - لنا أنه لو كان (الفعل) حقيقة في الأمر لا طرد فيه فكان يسمى: الأكل والشرب والنوم أمرًا.
[ ١ / ١٤٠ ]
فإن قيل: أليس قد يقال في الأكل الكثير هذا أمر عظيم؟
قلنا: إنما يقال فيه ذلك من حيث هو شيء لا من حيث هو فعل، ولهذا لا يقال في الأكل القليل إنه أمر قليل، وإنما يقال في ذلك هذا أمر من الأمور كما يقال فيما ليس بفعل، وكما يقال ذلك في (كل) ما لا يعقل من الحيوان وإن لم يتصور منه الأمر وإنما يراد به (أنه) شيء من الأشياء وأمر من الأمور.
فإن (قيل: اسم الأمر إنما يقع على جملة ما وجد من الأفعال فلا يلزم أن يطرد في آحادها لأنا لم نجعله عبارة عن آحادها).
قلنا: مذهبكم أن اسم الأمر عبارة عن آحاد الأفعال، ولهذا تستدلون بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ والمراد به كل فعل من أفعاله.
ثم قوله هو عبارة عن جملة الأفعال غلط، لأنه لا طريق لنا إلى العلم بأن جملة الأفعال وحدها يقع عليها هذا الاسم إلا قول القائل أمر فلان مستقيم، وهذا يدخل فيه جميع شأنه وطرائقه من (أقواله وأفعاله ولهذا سمي) أمرًا.
[ ١ / ١٤١ ]
١٧١ - وأيضًا فإن أهل اللغة حدوا الأمر بأنه الاستدعاء بالقول على وجه الاستعلاء، فإذا نقل إلى الفعل احتاج دليل، ولأنه كان يجب أن يقال في فاعل الفعل إنه (أمر بذلك الفعل وأنه) يلزم الفعل الطاعة والمعصية كالقول.
١٧٢ - وأيضًا فإنه لو تناول (الأمر الفعل) حقيقة لَوَجَب أن يشتق منه لفاعله اسم آمر، وأن يتصرف في الفعل كما يتصرف في القول، فيقال أمر يأمر أمرًا، (ولا يقال لمن صلى وصام أنه أمر).
وأيضًا: فإنه كان ٢٠ أ/ يجب أن يقال لفاعل الفعل إنه آمر فلما لم يشتق له اسم آمر بل صح نفيه دلّ على أنه (ليس بأمر حقيقة).
١٧٣ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾، (والمراد به فعله).
(قلنا): المراد به قوله ولهذا قال: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ والاتباع إنما يكون في القول.
[ ١ / ١٤٢ ]
١٧٤ - احتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾.
الجواب: أنه لم يرد بذلك (أن) فعله كلمح بالبصر، وإنما المراد بذلك أن من صفته وشأنه (أنه) إذا أراد شيئًا قال له كن (فيقع منه كلمح البصر) في السرعة.
١٧٥ - احتج بأن قال: الأمر قد استعمل في الفعل كما استعمل في القول بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ وقال الشاعر:
فقلت لها أمري إلى الله كله وإني إليه في الإياب لراغب
والمراد بذلك كله الفعل.
(الجواب أنا لا نسلم بل المراد بهذه الألفاظ قوله ولهذا قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
[ ١ / ١٤٣ ]
وأما فعله فكلا).
(لا على أن) هذه الألفاظ جميعها (المراد) بها شأنه وحاله من القول والفعل وغيره (فعبر عنها بالأمور) لأجل القول، والفعل تبعًا، ثم إنه استعمل في هذه المواضع كلها مجازًا كما استعمل اسم الحمار في الرجل البليد، واسم الأسد في الرجل الشجاع، وكما يقال جاء المطر والحر والبرد، قال تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾.
وقال الشاعر:
وقالت له العينان سمعًا وطاعةً
(والدليل على أنه مجاز أنه يحسن نفيه، فمن فعل يقال لم يأمر وإنما فعل.
١٧٦ - احتج بأن أهل اللغة فرقوا بين جمع أمر الأقوال، وبين جمع أمر الأفعال، فجعلوا أمر الأقوال أوامر، وجمع أمر الأفعال أمورًا، والجمع أحد أدلة الحقائق فلم أسقطتم؟
[ ١ / ١٤٤ ]
الجواب: أنا لا نسلم أن كلا القسمين يجمعهما لفظة واحدة وهو قوله أمور فلان مستقيمة، وأما لفظة أوامر فهي جمع «آمرة»، على أنه لو استعمل لكل واحد منهما لفظة إنما هو مجاز، كما يقال: كل أمور فلان وكل أمره، أوامره مستقيمة).