[ ١ / ١٤٥ ]
صالح: إذا صلى خلف الصف «وحده أرى أن» يعيد الصلاة، (لأن النبي ﷺ رأى رجلًا صلى خلف الصف فأمره بإعادة الصلاة).
(وقد قال) في رواية مهنا وقد ذكر له قول مالك (في) الكلب يلغ في الإناء: "لا بأس به". فقال:
[ ١ / ١٤٦ ]
ما أقبح هذا من قولةٍ، قال رسول الله ﷺ "يغسل سؤر الكلب سبع مرات".
وقالت الأشعرية: إذا ثبت كون الصيغة للاستدعاء، وجب التوقف حتى يدل الدليل على ما أريد بها.
وقال جماعة من المعتزلة وبعض الشافعية: حقيقة الأمر تقتضي الندب وقد أومأ إليه أحمد رحمة الله عليه فقال في رواية علي بن سعيد: ما أمر به النبي ﷺ فهو عندي أسهل مما نهى (عنه).
وهذا يدل على أن إطلاق الأمر يقتضي الندب وإطلاق النهي يقتضي التحريم.
وقال قوم: هي حقيقة في ٢٠ ب/ الإباحة.
[ ١ / ١٤٧ ]
١٧٨ - لنا أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ﴾ فسارعوا إلى ذلك وامتنع إبليس، فوبخه وعاقبه وأهبطه من الجنة فدل على أن مقتضى الأمر الوجوب.
فإن قيل: يحتمل أن يكون اقترن بذلك قرينة دلت على الوجوب مثل أن أمره بلغة أخرى الأمر فيها يقتضي الوجوب، أو عاقبه لأجل استكباره.
قلنا: الظاهر يقتضي تعلق التوبيخ بمجرد (المخالفة لأمر) من غير قرينة، ألا (تراه قال: إذ) أمرتك ولم يذكر قرينة (أخرى) وقال: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ" وهذا أمر مطلق لا قرينة معه فدل على أن التوبيخ (تعلق بالمخالفة).
وأما استكباره فهو لأجل إخلاله بالسجود وتركه للأمر.
فإن قيل: إبليس لم يكن من الملائكة فلا يدخل تحت الأمر بالسجود، فدل على أن توبيخه لمعنى آخر.
[ ١ / ١٤٨ ]
قيل: إن ابن عباس قال: "كان إبليس من أشراف الملائكة، وكان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان من خزان الجنة". فسمي جنيًا كما يقال للمكي والمدني مكي ومدني.
ثم إن هذا خطأ لأن الله ﵎ وبخه على ترك السجود فقال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ وغير ذلك من القرآن، فدل على أن (الذم تعلق بتركه) السجود.
١٧٩ - وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ فذمهم على تركهم فعل ما قيل لهم افعلوا، ولو كان الأمر يفيد الندب لم يذمهم، كما لا يذم من رخص له في الترك.
١٨٠ - وأيضًا قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ
[ ١ / ١٤٩ ]
أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والمراد بالآية أمر نبيه (لأنه) قال في أول الآية: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فحث بذلك على الرجوع إلى أقواله ثم عقب بقوله: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) فدل على أن (هاء) الكناية راجعة إليه، وقيل إن هاء الكناية في أمره، (راجعة إلى الله تعالى). وأيهما كان فقد حذر من مخالفته وتوعد عليه، وهذا يدل على وجوب فعل ما أمر به.
فإن قيل: مخالفة (أمره) هو الإقدام على ما يحظره أمره ويمنع منه فيجب أن تثبتوا أن الإخلال بالمأمور به يحظره أمره حتى يدخل في الآية ويدل على أن الأمر يقتضي الوجوب.
قلنا: لا نسلم أن مخالفة أمره هو الإقدام على ما يحظره، بل مخالفة أمره هو الإخلال بمأموره لأن المخالفة ضد الموافقة، وموافقة القول هو فعل ما يطابقه، ألا ترى أن موافقة قول القائل افعل هو أن يفعل، فيجب أن تكون مخالفته هو أن لا يفعل.
فإن قيل: لو كان الإخلال بالمأمور (به) مخالفة لأمر الله
[ ١ / ١٥٠ ]
تعالى، لكنا إذا لم نفعل النوافل المأمور بها، مخالفين لأمر الله ﷾ وهذا غلط.
