[ ١ / ٢١٥ ]
أصحاب الشافعي وأبو علي الجبائي، وأبو هاشم أنه لا يقتضي التعجيل. وقد أومأ (إليه) أحمد ﵀ في رواية الأثرم، وكان ابن الباقلاني ينصره، وقال أصحاب
[ ١ / ٢١٦ ]
الأشعري هو على الوقف.
٢٥٩ - (لنا أن لفظ الأمر) يقتضي ذلك، والوجوب المستفاد من الأمر يقتضي ذلك ودليل (السمع) يقتضي ذلك.
أما ما يدل على (أن) لفظ الأمر يقتضي ذلك أن من ضرورة (قوله افعل إيقاع)، الفعل المأمور به (في وقت، فوجب) أن يقع في أقرب الأوقات (إليه) (كعقد البيع) (لما كان الملك فيه ينتقل في وقت انتقل في أقرب الأوقات إلى عقد البيع)، وكذلك الإيقاعات يقع الحكم عقيبها لأنه أقرب الأوقات إليها، كذلك الأمر (يجب أن يقع الفعل في أقرب
[ ١ / ٢١٧ ]
الأوقات إليه وهو عقيب الأمر)، (وهذا لأن كل لفظ اقتضى معنى يجب أن يقع ذلك عقيبه).
فإن قيل: حمل الأمر على البيع والإيقاع قياس، فلو صح لكان الدال على التعجيل غير الأمر.
قلنا: نحن نبين بهذا أن (لفظ الأمر) موضوع للتعجيل، كما أ، لفظ البيع موضوع للملك، ولفظ العتق موضوع للوقوع، فإذا وجد هناك تعقبه الحكم كذلك ههنا.
(وهذا) كما قاس أصحاب التراخي الأمر على الخبر في المستقبل.
فإن قيل: الأمر يقتضي الفعل، والفعل لا يقع إلا في وقت فيجب أن يطلب وقته ما هو؟ فأما الطلاق والعتاق فيفيدان أحكامًا.
قلنا: لا فرق بينهما، فإن الطلاق يفيد تحريمًا وذلك يحتاج إلى وقت، فيجب/٢٨ ب أن ينظر في وقته ما هو، وكذلك العتاق.
فإن قيل: لو لم يفد البيع والإيقاعات أحكامها عقيب وجودها لكان وجودها كعدمها بخلاف الأمر إذا جعل على التراخي.
قلنا: والأمر لو لم يفد الفور لكان وجوده كعدمه.
[ ١ / ٢١٨ ]
فإن قيل: لا يكون لأنه إذا (كان) فعله متراخيًا فقد أفاد ما لم يفد عدمه.
قلنا: كذلك البيع يفيد نقل الملك في وقت ما، فأي وقت اختار نقله كان وجود البيع قد أفاد ما لم يفد عدمه.
فإن قيل: فبم ينقلانه؟
قلنا: بالتسليم، أو بأن يقول كل واحد قد انتقل ملكي إليك.
فإن قيل: (هذا خلاف الإجماع).
قلنا: ثبوت هذا الإجماع يقتضي صحة الأصل الذي قسنا عليه ويؤكده.
فإن قيل: البيع والإيقاع تقتضي أحكامهما على التأبيد، فجرى مجرى النهي. في اقتضاء المنع من الفعل على التأبيد، والأمر يقتضي فعلًا واحدًا فافترقا.
قلنا: كون الحكم فيما إذا وقع دام لا يمنع من أن ينظر في ابتداء وقوعه هل هو معجل أو متأخر، وكون الفعل المستفاد بالأمر واحدًا لا يمنع أن ينظر في وقت لزومه وأن يكون وقت لزومه (في) أول الأوقات.
[ ١ / ٢١٩ ]
٢٦٠ - دليل آخر: أن السيد إذا أمر عبده أن يسقيه الماء فهم منه تعجيل سقيه الماء، واستحسن العقلاء ذمه على تأخير ذلك (وأن يعتذر السيد فيقول: إنما ضربته وذممته لأني أمرته فتوانى) من غير عذر، فعلما أن الأمر يفيد ذلك.
فإن قيل: إنما استفيد ذلك (بقرينة وهو أن) السيد لا يستدعي ماء إلا وهو عطشان فتأخره يضر به، فلذلك اقتضى التعجيل.
