وقال أبو مسلم بن الحسين الأصبهاني لا يحسن ذلك.
[ ٢ / ٣٤١ ]
واليهود على ثلاث فرق: منهم من منع (منه) عقلًا، ومنهم من منع منه سمعًا (ولم يمنع منه عقلًا) ومنهم من أجازه وحسنه عقلًا وسمعًا (هم العيسوية وأقروا بأن محمدًا ﷺ رسول الله إلى العرب لا إليهم).
٩٣٦ - فالدليل على جوازه عقلًا أن الناس في التكليف على قولين: منهم من يقول: لله تعالى أن يكلف عباده ما شاء لمصلحة، (ولغير مصلحة)، ومنهم من يقول لا يكلف إلا على وجه المصلحة، فمن قال بالأول يقول: النسخ بمنزلة ابتداء التكليف لا تراعي فيه المصلحة ومن قال بالثاني قال: لا يمتنع أن يكون مثل ما يتعبد الله سبحانه به (يجوز أن يقبح) في المستقبل، فإذا قبح
[ ٢ / ٣٤٢ ]
حسن النهي (عنه)، إذ النهي عن القبيح حسن، ويدل على أنه يجوز أن يكون قبيحًا أنه يحسن أن يقول سبحانه تمسكوا بالسبت ما عشتم إلا السبت الفلاني، فإذا جاز ذلك في المتصل جاز في المنفصل، ويجوز أن يكون الشيء مصلحة في وقت مفسدة في وقت (آخر)، كما يجوز كون الرفق بالصبي مصلحة في وقت مفسدة في وقت (آخر)، وكما يجوز أن تكون مصلحة لزيد (دون عمرو) في وقت واحد، ألا ترى أن بعضهم يكفيه اللوم وبعضهم لا تردعه إلا (العصا) قال الشاعر:
العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الملامة
كما يجوز كون (الصحة) والمرض والغنى والفقر مصلحة في وقت دون وقت كذلك يجوز أن يكون التمسك بالسبت مصلحة في وقت دون وقت ولا فرق في العقل بين هذه المواضع. ولأن النسخ تخصيص الأزمان، وتأخير بيان المراد باللفظ العام في الأزمان وذلك يجوز، كما يجوز تأخير تخصيص الأعيان من اللفظ العام فيها، وقد
[ ٢ / ٣٤٣ ]
تقدم الدليل على جواز (تأخير) تخصيص اللفظ العام عن الخطاب إلى وقت الحاجة كذلك في الأزمان.
فإن قيل: لو كان النسخ كالتخصيص لجاز في القرآن بخبر واحد والقياس كما قلتم في التخصيص قلنا: كلامنا في العقل، والعقل لا يوجب الفرق بينهما وإنما منع من ذلك في النسخ الشرع على ما نبينه.
وأيضًا فإنه لما حسن أن ينقلنا من حال إلى حال في الخلقة فينقل من الصغر إلى الكبر ومن الضعف إلى القوة ثم من (القوة إلى الضعف ثم من) الحياة إلى الموت حسن أن ينقلنا في التكليف لأنه /٩٣ ب لا فرق بين ما يفعله بنا وبين ما يأمرنا بفعله.
وأيضًا فإن نبوة موسى ﵇ قبل بعثه لم يجب اعتقادها وقبول قوله فلما ظهرت على يده المعجزة وجب قبول قوله فيها، فلم لا (يجوز أن) يكون الشيء واجبًا في (وقت) غير واجب في وقت آخر.
٩٣٧ - والدليل عليه من جهة (السمع) قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وقوله تعالى:
[ ٢ / ٣٤٤ ]
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾. ولأن نكاح الأخوات كان جائزًا في شرع آدم ﷺ، ثم حرم في شرع موسى ﵇.
وكذلك الختان لم يكن واجبًا ثم وجب في شرع إبراهيم ﵇.
وكذلك ترك الإمساك في السبت كان مباحًا قبل موسى ثم حرم في زمن موسى ﵇ (تركه).
(ولأنه لما جاز أن يطلق الأمر والمراد به إلى أن يعجز عنه بمرض أو غيره، جاز أن يطلقه والمراد به إلى أن ينسخه).
٩٣٨ - احتج المخالف أن جواز النسخ يفضي (إلى) جواز البداء على الله ﵎، وذلك مما تنزه الله عنه.