قلنا: إنما لم نكن مخالفين (بترك) النافلة لقرينة وهي أن في تقدير أمره بالنافلة الأولى أن يفعلوا، ويجوز أن لا يفعلوا، وهذه زيادة لا ينبئ عنها صريح الأمر، وهو قوله "افعل" ولهذا لم نكن بتركها مخالفين.
فإن قيل: قد علمنا أن من قال (إن) ظاهر الأمر الندب لا يلزمه الوعيد، فعلمنا أن المراد بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ معناه الذين يردون أمره ويتهمونه.
قلنا: لا نسلم، بل يلحقه الوعيد إذ لم يعتقد أنه واجب أو ندب، (فقد) توجه الوعيد في الجملة، وعلى أن عندنا (أن) من قال الأمر على الندب مخطئ، وكل ما كان خطأ فإنه يجوز أن يكون من الكبائر، وكل ما جاز أن يكون من الكبائر لا يؤمن لحوق العذاب بفاعله، فإذًا قد توجه الوعيد إليه.
ثم (إنا نقول إنما) يلحق الوعيد من قال بالندب لأن هذه
[ ١ / ١٥١ ]
المسألة من مسائل الاجتهاد التي يسوغ الخلاف فيها، والوعيد فيها دليل على إثبات حكمها وإن لم يلحق مخالفة كقوله ﵇: "والزانية هي التي تنكح نفسها بغير إذن وليها".
وكقول عائشة ﵂ في زيد بن أرقم: "أخبريه
[ ١ / ١٥٢ ]
أنه قد أبطل جهاده ٢١ أ/ ونحوه من المسائل.
فأما الرد عليه فليس هو مخالفة لأمره، لأن الأمر لا يدل على أنه غير متهم في أقواله، بل العلم بذلك سابق للاستدلال بأمره، فثبت أن (مخالفة أمره) هو ترك (فعل) ما أمر به، والرد عليه وترك الثقة به هو المخالفة للدليل الموجب لاعتقاده الثقة (به).
١٨١ - وأيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (فأخبر أنه إذا قضى أمرًا لم يكن لأحد أن يتخير فيه وجعل عصيانه ضلالًا)، وفي ذلك وجوب المصير إليه.
فإن قيل: إنما ورد هذا في القضاء والقضاء هو الإلزام وذلك واجب.
[ ١ / ١٥٣ ]
قلنا: سبب نزول هذه الآية فيما (ذكر أن) النبي ﷺ أمر قومًا أن يزوجوا زيد بن حارثة فأبوا فنزلت هذه الآية، وهذا يدل على أنه أراد صريح الأمر، ثم لو كان القضاء بمعنى الإلزام لما قيل إن الله تعالى قد قضى بالطاعات كلها لأن النوافل ما ألزمها، ولأن القضاء دون مرتبة الأمر لأنه لا صيغة له، فإذا كان لازمًا، فأولى أن يكون الأمر لازمًا.
١٨٢ - وأيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فأوجب التسليم لما قضاه، والقضاء هو الأمر.
١٨٣ - وأيضًا (ما) روي عن النبي ﷺ (أنه) دعا أبا سعيد الخدري وهو في الصلاة فلم يجبه فقال
[ ١ / ١٥٤ ]
(له) ما منعك أن تجيب وقد سمعت الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ فلامه على تركه الإجابة بعد أمر الله تعالى بها، فدل على أن الأمر على الوجوب.
فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يلمه ولكنه أراد أن يبين له (أنه) لا تقبح الاستجابة للنبي ﷺ وأن دعاءه يخالف دعاء غيره.
قيل: الظاهر من قوله ﷺ يقتضي لزوم الإجابة، وهو في معنى الإخبار عن نفي العذر وذلك يدل على أن الأمر على الوجوب.
١٨٤ - وأيضًا قول النبي ﷺ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة". ولو كان الأمر بالشيء
[ ١ / ١٥٥ ]
لا يقتضي إلا كونه ندبًا لم يكن (لهذا) الكلام فائدة لأن السواك قد كان ندبًا (قبل هذا الكلام).
فإن قيل: المراد بهذا الكلام لأمرتهم (بقرينة) على وجه يقتضي الوجوب، وليس يمنع أن يقتضي الوجوب بدلالة.
قلنا: الظاهر من قوله لأمرتهم أنه (يأمرهم) أمرًا متجردًا عن القرائن.