قلنا: هذا غلط لأن السيد لا يعلل ضربه وتوبيخه (بذلك) ولا يقول كنت عطشان: وإنما يعلله بأن يقول أمرته بشيء فأخره عني فدل على أن لفظ الأمر يقتضي التعجيل، فلهذا علل به، وأما ما يدل على المستفاد من الأمر فإن الأمر بالشيء نهى عن ضده (والانتهاء عن ضده يقع عقيب الأمر فكذا المأمور به يجب أن يقع عقيب الأمر ولأنه) لا يصير منتهيًا عن ضده إلا بفعل المأمور به على الفور.
فإن قيل: يبطل (بما) إذا قال (افعل) أي وقت شئت فإنه يجوز له التأخير وإن أدى إلى ما ذكرتم.
[ ١ / ٢٢٠ ]
قلنا: إذا قال له أي وقت شئت لا يكون نهيًا عن ضده إلا في وقت تقع مشيئته لفعله، فأما الأمر المطلق بالشيء فإنه يقتضي أن (ينتهي عن) ضده عقيب الأمر (وإلا) (لم يكن ممتثلًا للأمر).
٢٦١ - دليل آخر: الأمر يتضمن الفعل والعزم والاعتقاد، ثم العزم والاعتقاد على الفور، كذلك الفعل.
فإن قيل: إنما كان العزم على (الفور) لا بموجب اللفظ، وإنما كان على الفور، لأن المكلف لا ينفك عن العوم على الفعل أو الترك، والعزم على الترك معصية فبقى العزم على الفعل، فأما الفعل فهو من موجب اللفظ وليس في اللفظ ما يقتضي التعجيل وكذلك الاعتقاد.
قلنا: لا نسلم فإن في (لفظ الأمر) ما يقتضي ذلك (وسنبينه إن شاء الله ولأن الأمر) في معناه ما يوجب التعجيل كما يوجب العزم ولا فرق بينهما، فإن الأمر يقتضي وجوب الفعل، والإيجاب يقتضي الإيجاد فإذا لم يفعل فقد أخل بمقتضى الوجوب.
[ ١ / ٢٢١ ]
جواب آخر: أن في معنى الأمر ما يدل على أنه يجب إيقاع الفعل في أول أوقات الإمكان، بدليل أنه لو أوقعه المكلف (في الوقت الذي يلي الأمر وهو الوقت الأول أجزأه بالإجماع) (وأسقط الفرض عن نفسه بذلك) (فدل على أنه هو المراد، ولأن الفعل مراد من المأمور في الحال بدليل أن فاعله مؤد للواجب بالأمر، فصار كقوله افعله في أول أوقات الإمكان) (فجواز تأخيره نقض لوجوبه وإيجاب لحقوه بالنوافل).
٢٦٢ - دليل آخر: أن الأمر قد اقتضى الوجوب فحمله على وجوب الفعل عقيبه أحوط لأنه تبرأ ذمته مما وجب ولا (يخاطر فيه).
٢٦٤ - (دليل/٢٩ أآخر: أن الأمة اجتمعت على أنه إذا فعل عقيب الأمر سقط عنه الفرض، ولم تجمع على أنه إذا فعله بعد ذلك سقط عنه الفرض فلم (يجز) تأخيره).
[ ١ / ٢٢٢ ]
٢٦٤ - دليل آخر: اجتمعنا على أن الفعل (في) أول الوقت قربة فمن (أثبت قربة في آخر الوقت) فعليه الدليل.
٢٦٥ - دليل آخر: لو قال افعل عاجلًا صح وكان حقيقة، فلو لم يكن التعجيل مقتضى الأمر لكان مجازًا.
٢٦٦ - دليل آخر: أنه استدعاء فعل بقول مطلق فاقتضى التعجيل كالإيجاب يقتضي القبول على الفور.
فإن قيل: ذلك يقتضيه بالشرع لا باللغة.
٢٦٧ - دليل آخر: لو لم يتعلق الأمر بالوقت الأول لتعلق بوقت مجهول، وهذا لا يجوز لأن الحكيم لا يترك الذي يكلفه في حيرة.
