ينظر فيه فإن كان الجمع بلفظ يختص المذكر نحو قولنا رجال، وذكور لم يدخل فيه المؤنث، وإن كان بلفظ لا يتبين (فيه) التذكير ولا التأنيث كقولنا "من" فإنه يدخل فيه المذكر والمؤنث.
وإن كان بلفظ يتبين فيه علامة التذكير نحو المؤمنين والصابرين، وقاموا، وقعدوا فقد اختلفوا في ذلك فقال شيخنا: يدخل (المؤنث) في ذلك، وهو قول بعض الحنفية وأبي بكر بن داود الفقيه.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وقال أكثر الفقهاء والمتكلمين لا يدخل (المؤنث) في ذلك وهو الأقوى عندي، ولكن ننصر قول شيخنا.
٣٦٤ - ووجه قوله إنهن قد دخلن في أوامر الشرع (كلها)، ونواهيه بلفظ جمع التذكر كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا﴾ وغير ذلك، فدل على أن الخطاب يتناولهن.
[ ١ / ٢٩١ ]
فإن قيل: لم يدخلن بذلك، وإنما شاركن الرجال في الحكم بدليل غير اللفظ.
قيل: لو كان دليل يخصهم لعلمناه فمدعيه يحتاج إلى إظهاره.
٣٦٥ - دليل آخر: أن أهل اللغة اتفقوا أنه إذا اجتمع رجال ونساء وأراد الآمر أن يعبر (عن لفظ) الجمع (عبر) بلفظ (جمع) التذكير، فدل على أن ذلك (يتناولهم وأنه) وضع لهم.
فإن قيل: ما الدليل على ذلك؟
قيل: يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
فعبر عن آدم وحواء وإبليس والحية بلفظ التذكير.
٣٦٦ - ويقول الإنسان لمن بحضرته من الرجال والنساء قوموا وانصرنفوا، ولو قال: قوموا وقمن، وانصرفوا وانصرفن لعدوا ذلك منه عيا ولكنة، فدل على ما قلناه.
[ ١ / ٢٩٢ ]
فإن قيل: إنما يحمل (اللفظ على الجنسين) إذا علمنا من قصده خطاب الرجال والنساء وإن لم نعلم من قصده/٣٨ ب ذلك حملنا قوله قوموا على الرجال فقط.
قيل: لم يشرط أحد من أهل اللسان علمنا بقصد المتكلم في ذلك، (ثم) لو لم يكن اللفظ يتناول النساء لم يدخلن فيه وإن أرادهن.
ألا ترى أنه لو قال: يا ذكور، أو يا رجال (ادخلوا الدار) لم يدخل فيه النساء وإن أرادهن، فلما دخلن في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ دل على أن القيام يشملهم والخطاب يعمهم.
فإن قيل: لو استووا في توجه الخطاب لما غلب التذكير في اللفظ، فلما غلب دل على أنه موضوع للذكور على الانفراد، وللذكور والإناث في أصل اللغة بدليل ما بينا، ثم إنما غلب التذكير
[ ١ / ٢٩٣ ]
(لقوته)، وهذا لا يمنع من تناول الخطاب لهما وإن غلب أحدهما، ألا ترى أنه إذا اجتمع من يعقل (مع من) لا يعقل غلب من يعقل، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾. وفيهم من يعقل ومن لم يعقل، وكذا إذا اجتمع الليالي والأيام غلب أحدهما واللفظ (متناول) لهما، وكذلك نقول: فلان وفلانة قائمان واللفظ يشملهما وقد غلب التذكير كذا ههنا.
٣٦٧ - دليل آخر: أن لفظ الخبر يشملهم وإن كان بلفظ التذكير قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وغير ذلك فكذلك لفظ الأمر.
٣٦٨ - دليل آخر ضعيف: وهو: أنه كان ﷺ إذا بعث سرية قال لهم: "سيروا باسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله حتى يقولوا لا إله إلا الله، لا تقتلوا امرأة ولا شيخًا كبيرًا"
[ ١ / ٢٩٤ ]
وذكر الخبر. فاستثنى المرأة فلولا أنها دخلت في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ لما احتاج إلى الاستثناء. وكذا قوله ﵇: "الجمعة لا تجب على امرأة ولا مسافر ولا عبد ولا مريض" استثناء من قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ الآية .. والاستثناء إنما هو استخراج بعض ما شمله اللفظ فدل على أن لفظ خطاب التذكير يشملهم.
فإن قيل: ليس هذا استثناء وإنما هو دليل على تخصيصهم.
قيل: الاستثناء والتخصيص يدلان على أنهن كن دخلن في اللفظ، وإلا فلم يخص ما لم يدخل تحت العموم.
٣٦٩ - احتج بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ومعلوم أن النساء لا يدخلن في ذلك.
الجواب: أنا قد بينا أن النبي ﷺ استثناهن فدل على دخولهن في ذلك، ثم "هناك" أخرجن من ذلك بدليل الإجماع.
٣٧٠ - احتج بما روى عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول
[ ١ / ٢٩٥ ]
الله ما ترى الله تعالى يذكر إلا الرجال؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية.
فدل على أنهن لا يدخلن في إطلاق جمع التذكير.
الجواب: أنهن قلن ذلك لإرادتهن أن يذكر النساء بلفظ يخصهن.
فإن قيل: لا يجوز أن يكن أردن (ذلك) فإن الرجال لم يذكروا أيضًا بلفظ الخصوص عندكم لأن جمعهم يشاركهم النساء فيه.
قيل: بل علامة التذكير في جمع المذكر هي الواو والنون في أصل الوضع وعلامة التأنيث الألف والتاء فأردن أن يذكرن بما هو علامة عليهن في أصل الوضع ولا يذكرن بلفظ يغلب فيه حكم التذكير.
٣٧١ - احتج بأن الجمع هو تضعيف الواحد ومعلوم أن قام، ومؤمن يفيد الرجل فكذا قاموا ومؤمنون يفيد تضعيف هذه الفائدة وهو التذكير، وهذا عمدة قوية.
الجواب: إن بعضهم قد ارتكب الممانعة، وقال يجوز أن يطلق مؤمن على الرجل والمرأة، وكذلك "قم" لأن المرأة شيء وشخص، والصحيح تسليم ذلك.
[ ١ / ٢٩٦ ]
ويكون (الجواب) أنا لو أدخلنا المؤنث في/٣٩ أالمذكر في التأحيد والجمع التبس المذكر بالمؤنث ولم (يمتز).
وجواب آخر: أن لفظ الواحد لا يحتمل المذكر والمؤنث لأن واحدًا لا يكون مذكرًا ومؤنثًا، ولفظ الجمع يحتمل المذكر والمؤنث في الاجتماع والخطاب، ولهذا لو قصد المذكر والمؤنث في الجمع جميعها بلفظ التذكير (صح)، ولو قصد ذلك في التأحيد لم يصح (ولم) يسغ في اللغة.
جواب آخر: أنه ليس يمتنع أن يدخل الشيء في الشيء في حال الجمع ولا يدخل في (حال) التأحيد، ألا ترى أن من لا يعقل يدخل في جمع من يعقل وفي حال التأحيد لا يخاطب من لا يعقل بلفظ من يعقل، وكذا في التأحيد لا يدخل اليوم في الليلة ولا الليلة في اليوم، وفي الجمع يدخل أحدهما في الآخر، فكذلك ههنا.
٣٧٢ - واحتج بأن الرجال لا يدخلون في جمع النساء، فكذلك النساء يجب أن لا يدخلن في جمع الرجال.
[ ١ / ٢٩٧ ]