١٨٥ - وأيضًا قوله ﵇ لبريرة: "لو راجعته فإنه أبو ولدك. فقالت: أبأمرك؟ فقال: لا. إنما أنا شافع" ومعلوم أن مقتضى شفاعته مستحب. فلما تبرأ من الأمر وفرق بينه وبين الشفاعة دلّ على أنه لو أمر اقتضى الوجوب.
فإن قيل: هذا يدل على أوامر الله ورسوله وكلامنا في مقتضى اللفظ في اللغة.
[ ١ / ١٥٦ ]
قلنا: القصد بهذه المسألة أوامر الله سبحانه، وأوامر رسوله ﷺ.
وإذا ثبت أن أمرهما يقتضي الوجوب حصل المقصود، ثم (هذا رجوع عن) مسألة الخلاف لأن عندكم أن صيغة الأمر لا تقتضي الوجوب بوجه.
١٨٦ - وأيضًا فإن الأمة (اجتمعت) على وجوب طاعة الله ورسوله وامتثال أوامرهما وذلك (إنما) .. يحصل بالفعل.
١٨٧ - وأيضًا فإن الصحابة ﵃ (كانوا يسمعون) الأمر من الكتاب (والسنة فيحملونه) على الوجوب، ولهذا لم يكونوا يسألون النبي ﷺ عن الأوامر (ما) الذي عني بها، فدل على أنها (كانت) تحمل الأوامر على
[ ١ / ١٥٧ ]
الوجوب. كما دل رجوعها إلى أخبار الآحاد في الأحكام على أنها اعتقدت كونها حجة، ألا ترى (أن إيجاب أخذ) الجزية من المجوس برواية عبد الرحمن بن عوف: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وإيجابهم غسل الإناء من ولوغ الكلب برواية أبي هريرة وأوجبوا إعادة الصلاة عند ذكرها بقوله ﵇: "فليصلها إذا ذكرها" إلى غير ذلك.
وأيضًا فإن أبا بكر الصديق ﵁ استدل على وجوب الزكاة على أهل الردة بقوله تعالى: ﴿وَآَتَوُا الزَّكَاةَ﴾ ولم ينكر عليه أحد هذا الاستدلال مع مخالفة أكثرهم (له) في الرأي ٢١ ب/ (فدل) على أن الإجماع انعقد أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب.
فإن قيل: يحتمل أن يكونوا رجعوا في هذه المواضع إلى قرينة دلت على الوجوب، ولم يرجعوا إلى مجرد الصيغة.
قلنا: الظاهر عنهم الاحتجاج بنفس الألفاظ والرجوع إلى
[ ١ / ١٥٨ ]
صيغتها (لا) إلى قرينة، (ثم) إن صح هذا التأويل (لكم) لصح لقائل أن يقول: (إن أسماء) الأشخاص لا (تفيد) مسمياتها بأنفسها، وكذلك سائر (ألفاظ) اللغة مثل أوجبت وألزمت وفرضت لا تدل على الوجوب إلا بقرينة. وهذا خطأ من قائله، لأن القرينة لا يجوز أن تكون ملازمة لكل أمر ورد من الله ﷾ ومن رسوله لأنه يفضي إلى أنه لم يحصل أمر متجرد بحال.
وإذا بطل هذا قلنا لو لم يفد الأمر الوجوب لحصل من الصحابة سؤال عن مقتضى الأمر في حال من الأحوال، فلما لم ينقل عنهم (ذلك) دل على أنهم عقلوا من أمره الوجوب.
ثم لو صح ما (قلتم) لكان نقل القرينة أولى من نقل لفظ الأمر، لأن في تركها تضييع الشريعة. وغير جائز أن يطلق على الصحابة (مثل) هذا.
[ ١ / ١٥٩ ]
١٨٨ - وأيضًا فإن حقيقة (لفظة) افعل تقتضي أن يفعل المأمور الفعل (لا محالة وهذا هو معنى الوجوب).
(فإن قيل: لم إذا كانت لفظة "افعل" تقتضي الوجوب أو أن تفعل المأمور)، اقتضت وجوب فعله لا محالة؟
قلنا: لأن لا يفعل المأمور الفعل هو نقبض أن يفعل واللفظة إذا وضعت لشيء فإنها تمنع من نقيضه، ألا ترى أن قول القائل: "زيد في الدار" لما أفاد حصوله فيها منع من نقيضه وهو أن لا يكون فيها، ولم يجز أن يكون قوله "زيد في الدار" معناه الأولى أن يكون فيها، كذلك لفظة "افعل". وهذا هو الوجوب.