٢٦٨ - إذا لم يفعل المأمور به حتى مات لم يخل إما أن لا يعصي بذلك فيخرج الفعل عن أن يكون واجبًا ويلحق بالنوافل أو (أن) يعصي، فلا يخلو إما أن يعصي بعد الموت وهذا لا يجوز قوله لأنه (لا) طريق لنا إلى معرفة المأمور (به) بعد الموت،
[ ١ / ٢٢٣ ]
فلا يجوز تعليق العصيان عليه، أو يعصي إذا غلب على ظنه أنه إذا أخره فاته المأمور به وهذا لا يجوز لأنه (لا) طريق إلى ذلك، ولأنه قد يموت بغتة ويخترم فجأة فلا يجوز أن يكون عاصيًا بذلك، وإذا بطلت هذه الأقسام ثبت أنه عصى حيث أخره عن أول (وقت الإمكان).
فإن قيل: يبطل بقضاء رمضان وتأخير الصلاة إلى آخر الوقت فإن التقسيم موجود ووجوبها على التراخي.
قلنا: كل العبادات وجبت على الفور. بمقتضى الأمر، وإنما الشرع رخص في تأخيرها لأن جبريل ﵇ فعل الصلاة في أول الوقت وآخره، وقال "الوقت ما بين هذين"، ورمضان قالت عائشة: كنا نؤخره فنقضيه في شعبان لأجل النبي ﷺ، (ثم التأخير هناك إلى وقت معين محدود وههنا تجوزون التأخير لا إلى وقت معلوم وهذا لا يجوز لأنه يوقع المكلف في حيرة).
٢٦٩ - دليل آخر: أن الأمر أحد نوعي خطاب التكليف فكان على الفور، دليله النهي.
[ ١ / ٢٢٤ ]
فإن قيل: النهي يتناول الانتهاء في جميع الأوقات على الدوام، وليس كذلك الأمر فإنه لا يقتضي أكثر من وقت واحد، فليس الوقت الأول بأول من الوقت الثاني فكان جميعها سواء.
قلنا: كونه مما يقع على الدوام لا يمنع من أن ينظر في ابتداء وقوعه هل هو معجل أو متأخر، ألا ترى أن البيع بشرط الخيار يقتضي حصول الملك على الدوام، ثم لا يمنع أن ينظر في ابتداء حصول الملك هل هو عقيب العقد أو يتأخر إلى انقضاء الخيار، وأما قولهم إن الأمر لا يقتضي أكثر من وقت واحد فكونه في وقت واحد لا يمنع أن ننظر في وقت لزومه هل هو أول الأوقات أو ثانيها؟
٢٧٠ - دليل آخر: إن المكلف إذا فعل المأمور به عقيب الأمر سقط عنه الفرض وفعل ما وجب عليه، فعلمنا أن الأمر قد تناول ذلك وهذا يمنع من الإخلال به (لأنه بالإخلال) به يفوت إذا كان ما يقع فيما بعد ليس هو ذلك المأمور به (بعينه) وإنما هو مثله لأن أفعال العباد تختص بالأوقات فما يصح أن يوجدوه في وقت لا يصح إيجاده في غيره، فلم يجز أن يفوت/٢٩ ب المكلف ما (علم) أن التكليف قد تناوله.
٢٧١ - دليل آخر: الأمر يتناول الفعل فيقتضي (وجوبه)
[ ١ / ٢٢٥ ]
ولا يتناول اعتقاد وجوب المأمور به (وأجمعنا أنه يجب تعجيل اعتقاد وجوب المأمور به)، فإذا وجب تعجيل (وجوب) اعتقاد وجوب المأمور به مع أن الأمر ما تناوله، فبأن يقتضي وجوب تعجيل المأمور به (أولى وأحرى).
فإن قيل: (لم) زعمتم أنه لما وجب تعجيل اعتقاد وجوب المأمور (به) وجب تعجيل (فعل) المأمور به، وما أنكرتم أن يكون تعجيل وجوب الاعتقاد إنما وجب لدليل آخر.
قلنا: الاعتقاد تابع للمعتقد فإذا (وجب تعجيل) الاعتقاد (وجب تعجيل) المعتقد من طريق الأولى، ألا ترى أن الصفة لما تبعت الموصوف متى ثبتت الصفة لابد أن يثبت الموصوف ضرورة.