الجواب: أنا قد بينا الفرق بين النسخ والبداء بما فيه كفاية، ثم ينتقض عليهم بتحريم الأخوات بعد إحلالهن وتحريم العمل في السبت بعد أن كان مباحًا.
٩٣٩ - احتج بأن قال: الله تعالى إذا أمر بعبادة دل على حسنها فإذا نهى عنها دل على قبحها (ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد) حسنًا قبيحًا، مصلحة مفسدة (في حالة واحدة)
[ ٢ / ٣٤٥ ]
الجواب: إنما يصح هذا لو كان النهي تعلق بما تعلق به الأمر. فأما إذا قلنا (إن) النهي تعلق بما لم يتعلق به الأمر لم يرد، ونحن إذا نهى عن العبادة علمنا (أنه كان أمره بها إلى ذلك الوقت وأنه في علمه) أن ينسخها بعد ذلك الوقت فلا يتعلق الأمر به كما نقول في التخصيص في الأعيان إذا قال اقتلوا المشركين (اقتضى كل مشرك، فإذا قال: لا تقتلوا من أعطى الجزية علمنا أنه يراد بالأمر الأول المشركون) ممن لم يعط الجزية ولا يكون ذلك قبحًا.
٩٤٠ - احتج بأن قال: موسى ﵇ قال (لهم): أمسكوا السبت أبدًا ما دامت السموات والأرض، وهذا يمنع جواز نسخه.
(الجواب عنه أنا نقول: هذا تخرص وكذب على موسى لأنه لو صح ذلك عنه لوجب أن لا يظهر معجزة لأحد بعده، ونحن نعلم أنه قد ظهرت معجزات على يد عيسى ﵇ وثبت ذلك بالتواتر، كما ثبتت معجزات موسى، وجاء عيسى بإبطال يوم السبت فدل على أن ما نقلتموه عن موسى كذب منكم عليه)، ثم لو كان صحيحًا لوجب أن تحاجوا به عيسى ومحمدًا ﵉. ولما لم ينقل عمن تقدم أنهم حاجوهما بذلك بطل دعواهم، وقد ذكر أن أول من لقنهم
[ ٢ / ٣٤٦ ]
ذلك ابن الراوندي بأصبهان. ثم لو كان ذلك صحيحًا لكان معناه ما لم ينسخ، ألا ترى أن المخاطبين بذلك يؤمرون به ما لم يعجزوا وما داموا أحياء، كذلك (أيضًا) يجوز أن يكون معنى ذلك ما كان ذلك مصلحة أو ما لم أنسخه عنكم.
فإن قيل: فهذا يؤدي إلى اعتقاد الجهل لأنه إذا أمرهم به (أبدا) (اعتقدوا كونه مصلحة أبدا) وذلك جهل فلا يجوز أن يأمرهم به.
والجواب عنه: أن من الناس من يقول: لابد أن يشعرهم بالنسخ، وقد قيل إنه أخبرهم بمجيء نبي بعده وذكر ذلك في التوراة وعلى أن إطلاقه يقتضي أن يكون مشروطًا بكونه مصلحة، كما يقتضي شرطه بكونه قادرًا عليه.
فإن قيل: فما ذكرتموه يؤدي إلى أن يقولوا: إنه لا قدرة إلى الإخبار بتأييد شريعة وأن يقولوا في (شريعتكم): إنها غير
[ ٢ / ٣٤٧ ]
مؤبدة، وأن قوله: "لا نبي بعدي" في زمان المصلحة أو (يكون لا نبي) بعدي إلا فلان.
قلنا: يجوز أن يأتي بلفظ يدل على تأبيد/٩٤ أالشريعة بأن يقول: شريعتي باقية ما بقى التكليف لا يتطرق عليها لنسخ، أو يضطرنا الله ﷾ إلى علم ذلك أو ينقطع الوحي، ونبينا ثبت عندنا (أنه) لا نبي بعده بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وهذا يحتاج إلى كشف زائد على هذا والله المستعان فإني لم أر من حقق جواب هذا.
٩٤١ - (وأما عمر بن يحيى فيرد عليه بأنه قد ثبت نسخ تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة وثبت نسخ التوجه إلى بيت المقدس بعد أن كان واجبًا، وغير ذلك، وقد دللنا بأن العقل لا يحيل ذلك وأن القرآن ورد به فلا يلتفت إلى قوله والله أعلم بالصواب).