١٨٩ - وأيضًا فإن لفظة "افعل" تمنع من الإخلال بالفعل بدليل أن أهل اللغة يقولون "أمرتك فعصيتني" وقلت لك افعل فعصيتني قال تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾.
وقال الشاعر:
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادمًا
[ ١ / ١٦٠ ]
فعقبوا المعصية على الأمر بلفظ الفاء، فدل على أن المعصية إنما لزمت المأمور لأجل إخلاله بما أمر به، وهذا يدل على أن لفظة الأمر على الوجوب، وإلا لم نكن بمخالفته عاصين.
(فإن قيل: فَلَعَلَّهُ أمر أمرًا اقترنت به قرينة تدل على الوجوب).
(قيل: هذا سواء لكم، وعلى أنه لو كانت قرينة لنقلت).
١٩٠ - وأيضًا فإن العبد إذا لم يفعل ما أمر به سيده، (اتفق العقلاء) من أهل اللغة (في تعليل حسن ذمه) على أن يقولوا أمره سيده بكذا (وكذا فلم يفعل، فدل على أنه بترك أمره (ترك) الواجب.
[ ١ / ١٦١ ]
(فإن قيل: إنما ذموه لأنهم علموا من سيده أنه كان منه ترك ما أمر به).
(قلنا: اقتصارهم على ما حكيناه من التعليل دليل على أنه استحق الذم لما ذكرنا من العلة لا غير).
فإن قيل: إنما ذموه لأجل إخلاله بما أمره به سيده، لأن الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيده وامتثال أمره (وأنه لا يأمره إلا بما فيه منفعته ودفع مضرة عنه، والعبد يلزمه إيصال المنافع إلى سيده ودفع المضار عنه).
قلنا: الشريعة إنما ألزمت (العبد) طاعة سيده وإيصال المنافع إليه (إذا أوجبه عليه لأنه لا يأمره إلا بما فيه منفعة ودفع مضرة عنه والعبد يلزمه إيصال المنافع إلى سيده) ودفع المضار عنه.
«وإذا» أوجب السيد عليه ذلك (بلفظ يقتضي الوجوب) (ولم يلزمه، لأن السيد لم يلزمه إياه)، ألا ترى أنه لو قال له الأولى أن تفعل كذا (وكذا ولك) أن لا تفعله لما ألزمته
[ ١ / ١٦٢ ]
الشريعة فعله، والأمر عند (المخالف) يجري مجرى هذا القول فيجب أن لا يجب به على العبد شيء.
١٩١ - وأيضًا فإن قول القائل "افعل" (لا يخلو) إما أن يقتضي افعل لا محالة، وإما أن يقتضي المنع من الفعل، وإما أن يقتضي التوقف، وإما أن يقتضي (الأمر) (التخيير بينه وبين الإخلال، ومن المحال أن يكون قله "افعل" معناه لا تفعل لأنه) نقيض فائدة (اللفظ)، أو يكون معناه التوقف ٢٢ أ/ لأن قوله "افعل" بعث على الفعل فهو نقيض التوقف، ولا يجوز أن يقتضي التخيير لأنه ليس للتخيير ذكر في اللفظ، وإنما اللفظ يتعلق بالفعل دون تركه، فثبت أن قوله "افعل" يقتضي أن يفعل لا محالة.
١٩٢ - وأيضًا فإن الإيجاب معقول لأن أهل اللغة تمسهم الحاجة إلى العبارة عنه، فلو لم يفده الأمر لم يكن له لفظ.
فإن قيل: قد أفاده قوله (قد) ألزمت وأوجبت وفرضت.
قلنا: هذا إخبار ولهذا يدخله الصدق والكذب، والإيجاب ينبغي أن يعبر عنه بلفظ لا يدخله ذلك.
[ ١ / ١٦٣ ]
١٩٣ - وأيضًا فإن النهي يقتضي ترك المنهي عنه على سبيل الوجوب، فكذلك الأمر يجب أن يقتضي فعل المأمور به على سبيل الوجوب لأن كل واحد منهما أمر إلا أن أحدهما أمر بالفعل والآخر أمر بالترك.