٢٧٢ - دليل آخر: (أنه) لو جاز تأخير المأمور به عن الوقت الثاني أدى إلى أقسام كلها باطلة، وما أدى إلى
[ ١ / ٢٢٦ ]
الباطل فهو باطل، بيان ذلك أنه لا يخلو إما أن يجوز تأخيره إلى غاية أو لا إلى غاية، فإن جاز تأخيره إلى غاية لم يخل إما أن يكون غاية معينة بوقت بعينه، لا يؤخره عنه، أو موصوفة بصفة وهو أن يغلب على ظنه أنه إن لم يفعل. فاته (فعله) بغير أمارة (أو بأمرة) من مرض أو علو سن، فإن قال: الغاية معينة بوقت مضيق، فلم يقل به أحد، ولا دليل يدل عليه وليس بعض الأوقات بالتعين أولى من (بعض).
فإن قال: يتصف بصفة وهو إذا غلب على ظنه فواته بغير أمارة فهو يختل (ولا) ينفصل من (ظن السوء).
وإن قال: يتضيق بأمارة (من مرض) أو عُلو سن فباطل لأن كثيرًا من الناس يموت فجأة فبطل هذا القسم.
وأما القول بجواز تأخيره لا إلى غاية (فلا يخلو إما أن يجوز ذلك لا إلى بدل أو إلى بدل، فإن قال لا إلى بدل فهو باطل لأن ما يجوز تأخيره لا إلى بدل نافلة وأجمعنا على وجوبه وإن قال يجوز تأخيره إلى بدل فلا يخلو أن يكون (البدل وصية) كالحج أو العزم
[ ١ / ٢٢٧ ]
على أدائه في المستقبل، فإن قال: إلى الوصية فباطل لأن ذلك ليس يقام في جميع (العبادات) لأن أكثرها لا يثبت بالوصية كالصلاة والصيام ولأن القول بأن البدل يكون وصية يفضي إلى باطل لأنا نوصي غيرنا فتكون وصيتنا له (أمرًا بمنزلة) أمر الشارع فيكون للموصى أن يوصي إلى ثالث والثالث (يوصي) إلى رابع إلى ما لا نهاية له.
وإن قال أخره إلى بدل هو العزم فلا يصح لوجوه: منها أنه لا دليل على كونه بدلًا (ولا) يجوز إثبات بدل لا دليل عليه.
فإن قيل: أجمعت الأمة على أن العزم واجب.
قلنا: إجماعها على وجوبه لا يقتضي كونه بدلًا عن غيره.
فإن قيل: فلم زعمتم (على) أنه لا دليل على كونه العزم بدلًا.
(قلنا: (لا) ذكر لكون العزم بدلًا في الأمر بحال.
فإن قيل: (ولا) ذكر (للوقت الثاني) في الأمر
[ ١ / ٢٢٨ ]
فلستم بأن تعينوا الوقت الثاني (للمأمور به) وليس بمذكور في الأمر فأولى أن نجعل العزم بدلًا وإن لم يكن مذكورًا.
قلنا: قد بينا أن لفظ الأمر ومقتضاه يدلان على تعيين الوقت الثاني فيما تقدم ن الأدلة.
ومنها: (أنه لو/٣٠ أكان العزم) بدلًا عن العبادة لم يتقدم وجوبه على وجوب العبادة لأن بدل الشيء لا يتقدم وجوبه عليه لأنه مرتب عليه وقد (ثبت) أن العزم على تأدية العبادة واجب على المكلف (بعد) دخول وقت العبادة، وقبل (دخول وقت) العبادة ما وجبت بالاتفاق، فبطل أن يكون العزم بدلًا وقد ارتكب بعضهم المنع فقال لا يجب العزم على فعلها (قبل أن تجب) فيقال له: فيجوز العزم على تركها.
فإن قال نعم: خرق الشرع، لأنه (يقول إنه) يجوز له العزم على رد الشرع (وترك) ما أوجبه.
وإن قال: لا يجوز العزم على تركها ولا العزم على فعلها.
[ ١ / ٢٢٩ ]
(قيل فبماذا) يتلقى المكلف أمر الشريعة؟ لا يتلقاه باعتقاد فعله ولا برده فيكون وجوده في حقه كعدمه، وهذا غير جائز.
