أما إذا قلنا: الأمر المؤقت إذا فات وقته لم يحتج قضاؤه إلى دليل فهذا أولى أن لا يحتاج فيما بعد الأول إلى دليل لأن الأمر المطلق لا يختص بالأوقات من جهة اللفظ (والأمر المقيد بالوقت يختص بذلك الوقت من جهة اللفظة) فإذا كان المختص بالوقت يجب فعله فيما بعد الوقت فالذي لا يختص بوقت أولى أن يجب فعله بعد الوقت الأول لأنه يحتمله بلفظه.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وأما إذا قلنا: في المؤقت إنه إذا فات وقته احتاج قضاؤه إلى دليل فإن المكلف إذا لم يفعل المأمور به في الأمر المطلق في أول أوقات الإمكان فإنه يجب عليه أن يفعل فيما بعد ذلك الأمر وبه قال الرازي.
وقال الكرخي وغيره: يحتاج فعله في الثاني إلى دليل كالموقت سواء، ولا يختلف من قال الأمر على التراخي أن المكلف لا يحتاج فيما بعد الوقت الأول إلى دليل.
٣١٧ - دليلنا: أن قوله افعل يقتضي إيجاد الفعل في الوقت الأول أو الثاني أو الثالث أبدًا وإنما قلنا يفعله في الأول لأنه لو لم يجب فيه وجاز تأخيره إلى الثاني أو الثالث أو الرابع انتقض الوجوب المستفاد بالأمر ولحق بالنوافل، فقد اجتمع في الأمر شيئان:
[ ١ / ٢٦١ ]
أحدهما: الوجوب المقتضى للفور، والثاني نفي تخصيص الأمر بالأوقات ولا يمكن الجمع بينهما في الأمر إلا إذا قلنا: المكلف إذا عصى في الوقت الأول وجب عليه (الفعل) في الثاني، فإن عصى في الثاني وجب عليه في الثالث (وينزل) منزلة قول الآمر افعل في الأول فإن عصيت ففي الثاني، فإن عصيت ففي الثالث (كذلك) أبدًا.
فإن قيل: الأمر وإن لم يختص بوقت معين إلا أن الوجوب الذي دل على الفور جعله مختصًا بالوقت (الأول) فصار كالمختص بوقت معين.
قلنا: إنما جعلناه مختصًا بالأول ما لم تقع/٣٥ أالمعصية، فإذا وقعت المعصية بالترك في الوقت الأول بقى مطلق الأمر في الثاني والثالث والرابع أبدًا لأنا بينا (أن) الأمر المطلق لا يختص بالفعل في الأول دون الثاني والثالث وفارق المؤقت بوقت معين لأنه يتناول وقتًا واحدًا فلا يتناول ما بعده، ولأن التقييد بالوقت له صفة زائدة على المطلق وإلا لم يكن لتقيده بالوقت فائدة، ولا معنى، ولا يجوز إخلاء كلام الحكيم من فائدة فثبت أن فائدته ما قلناه.
[ ١ / ٢٦٢ ]