وقال أبو هاشم بن الجبائي: لا يقتضي الاستغراق وإنما يكون للعهد.
وعن الشافعية كالمذهبين.
٥٤٤ - لنا أنه لو لم (يفد الاستغراق) قولنا الإنسان لأفاد واحدًا غير معين وفي ذلك إخراجه من كونه معرفًا وقد أجمع أهل (اللغة) أن الألف واللام يفيدان التعريف.
فإن قيل: (إنما) يفيدان تعريف الجنس لا تعريف الآحاد.
[ ٢ / ٥٣ ]
قلنا: هذا كان مستفادًا من الاسم قبل دخول الألف واللام عليه/ ٥٥ ألأنك لو قلت رأيت إنسانًا، لأفاد أنك رأيت واحدًا من هذا الجنس، كما لو قلت: رأيت الإنسان.
فإن قيل: قول القائل رأيت الإنسان لا يطلق إلا على إنسان يعرفه المتكلم والسامع، وقد تقدم ذكره لهما فيفيد ذلك الشخص بعينه.
قلنا: لو صح هذا لما قال تعالى: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ وليس بيننا وبينه في ذلك عهد متقدم يرجع اللفظ إليه، فدل على أن ابتداء الخطاب (به) لا يقتضي (المعهود إنما يقتضي) الجنس على ما بيننا.
٥٤٥ - دليل ثان: أنه لو لم يقتض الاستغراق لما حسن الاستثناء منه بلفظ الجمع وقد قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
وهذا يدل على أنه للجنس والاستغراق.
فإن قيل: (هذا) استثناء من غير الجنس.
[ ٢ / ٥٤ ]
قلنا: الأصل في الاستثناء الحقيقة، وأنه إخراج ما لولاه لدخل في اللفظ، فمن ادعى (أنه) غير ذلك (احتاج) إلى دليل.
٥٤٦ - دليل ثالث: أن اللف واللام إذا دخلا على لفظ الجمع من غير عهد أفادا الاستغراق فكذلك إذا دخلا على الاسم المفرد من غير عهد.
فإن منعوا ذلك على قول أبي هاشم فقد تقدم الدليل عليه.
٥٤٧ - دليل رابع: أن أهل اللسان أجمعوا على أن المراد بقولهم أهلك الناس الدرهم والدينار الجنس، وكذلك قولهم: هلك الشاة والبعير يراد به الجنس فدل على ما قلناه.
٥٤٨ - احتج بأن قال: الألف واللام لا تدخل إلا (للعهد) قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.وأراد بالعسر المعروف المعهود، ولهذا قال ابن عباس ﵁: "لن يغلب عسر يسرين" (ويقول
[ ٢ / ٥٥ ]
دخلت) السوق فلقيت رجلًا ثم عدت (إليه) فلقيت الرجل ويريد به الذي لقيه أولا، لأنه تقدم ذكره فرجع التعريف إليه.
الجواب: أنا قد بينا أنه لا يدخل إلا الجنس بدليل قوله تعالى: ﴿كَلَاّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى﴾، وقوله: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ "وقوله": ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.
فأما ما ذكروه فإنما حمل على العهد لأنه تقدم ذكره فرجع التعريف إليه، وليس كذلك ههنا، فإنه لم يتقدم ذكره فلم يرجع التعريف (إليه ورجع) إلى الجنس.
٥٤٩ - احتج بأن قال: الألف واللام لا يفيدان أكثر من تعريف النكرة، فإذا كانت النكرة من الاسم لا تقتضي إلا واحدًا من الجنس، فإذا دخلا عليه وجب أن لا تقتضي إلا واحدًا من الجنس.
الجواب: أن الألف واللام تفيدان تعريف النكرة إذا تقدمهما نكرة، فأما إذا لم يتقدمهما (نكرة)، اقتضيا تعريف
[ ٢ / ٥٦ ]
الجنس، وفي مسألتنا لم يتقدمهما نكرة فكانا للجنس ثم يبطل ما ذكروه بالألف واللام إذا دخلا على اسم الجمع فإنهما يفيدان الاستغراق، ونكرة الجمع لا تفيد الاستغراق على ما بينا، فلو كان الألف واللام لا يفيدان أكثر من تعريف النكرة لم يفيدا إذا دخلا على الجمع الاستغراق.
٥٥٠ - احتج بأن قال: الألف واللام لو استغرقا الجنس إذا دخلا على الاسم المفرد لجاز تأكيد ذلك بكل وجميع، كلفظة "من" لما أفادت الاستغراق حسن تأكيدها بكل وجميع، فتقول: من دخل داري فله درهم، وجميع من رأيته ضربته، (فلما) لم يحسن أن يقول ههنا: جاءني الرجل أجمعون، ورأيت الإنسان كلهم دل على أنهما لا يفيدان الاستغراق، وهذه حجة معتمدة في هذا الفصل.
الجواب أن لفظ التأكيد هو بحسب لفظ المؤكد، ولفظ المؤكد موحد فلا يكون تأكيده بلفظ الجمع والكل، وإنما حملناه على الاستغراق بالمعنى لأنه إذا قال: إقطع السارق وحد الزاني فقد عرفه وليس هناك سارق معروف، ولا (زان) معهود، فحملنا التعريف على جميع الجنس حتى لا يقع لغوًا دخوله كخروجه، ولأن ليس به ف يالجنس أولى بذلك من بعض فاستوى (الجميع) في الحكم، ولأنه (قد) حكى عن العرب،
[ ٢ / ٥٧ ]