وقد أجاب بعضهم عن الدليل بأن العبادة تجب قبل دخول وقتها فلا يتقدم العزم على الوجوب. وهذا غلط لأن من شرط العبادة الوقت، فكما لا يتقدم فعلها على الشرط لا يتقدم وجوبها عليه، ثم الشارع قال له: إذا جاء الوقت (الثاني فافعل) معناه التزم الفعل، ولا يقول له إنه يلزمه قبل ذلك الوقت.
ومنها: أنه لو كان العزم في الوقت الثاني بدلًا من العبادة لم يخل إما أن يجب في الوقت (الثاني ويجوز تأخيره وتأخير) العبادة عنه، فإن جاز تأخيرهما كان القول في العزم كالقول في العبادة ولم يقف ذلك على غاية ولحقًا جميعًا بالنوافل. وإن لم يجز تأخير العزم على الوقت الثاني بل وجب إيقاعه فيه فذلك باطل لأن بدل العبادة يجب على حد وجوبها ليكون فعله جاريًا مجرى فعلها، والأمر عندهم إنما أوجب العبادة في وقت غير معين (فثبت أنها تقع) في وقت غير معين فبطل تعينه بالوقت الثاني.
فإن قيل: نحن تقول إن الأمر اقتضى وجوب الفعل في الوقت الثاني.
[ ١ / ٢٣٠ ]
قلنا: إن أردتم أنه اقتضى وجوبه بحيث لا يجوز تأخيره عنه فهو القول بالفور واسترحنا.
وإن قلتم: إنه وجب في الثاني كوجوبه في الثالث والرابع من غير تعيين وقت.
قلنا: فيجب أن يكون بدله الذي هو العزم كذلك (ولأنه) لو كان وجوبه في الثاني كوجوبه في الثالث والرابع صار كان المكلف قال: هذه العبادة واجبة في الوقت الأول، (واجبة في الوقت) الثاني والثالث، بمعنى أن الفرض يسقط بالفعل في كل واحد من هذه الأوقات، ومتى قال هذا لم يحتج إلى بدل هو العزم بل لنا أن نقدم ونؤخر من غير عزم. وهذا ترك لما شرعتم في نصرته.
ومنها: أنه لو كان العزم بدلًا من فعل العبادة لم يخل إما أن يقوم (مقامها) في ثبوت المصلحة فيه، أو لا يقوم (مقامها)، فإن قام مقامها (فيه) فقد استوفيت المصلحة بفعله فلا وجه لوجوب (فعل) العبادة بعد ذلك، ألا ترى أنه لو فعلها في الوقت لا يجب عليها فعلها بعد ذلك/٣٠ ب لأن مصلحة الوقت استوفيت وإن (كان) لم يقم مقامها فيه لم يكن بدلًا منها ولم يجز العدول عنها إليه إذ في ذلك تفويت بعض المصلحة فبطل القول بالعزم.
[ ١ / ٢٣١ ]
فإن قيل: نقول إنه يقوم مقام العبادة في ذلك الوقت ويبقى فعلها واجبًا في (الأوقات الأخر).
قلنا: الأمر لم يفد وجوب العبادة في الأوقات مكررة حتى يجب فعلها في كل وقت. وإنما أوجبت فعلًا واحدًا، ولهذا إذا فعلها في الوقت الثاني لم يجب عليه فعلها في الثالث والرابع، ومن قال بالتكرار في الأمر فلا يتصور معه الكلام في (هذه) المسألة ولأنه إن كان يقام مقامها في ذلك الوقت الثاني فلا يخلو أن نقول يقوم مقامها في الوقت الثالث أو الرابع أو لا يقوم.
فإن قلت: يقوم، أفضى إلى أن يقوم مقامها في جميع الأوقات إلى الموت فيخرج عن حد التكليف ولم يفعل العبادات. وهذا لم يقله أحد.
وإن قلت: لا يقوم مقامها في الثالث والرابع، فيجب أن لا يقوم في الوقت الثاني وما الفرق بين الوقتين.
٢٧٣ - وأما ما يدل من جهة السمع فقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وفي فعل الطاعة مغفرة فيجب المسارعة إليها.
فإن قيل: المراد بالآية التوبة من الذنوب.
[ ١ / ٢٣٢ ]
قلنا: هو عام، ثم إن (قلنا) (المسارعة) في التوبة تجب فهي عبادة قد وجبت على الفور بمطلق الأمر. فبقية العبادات كذلك.
