[ ١ / ٢٨١ ]
أبي بكر الرازي أنه قال: لا يدخلون/٣٧ أفي الخطاب المتعلق بحقوق الآدميين، فأما المتعلق بحقوق الله تعالى فيدخلون.
٣٥٣ - لنا أن الخطاب مشتمل على الأحرار والعبيد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ و﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ وبقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ﴾ و﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ و﴿إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وغير ذلك من الخطاب، فوجب (كونهم معنيين) به، إلا أن يمنع مانع عقلي أو سمعي ولا مانع (عقلي ولا سمعي) من ذلك.
[ ١ / ٢٨٢ ]
فإن قيل: المانع ما ثبت من وجوب خدمة سيده في أوقات العبادات، وذلك يمنعه من العبادات.
قلنا: لا يجب خدمة سيده حتى يفرغ من العبادات، لأن أوقات العبادات مستثناة لهم، فلا يجب فيها حق السيد.
فإن قيل: لشمَ كان الدليل الذي أوجب خدمة السيد مخصوصًا بما دل على العبادات بأولى (من) أن يكون دليل العبادات مخصوصًا بما دل على وجوب خدمة سيده؟
قيل: لأن ما دل على خدمة السيد عمم الأمر بطاعته، وهو في حكم العام، وما دل على العبادات يتناولها بلفظ مخصوص، كآية الصلاة والصيام وغير ذلك فهو في حكم الخاص (والخاص من حقه) أن يعترض به على العام.
والجواب الجيد أن يقال: أوقات العبادة مقتطعة للمالك (القديم) الذي ملكه حق، وإنما ملكنا ما خلا محل حقه في العبيد، فلهذا كان حقه المقدم.
٣٥٤ - دليل ثان: أنه مكلف فجاز أن يدخل في (مطلق الأمر) كالحر، وهذا لأن الخطاب يتوجه إلى من يعقل ويصح منه الامتثال، ولهذا لا يتوجه إلى الصبي والمجنون لعدم العقل والامتثال،
[ ١ / ٢٨٣ ]
والعبد صالح لذلك كالحر لاشتراكهما في العقل وصحة الفعل، فمن يزعم أن الخطاب يختص بالأحرار مع صلاح العبيد للخطاب (كان) كمن قال: إن العرب تختص بالخطاب دون العجم، وإن بنى فلان يختصون به دون بنى فلان، ولا دليل على من قال ذلك، إلا أ، يقول جماعتهم سواء في صلاح توجه الخطاب إليهم، فكانوا سواء في دخولهم فيه.
٣٥٥ - دليل ثالث: لا خلاف أن العبد يشارك الحر في توجه النهي كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ ﴿وَلا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ وغير ذلك فكذلك في الأمر.
فإن قيل: لا نسلم ذلك.
قيل: لا يخلو إما/٣٧ ب أن يقولوا المنهيات (مباحات له) أو محرمة عليه، فإن قلتم بالأول خرقتم الإجماع وخالفتم الشرع، وإن قلتم بالثاني فتحريمه إما بنص ورد فيه خاص وهذا ما لا طريق لكم إليه، أو بما ذكرنا من الآيات فهو دخول في الخطاب المطلق كما بينا.
فإن قيل: استفدنا تحريمه بالقياس على الحر.
[ ١ / ٢٨٤ ]
قلنا: القياس من الظواهر والعموم مستنبط.
٣٥٦ - دليل رابع: أنهم يدخلون في لفظ الخبر كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وغير ذلك، فوجب أن يدخلوا في الأمر المطلق لأن الخبر يلزم قبوله من الصادق كالأمر يلزم (قبوله) من الشارع.
٣٥٧ - دليل خامس: "من تناوله الخطاب الخاص جاز أن يتناوله الخطاب العام كالخبر، وهذا لأنه لو لم يصلح للخطاب لم يتناوله خاص (الخطاب) كغير المكلف، فلما تناوله دل على أنه يصلح للخطاب فدخل في إطلاقه كالحر سواء.
٣٥٨ - دليل سادس: أن العبيد في الأصل أحرار عقلاء وإنما (طرأ) عليهم لزوم حق، وهذا لا يسقط توجه الخطاب، (كما لو لزم العقلاء حد أو قصاص فإنه لا يؤثر في توجه الخطاب) كذلك لزوم الرق لا يمنع منه.
[ ١ / ٢٨٥ ]
٣٥٩ - احتج بأن أكثر الأوامر لم (يدخلوا) في إطلاقها كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (وكقوله): ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ و﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ و﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (وغير ذلك)، فدل على أنهم لا يدخلون في الخطاب.
