[ ٢ / ٣٣٠ ]
فإن تعارضا من كل وجه وعلمنا تقدم القول على الفعل مثل أن ينهى عن التوجه إلى بيت المقدس ويثبت دخوله في ذلك ثم رأيناه يصلي إلى بيت المقدس كان فعله ناسخًا لقوله عنا وعنه.
وإن علمنا تقدم الفعل على القول، مثل أن يصلي إلى بيت / ٩١ ب المقدس ويثبت أن (حكم غيره). حكمه ثم قال بعد ذلك الصلاة إلى بيت المقدس غير جائزة كان ذلك نسخًا للفعل عنا وعنه.
فأما إن لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر فالتعلق بالقول (أولى).
وقال بعض الشافعية: التعلق بالفعل أولى، وذهب بعض المتكلمين إلى أنهما سواء.
٩٢١ - لنا أن القول يدل على الحكم بنفسه، والفعل لا يدل بنفسه، وإنما يستدل به على الحكم بواسطة أنه لو لم يجز (لما) فعله ﷺ فكان ما دل عليه الحكم بنفسه أولى مما دل بواسطة.
ولأنا إذا جوزنا أن يكون الفعل قد تقدم جوزنا (أن لا يكون قد تعدى إلينا بنفسه ولا بغيره لأن القول قد نسخه وإن جوزنا تقدم القول جوزنا تناوله لنا بصيغته وأن يكون الفعل قد نسخه فنحن نشك في تناول الفعل لنا ونقطع على تناول القول لنا فما قطعنا عليه أولى مما شككنا فيه).
[ ٢ / ٣٣١ ]
٩٢٢ - واحتج من قال التعلق بالفعل أولى بأن الرسول ﷺ سئل عن مواقيت الصلاة فقال للسائل: صل معنا فبين بفعله ولم يبين بقوله.
الجواب أنه بين بالفعل (ولكن لم يقنع) حتى قال (للسائل): "الوقت ما بين هذين".
وكذلك جبريل ﵇ لما بين الأوقات قال: يا محمد الوقت ما بين هذين وكذلك النبي ﷺ قال: "خذوا عني مناسككم" و"صلوا كما رأيتموني أصلي" فبان بهذا أن الفعل يحصل به البيان لكنه غير مستغن عن القول في الإيضاح والتأكيد ولأنه إن حصل البيان بالفعل إلا أ، هـ مختلف فيه، والقول غير مختلف فيه، والفعل لا يتعدى بنفسه، والقول يتعدى بنفسه فهو أقوى. وهذا الجواب عن شبهة من سوى بينهما لأن كل واحد منهما يحصل به البيان.
٩٢٣ - احتج بأنه قد يبين بالفعل من الهيئات مالا يمكن بيانه بالقول، فتوقف على الغرض به فكان أولى.
الجواب: أنه ليس كذلك فإن القول والصفة يتوصل بها إلى معرفة المقصود أكثر ولهذا من رأى جوهرة لا يعلم خيرها فإذا وصفت (له) علمها، وكذلك نراه يصلي على صفة فلا نعلم ما الغرض
[ ٢ / ٣٣٢ ]
من تلك الصفة وما (السنة) وما التجويز، فإذا وصفت له بالقول علم ما لم يكن يعلم ولهذا ما بين للسائل عن الوقت، لو لم يفعل له جاز أن يظن أن الصلاة يجوز فعلها في الوقت الأول والوقت الأخير ولا يجوز فيما بينهما فلما قال له زال الشك.
٩٢٤ - فصل: (فإن) تعارض قوله وفعله من وجه دون وجه مثل نهيه عن استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط وجلوسه (للحاجة) على سطح بيت مستدبرًا بيت المقدس فإن نهيه مخصوص بفعله، وبه قال الشافعية، وقال أبو الحسن الكرخي فعله يختص به ولا يختص به نهيه (وتوقف) عبد الجبار ابن أحمد الهمذاني في المسألة.
٩٢٥ - لنا أنه لما فعل ذلك وقد أمرنا بالتأسي به والاتباع له بأن فعله مع الأمر باتباعه أخص من نهيه وأقوى فكان الرجوع إليه/٩٢ أأولى، ولأن نهيه ﵇ عام في البيوت والصحاري، وفعله يختص بالبيوت فكان الاعتراض به أولى كالخصوص مع العموم.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
فإن قيل: إلا أن فعله لا يتعدى إلينا وقوله يتعدى إلينا فكان (أقوى).
قلنا: إلا أن فعله قد قوى بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ وبقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وذلك عام فجاز أن (يخصص به) نهيه.
٩٢٦ - احتج بأن قال: فعله لا ينسخ به قوله فكذا لا يخص به.
الجواب: ولم كان كذلك ثم يجوز أن ينسخ قوله بفعله على ما بينا، ومن سلم قال قد يجوز التخصيص بما لا يجوز به النسخ كخبر الواحد والقياس يجوز به تخصيص عموم القرآن ولا يجوز به نسخه.
٩٢٧ - احتج بأن قال فعله يجوز أن يخص به ويجوز أن نشاركه فيه، ونهيه عام والعام المتيقن أولى من الخاص المشكوك فيه.
الجواب: أنه إذا شاركنا في النهي ثم فعله من غير أن يدل دليل على تخصيصه فالظاهر من إقدامه تخصيص ما فعله من جملة العموم أو نسخه إن كان مخالفًا لقوله في كل أحواله على ما تقدم.
[ ٢ / ٣٣٤ ]