فإن قيل: النهي عندنا لا يقتضي (وجوب) ترك (المنهي عنه) بنفسه، وإنما يقتضي (النهي) (الترك) لكراهة (الناهي) (المنهي) عنه وكراهة الحكم تقتضي (قبح) ما ذكره فوجب تركه، فأما الأمر فإنه يقتضي) الإرادة، (وإرادة الحكم) تقتضي حسن المأمور به، والحسن قد يكون واجبًا وقد يكون ندبًا فلم يجب فعله، (بل يحمل على أول مرتبة الأمر وهي الإباحة).
قلنا: لا نسلم (هذا) لأن الحكيم قد يكره الشيء وينهى عنه كراهة تنزيه، وهو أن يكون تركه أولى من فعله ولا يكون قبيحًا كنهيه عن الفرقعة والالتفات (ولف الشعر والثوب) في الصلاة، (والقرآن بين التمرتين) وغير ذلك.
[ ١ / ١٦٤ ]
(والمراد به التنزيه، وقد ينهى عما هو قبيح كنهيه عن الزنا والسرقة وغير ذلك، فصار) بمنزلة ما ذكروه من صيغة الأمر، فلما عدلوا في النهي عن التنزيه إلى التحريم يجب أن يعدلوا في الأمر من الندب إلى (الوجوب) ولأنه إن اقتضى النهي التحريم كما ذكروه وجب أن يقتضي الأمر الوجوب لأنه ما من أمر إلا وهو يتضمن نهيًا عن ضده، والنهي عن ضده يقتضي قبحه عندهم لأن الحكيم لا ينهى إلا عن القبيح: ولا يمكن تركه إلا بفعل المأمور به فوجب أن يكون مقتضى الأمر الوجوب.
١٩٤ - وأيضًا فإن الأمر إذا حمل على الوجوب كان أحوط، لأنه لا يخلو (أن يكون المأمور به) واجبًا أو ندبًا، فإن كان ندبًا لم يضرنا فعله بل ينفعنا، وإن كان واجبًا أمنا الضرر بفعله، وإذا حملنا على الندب لم نأمن أن يكون واجبًا فنستضر بتركه، فدل على أن (فعل) الأحوط واجب.
فإن قيل: إذا حملتم المأمور (به) على الوجوب وكان ندبًا كان ذلك جهلًا وتكون نية الوجوب قبيحة.
قلنا: هذا غير صحيح، لأن الواجب إذا أشكل وجب
[ ١ / ١٦٥ ]
الاحتياط، كما نقول فيمن نسي صلاة لا يعرف عينها فإنه يصلي خمس صلوات، ومعلوم أنه يعتقد في كل واحدة منها الوجوب، وليس جميعها واجبة ولكن للاحتياط.
(ولهذا المعنى وهو إذا حملناه على الوجوب فنيته تشتمل على الاستحباب والإباحة، وإذا حمل على الندب لم تشتمل نيته على الوجوب) ولهذا قال ﷺ: "دع ما يريبك إلا ما لا يريبك" فأمر بالاحتياط.
وأيضًا فإن الوجوب أعم فوائد الأمر لأنه يدخل تحته الحسن (وهو) يتضمن الوجوب والندب فوجب حمله (على) أتم فوائده قياسًا على العموم والظاهر.
١٩٥ - واحتج من قال بالوقف بأشياء منها:
(أن) هذه الصيغة ترد والمراد بها الإيجاب.
(وترد المراد بها الاستحباب،
وترد والمراد بها التهديد،
وترد والمراد بها الإباحة).
[ ١ / ١٦٦ ]
وليس حملها على أحد هذه الوجوه بأولى من حملها على (الوجه) الآخر، فوجب التوقف فيها كاللون والعين.
والجواب: (أنا نقول لا نسلم أنها إذا وردت مجردة) تحتمل غير الوجوب (بحال)، وإنما تتحمل على غير (وجه) الوجوب بقرينة (أو دليل).
ثم هذا يبطل بقوله ٢٢ ب/ أوجب وفرضت، فإنه قد استعمل في غير الوجوب، وهو قوله ﷺ: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم"، وقوله: "المضمضة والاستنشاق فريضتان في الجنابة ثلاثًا".
ثم إطلاقه يحمل على الوجوب، ويبطل بأسماء الحقائق أيضًا (بالأسد والجواد والحمار) فإنها تقع على البهيمة وعلى الرجل، ثم هو حقيقة في البهيمة بإطلاقه.