الجواب: أنهم قد دخلوا في جميع الأوامر مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ و" فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ" و﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ و﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ
[ ١ / ٢٨٦ ]
أن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وغير ذلك، ولا نجد دليلًا خصهم بهذه الأشياء فدل على أنهم دخلوا فيها بعموم الخطاب.
فأما ما ذكروه من الآيات فخرجوا منها بدليل، لأن الزكاة تجب على من ملك نصابًا من المال والعبد لا يملك المال (ثم ذلك لا يمنع من دخوله تحت الخطاب كما قلنا في حق الفقير الحر المسلم فإن الزكاة لا تجب عليه والخطاب متوجه نحوه).
وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ إنما لم يلزمه الجهاد لأن رقبته (مال)، والمالية التي فيه للسيد، (وفي الجهاد تعرض) للتلف، والسيد له حفظ ماله عن التلف، لا سيما (والجهاد) من فرائض الكفايات، وقد قام به من كفى من الأحرار، (فهو بمثابة مدين يمنعه غريمه من الجهاد) فإن تعين على العبد واحتيج إلى قتاله وجب أن يقاتل.
فأما النكاح فليس من باب العبادات، ولهذا لا يجب على الحر فأولى أن لا يجب على العبد.
وأما الشهادة فهو من أهلها عندنا، فإذا كانت عنده شهادة لزمه تأديتها كالحر (سواء) وأما الجمعة فتجب عليه في إحدى
[ ١ / ٢٨٧ ]
الروايتين بمطلق الخطاب (وفي الأخرى) لا تلزمه (الجمعة) لقول النبي ﷺ: "لا تجب الجمعة على مريض ولا امرأة ولا مسافر ولا عبد" فاستثناهم فدل على أنهم قد دخلوا في الخطاب كما دخل المسافر والمريض، وإنما خرجوا باستثناء الرسول ﷺ.
٣٦٠ - واحتج بأن رقابهم ومنافعهم مملوكة للولي فلم يجز أن يتصرفوا في شيء من ذلك إلا بإذنه فكان ذلك مانعًا من دخولهم في الأوامر الشرعية.
الجواب: أن المنافع مملوكة للولي ما عدا أوقات العبادات، فإنها مستثناة بالدليل الشرعي كما استثنى أوقات العبادات في حق الزوجة (وفي حق المستأجر) وقد بينا ذلك فيما تقدم من دليلنا،
جواب آخر: أنه لو صح ما قلتم لما جاز أن يدخلوا في الخطاب الخاص وقائل/٣٨ أذلك (يفضي قوله إلى أن) الله تعالى لم يأمر العبيد المسلمين (بشيء) ولم ينههم عن شيء أصلًا وهذا خرق الإجماع.
[ ١ / ٢٨٨ ]
٣٦١ - احتج بأن العبد أنقص (مرتبة) من الحر لأنه ملكه والحر مالكه، فلا يجوز أن يساويه في الخطاب فيصير مثله.
الجواب: أنهما متساويان في حق الله تعالى لأنهما ملكه، ثم نقصه لا يمنعه من المشاركة كنقص العجم عن العرب، والفاسق عن العدل، ومن أسلم بعد الفتح عمن أسلم قبله، ولأنه قد ساواه في توجه الخطاب الخاص إلى كل واحد منهما وتوجه النهي إليهما، فكذلك في العام لا فرق بينهما، ولأن عدم المماثلة قد حصل من وجه آخر غير الخطاب، وهو أن العبد لا يملك وهو مال يباع (ويوهب) كسائر الأموال، ولا يقتل الحر بقتله، ولا يحد بقذفه، وغير ذلك، فأغنى عن تحقيق نقصه بإخراجه عن مطلق الخطاب.
٣٦٢ - واحتج الرازي بأنه لا يملك فعل شيء من حقوق الآدميين كالعقود والإقرارات وغير ذلك فلم يدخل في الخطاب (بها).
الجواب: أنه لم يملك التصرف فيها بدليل، وهذا لا يمنع من دخوله في الخطاب بها وبغيرها ثم يخص بدليل كالعموم من صيغته الاستغراق وإن جاز أن يخصص، وتخصيصه لا يبطل ما وضع له،
[ ١ / ٢٨٩ ]
وكذلك حقوق الله تعالى. يتوجه إليه الخطاب بها، وكثير منها لا يملك فعله ولأنه لا يملك شيئًا من حقوق الآدميين ويتوجه إليه الأمر الخاص (بها) فكذلك لا يملكها ويتوجه الأمر العام بها والله أعلم بالصواب.