٢٧٤ - (وكذا قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وهذا أمر وامتثال الأمر من الخيرات فتجب المسابقة إليه).
٢٧٥ - (وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ فمدحهم على ذلك فبتركه يستحقون الذم).
٢٧٦ - احتجوا بأن الأمر لو اقتضى التعجيل لكان يقتضيه بلفظه أو بفائدته ومعناه وليس يقتضيه بلفظه ولا بمعناه، فلم يكن على الفور.
والدليل على أنه لا يقتضيه بلفظه أن قول القائل لغيره "افعل كذا" ليس فيه ذكر وقت متقدم ولا متأخر، وإنما يفيد إيقاع الفعل فقط، والفعل إذا وجد في الوقت الأول أو الثاني أو الثالث كان واقعًا وذلك (يقتضي) كون المأمور ممتثلًا للأمر.
[ ١ / ٢٣٣ ]
والدليل على أنه لا يقتضيه بفائدته أنه لا يمكن أن يقال يقتضيه بفائدته إلا أن يقال: "إن الأمر يقتضي الوجوب ولا يتم الوجوب مع جواز التأخير" وهذا باطل لأن المكلف قد يجب عليه الشيء ويخير في فعله في أول الوقت أو فيما بعده ما لم يغلب على ظنه فواته.
الجواب: أنا قد بينا أنه يقتضيه بلفظه ومعناه في أدلتنا فأغنى عن الإعادة، ثم نتكلم على ما دل به فنقول إن قوله: "فعل" ليس فيه ذكر الوقت وليس فيه ذكر الاعتقاد ولا (ذكر) العزم، ثم يجب على الفور، ثم يلزم عليه النهي ليس فيه ذكر وقت متقدم ولا متأخر ثم يجب على الفور، وكذلك الجزاء في الشرط ليس فيه ذكر الوقت، وكذلك الثمن في البيع ليس فيه ذكر الوقت ثم يجب على الفور (كذا) في مسألتنا مثله.
وأما ما دل به على أنه لا يقتضيه بفائدته فهو حجتنا لأن الوجوب لا يتم مع جواز التأخير لأنه لا يخلو إما أن يؤخره إلى غاية أو (لا إلى) غاية، وقد أبطلنا ذلك، وقولهم إن المكلف مخير فيما يجب عليه أن يفعله في أول وقته أو فيما (بعد ذلك لا نسلمه) وهو دعوى مسألة الخلاف.
[ ١ / ٢٣٤ ]
٢٧٧ - احتجوا بأن الامتثال في الأمر كالبر في اليمين ثم لو قال والله لأفعلن كذا كان بارًا أي وقت فعله، فكذلك إذا فعل المأمور به يكون ممتثلًا أي وقت فعله.
الجواب/٣١ أ: أنا لا نسلم أن البر في اليمين يشبه مسألتنا، ثم اليمين خير فيها بين أن يفعل (أو لا يفعل) ويكفر، وفي الأمر لم يخير المأمور بين الفعل وتركه رأسًا فافترقا (وصار نظير) مسألتنا النذر (لما لم يكن مخيرًا فيه وجب على الفور.
٢٧٨ - (احتجوا بأن قوله "افعل" هو طلب الفعل) في المستقبل، كما أن قوله زيد (سيفعل) إخبار عن إيقاع الفعل في المستقبل، فكما لا يمتنع الخبر من الدخول بعد مدة (من الخبر) فكذلك الأمر ولهذا قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ فقال عمر لأبي بكر ﵄ وقد صدهم المشركون عام الحديبية: أليس قد وعدنا الله تعالى (بالدخول) فكيف صدونا؟ " فقال: "إن الله تعالى وعدنا
[ ١ / ٢٣٥ ]
بذلك ولم يقل في أي وقت" فدل على أن الخبر لا يقتضي الوقت الأول.
الجواب: أن الخبر لا يشبه الأمر، وليس إذا وافقه في أن الفعل فيهما يكون في المستقبل مما يدل على استوائهما بدليل أن موضوع الخبر على التردد بين الصدق والكذب، وموضوع الأمر على (الوجوب والحث والاستدعاء).
جواب آخر: أن مقصود الخبر أن يكون صدقًا، وأي وقت أخبر به وجد الصدق المقصود، ومقصود الأمر الإيجاب، والإيجاب لا يتم إلا بالإيجاد، (والتأخير إلى غير) غاية يلحق بالنوافل.