[ ١ / ١٦٧ ]
١٩٦ - ومنها أن استعمال هذا اللفظ في الندب والإباحة أكثر من استعماله في الوجوب، ولا يجوز أن يكون موضوعًا للوجوب ويستعمل في غيره أكثر.
قلنا: لا نسلم هذا، بل استعماله في الوجوب أكثر، ثم إن صح هذا فقولوا إنه في الندب والإباحة حقيقة ولا تقفوا، وعلى أنه لا يمتنع أن يكون حقيقة في شيء ويستعمل في غيره أكثر، ألا ترى أن الوطء حقيقة في الدرس واستعماله في الجماع أكثر، والرواية حقيقة في الجمل الذي يحمل المزادة واستعماله في المزادة أكثر، والغائط (حقيقة) في المطمئن من الأرض واستعماله في النجو أكثر.
١٩٧ - ومنها أن قالوا: لو كانت حقيقة في الوجوب لم يختلف باختلاف المخاطبين من الأعلى والأدنى (ولم يحسن) فيها الاستفهام بأن يقول: أمرتني إلزامًا أو ندبًا؟
قلنا: إنما اختلف لقرينة، لأن أهل اللغة أجمعوا على أن قول (العبد لربه) افعل مسألة وطلب. وقول السيد لعبده (فعل) أمر.
وأما الاستفهام فإنه لا يحسن إذا تعرى (اللفظ) عن
[ ١ / ١٦٨ ]
قرينة، ثم يبطل بقوله: رأيت بحرًا وأسدًا فإنه يحسن استفهامه بأن يقول: رأيت آدميًا بهذه الصفة أم تريد به البهيمة. واجتماع المياه؟ (وهو) حقيقة في غير الآدمي.
١٩٨ - ومنها ما ذكروه في (مسألة) الأمر هل لها صيغة في اللغة أم لا من التقسيم؟
(قلنا: سبق جوابه) هناك.
١٩٩ - ومنها أن اللفظة الواحدة لا يجوز أن تحتمل شيئين مختلفين وقد أوجبتم بهذه الصيغة الفعل والعقاب على الترك.
قلنا: يبطل بلفظة أوجبت وألزمت، ثم اللفظة لم توجب إلا الفعل (وترك) الفعل) هو الذي أوجب العقاب.
٢٠٠ - احتج من قال: (إن) الأمر حقيقة في الندب بأشياء منها: أن الأمر من الحكيم يقتضي حسن المأمور به، وحسنه لا يقتضي وجوبه، بدليل النوافل والمباحات فإنها حسنة وليست واجبة، فصار الوجوب صفة زائدة على حسن الشيء، فحملناه على أقل ما يقتضيه الأمر ولم نحمله على الزيادة.
قلنا: ما ادعينا أن حسنه يدل على الإيجاب لكن الأمر يقتضي الوجوب، والحسن تبع الإيجاب، لأن كل واجب حسن، فلو كان
[ ١ / ١٦٩ ]
شيء (حسن ليس بواجب لم ينقض ما قلناه)، وما هذا إلا بمنزلة من ادعى أن قوله أوجبت وألزمت أنه يقتضي حسن الفعل ولا يقتضي الوجوب.
ثم يبطل هذا بالنهي فإنه يدل من الحكيم على كراهة المنهي عنه، وقد يكره كراهة تنزيه، ثم لم يحمل على كراهة التنزيه لأنها أقل ما يقتضيها النهي بل حملها على التحريم وهي صفة زائدة على (زعمه).
وعلى أن الأمر إن كان يقتضي حسن المأمور (به) (فإنه) يقتضي قبح ضده ولا يمكنه ترك ضده إلا بفعل المأمور به فاقتضى أن يكون واجبًا.
٢٠١ - ومنها أنه لو كان هذا اللفظ يقتضي الوجوب لما حسن من العبد مع سيده، والولد مع والده كلفظ ألزمت وأوجبت، فلما رأينا الجميع يتخاطبون بينهم بذلك دلّ على أنه لا يقتضي الوجوب.
(قلنا إنما يلزم) ذلك أن لو كان لا يستعمل هذا اللفظ في غير الوجوب (كأوجبت وألزمت، وأما) وقد تستعمل في غيره فمتى ورد من العبد أو الابن صرفته (العرب) عن الوجوب إلى محمله، وهذا غير ممتنع كالأسماء المشتركة.
[ ١ / ١٧٠ ]
ثم إن هذا يبطل بلفظ النهي فإن الجميع يتخاطبون به ثم هو على الوجوب وعلى أن ٢٣ أ/ تجويز الخطاب لا يخرج اللفظ عن حقيقته، ألا ترى أنهم يقولون للسخي: يا جواد، وللبليد: يا حمار، فلا يخرج (ذلك) عن الحقيقة.
٢٠٢ - ومنها أن قالوا ليس في الأمر لفظة الوجوب فلم (تقتضه).
(قلنا: ليس كل ما ليس) فيه لفظ معنى لا يقتضيه، كالندب والوعيد والتهديد، ليس هو في لفظة افعل وهي مقتضية له بقرينة تدل عليه ثم يقال (إنه) ليس في الأمر لفظة الاستحباب فلم تقتضيه أيضًا، ثم لا يمتنع أن لا يكون فيه صريح لفظة أوجبت ويكون لفظ آخر يقتضي الوجوب كقوله: ألزمتك وفرضت عليك، ولأنا قد بينا أن لفظة افعل تقتضي إيجاد الفعل لا محالة وذلك هو الوجوب.
٢٠٣ - ومنها أن قالوا: لا فرق بين قول القائل "افعل" وبين قوله "أريد أن تفعل" عند أهل اللغة بدليل أنهم يستعملون أحدهما في موضع الآخر (ويقيمونه مقامه) فلما لم يفد قوله "أريد" الوجوب، كذا قوله "افعل".
[ ١ / ١٧١ ]
قلنا: لا نسلم هذا لأن قوله "افعل" يفيد أن يفعل لا محالة، وقوله: "أريد أن تفعل" خبر، والخبر غير الأمر بالاتفاق، ثم ليس إقامة أحدهما مقام الآخر في حال مما ٣٨ أ/ يدل على اشتراكهم (كالاشتراك في الحقيقة) كاستعمال) الاسم الحقيقي في المجاز كالحمار «والأسد» (والجواد) لا يدل على الاشتراك في الحقيقة، وأما قوله "أريد" فهو صريح في الإخبار عن كونه مريدًا، وليس بصريح في استدعاء الفعل فضلًا عن أن يكون (مريدًا) إيجاده لا محالة.
ولهذا يدخل التصديق والتكذيب في قوله "أريد" ولا يدخل في قوله "افعل".
٢٠٤ - ومنها أن (يقال بأن) السلطان قد يأمر بالقبيح والحسن، ويوصفان بأنهما مأمور بهما على الحقيقة فلو اقتضى الأمر الوجوب لكان إذا تناول القبيح جعله واجبًا.
قلنا: أمره بالقبيح يجب لولا أن فوقه آمر وامتثال أمره ألزم، وقد نهى الأعلى عن ذلك فغلب نهيه على أمر هذا الأدون فسقط لزوم أمر هذا.
[ ١ / ١٧٢ ]
(والثاني) أنا نغلب فنقول ينبغي إذا تناول القبيح أن نجعله ندبًا أيضًا، ثم هذا يلزم لو قلنا إنما نجعل الفعل واجبًا ولسنا نقول ذلك وإنما نقول إنها موضوعة لاقتضاء الفعل لا محالة والمتكلم بها قد طلب الفعل لا محالة فإذا كان حكيمًا يستحيل عليه المنافع والمضار. علمنا أن الفعل ما يجب أن يفعل لا محالة.
٢٠٥ - ومنها أن قالوا: قد ترد هذه اللفظة دالة على الوجوب بقرينة، فإذا عريت عن القرينة يجب أن لا تقتضي الوجوب.
قلنا: نحن نستفيد كونها على الوجوب (بمجردها) والقرينة دالة على التأكيد كما لو وردت في قوله أوجبت وفرضت وألزمت.
ثم يبطل (هذا) بالنهي يقتضي التحريم بقرينة، ويدل بمجرده على التحريم.
٢٠٦ - ومنها أنه لو كان على الوجوب لم يجز حمله على الندب لأنه (يحتمل) نسخًا له.
قلنا: حمله على الندب حمل على بعض ما تناولته الصيغة، لأن المندوب يدخل في الواجب، فإذا ارتفع بعض الواجب بقي بعضه وهو الندب ولا يكون ذلك نسخًا كالعموم إذا خص بعضه. والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ١٧٣ ]