جواب آخر: أن الخبر من الحكيم لا يوجد إلا بعد (أن قد تيقن الحكيم أنه يكون المخبر على) ما أخبر فيه فلا غرر عليه في التأخير والأمر يلزم المأمور فعلا (لا) يعلم أي وقت يوقعه فكان إيقاعه في الوقت الأول أحوط من وجهين:
[ ١ / ٢٣٦ ]
أحدهما: أنه لو أراد التأخير لأخر الأمر به، ولأنه بالإجماع يكون قد امتثل الأمر (وإذا أخر لا يكون قد امتثل الأمر) بالإجماع.
والثاني: أن في التأخير غررًا لأنه ربما فاجأه الموت قبل الفعل فيأثم.
جواب آخر: أن عمر ﵁ فهم التعجيل وكذلك بقية الصحابة ﵃، ولهذا امتنعوا من نحر الهدى، وإنما أبو بكر رحمة الله عليه حمله على التراخي تأويلًا للرسول ﷺ لما ثبت عنده من صدقه ومعجزته.
ونحن نجوز أن يراد بالأمر التأخير ولكن (إن تجرد عن القرائن) يقتضي الفور.
٢٧٩ - احتجوا بأن الأمر لا يقتضي زمانًا ولا مكانا، وإنما يحتاج إلى زمان ومكان لأن أفعال المخلوقين لا تقع إلا في زمان ومكان، ثم ثبت أنه أي مكان فعل (فيه) صار ممتثلًا فكذلك في أي زمان فعل صار ممتثلًا.
الجواب: أنه يحتمل أن يقال أنه يختص بالمكان الذي خوطب بالفعل فيه (لأنه لا ينتقل إلى مكان آخر إلا في زمان يلزمه الفعل
[ ١ / ٢٣٧ ]
فيه) (ثم يبطل بالنهي لا يختص بمكان ويختص بزمان وهو عقيب النهي).
٢٨٠ - احتجوا بأنه لو خصه بوقت متأخر وجب تأخيره وكذلك إذا قال افعله في الحال وجب تعجيله، فيجب إذا أطلق (أن) لا يكون بالتعجيل أولى من التأخير.
الجواب: أنه (ليس) إذا شرط تأخيره (وجب تأخيره) مما يدل على أن إطلاقه يقتضي التأخير، ألا ترى أن (خيار) الشرط والثمن في البيع إذا شرط تأخيره تأخر وإذا أطلق اقتضى التعجيل، وكذلك في النهي لو شرط وقتًا متأخرًا تأخر وإذا أطلق النهي اقتضى الفور.
٢٨١ - واحتجوا بأن قوله "افعل" مطلق في الأزمان كما (أنه مطلق في الأعيان)، ثم لو قال اقتل رجلًا صار ممتثلًا بقتل (أي رجل) كان، كذا يجب أن يصير ممتثلًا للأمر في أ] وقت كان (فاعلًا له).
[ ١ / ٢٣٨ ]
(الجواب عنه أنا نقول: إن الأشخاص إن كانوا في القرب إليه سواء فلا مزية لأحدهم على الآخر وهذا لا يوجد في الأزمان، وإن كان الرجال بعضهم أقرب إليه من بعض لزمه قتل الأقرب إليه فإن تركه ومضى إلى غيره في زمان كان يقتضي امتثال الأمر فيه عصى) (على) أن الأشخاص (في الجملة) لا مزية (لأحدهم على الآخر فتساووا) في القتل وفي الأزمان/٣١ ب (في الوقت الأول والثاني بخلاف الأفعال على ما بينا) في الأمر بالعبادة، وللوقت الأول مزية على الآخر بدليل ما بينا من الاحتياط أو من تحقيق الإيجاب وغير ذلك).
٢٨٢ - احتجوا بأن السيد إذا أمر غلامه بشيء ولم يعلم الغلام حاجته (إليه فإنه لا) يفهم (الغلام) التعجيل.
الجواب: أنا لا نسلم بل تقول (إن) الغلام إذا لم يعلم (من قصد السيد) أنه يبيحه التأخير فلم يفهم غير الأمر فقط،
[ ١ / ٢٣٩ ]