[ ٢ / ٣٦٨ ]
فأما نسخ القرآن بالسنة المتواترة فقال شيخنا لا يجوز ذلك شرعًا، ويجوز عقلًا. (إلا أن) أحمد قال في رواية الفضل بن زياد وأبي الحارث: لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده، والسنة تفسر القرآن، فظاهره أنه منع من نسخه شرعًا وعقلًا وبه قال الشافعي، وقال أكثر الفقهاء والحنفية، والمالكية وعامة المتكلمين يجوز ذلك، وهو الأقوى عندي، (وقد) قال أحمد في رواية صالح فيما خرجه في الحبس "بعث الله نبيه وأنزل عليه كتابه وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصة وعامه وناسخه ومنسوخه" وهذا يدل على أنه ينسخه بقوله: إلا أن قوله في ذلك لا يكون إلا صادرا عن الوحي فيعلم به/٩٧ أأن الله تعالى الناسخ على لسان نبيه.
٩٧٥ - والدليل (على ذلك) قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ والنسخ ضرب من البيان لأنه يبين قطع المدة.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
فإن قيل: المراد به التبليغ والإظهار لأن النسخ ليس ببيان وإنما هو رفع.
قلنا: التبليغ استفيد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ فيجب أن يكون البيان هاهنا غيره، ولأن البيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي، وإنما يكون ذلك بعد أن يبلغنا ويشكل علينا فيبين لنا حتى يتجلى، وقيل: هو العلم الواقع من النظر والاستدلال والتبليغ لا يحصل به ذلك، وقولهم النسخ ليس ببيان غلط، لأنه بيان (انقضاء) مدة العبادة ورفع (مثل) حكمها في المستقبل وقد تقدم الكلام في البيان.
٩٧٦ - دليل آخر: أنه قول صدر من صاحب الشرع مقطوع به أو يوجب (العلم) فجاز أن ينسخ (القرآن) به كالقرآن.
فإن قيل: يلزم الإجماع فإنه مقطوع به ولا ينسخ القرآن به.
قلنا: إذا أجمع أهل العصر على خلاف حكم آية حكمنا بنسخها.
فإن قيل: هناك يستدل على (النسخ بعد الإجماع ولهذا
[ ٢ / ٣٧٠ ]
لا يضاف النسخ إلى المجمعين)، (قلنا وهاهنا يستدل على) أن الله تعالى أوحى إلى نبيه بالنسخ فنسخ إلا أنه يجوز أن يضاف النسخ إلى الرسول ولا (يجوز أن) يضاف إلى الإجماع لأن الرسول ﷺ يضاف الشرع إليه فجاز أن يضاف النسخ إليه، وإذا أجمعت الأمة على حكم لم يقل هذا شرعها، فكذلك لا يقال إنها (قد) نسخت على أن النسخ من جهة الوحي، والإجماع انعقد بعد موت الرسول ﷺ وانقطاع الوحي، فلهذا لم يكن ناسخًا بخلاف قول الرسول ﷺ.
فإن قيل: إن جاز نسخ القرآن بالقرآن لأنه ساواه في الإعجاز بخلاف السنة.
قلنا: النسخ رفع الحكم وإزالته، ورفع الحكم يقف على أن يدل دليل على رفعه وليس من شرط الدليل أن يكون معجزًا ولهذا يكون الناسخ بعض آية مثل قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ ولا إعجاز فيها، وينسخ (السنة) بالسنة ولا إعجاز فيها.
فإن قيل: إلا أن ذلك مماثل ولا مماثلة بين القرآن والسنة.
[ ٢ / ٣٧١ ]
قلنا: من سلم (لكم) أن الناسخ يفتقر (إلى تماثل) المنسوخ.
جواب آخر: أن النسخ يتناول الحكم، والكتاب والسنة المتواترة في الحكم سواء لأن كل واحد منهما يوجب العلم ويقطع به في الحكم.
فإن قيل: فخبر الآحاد والقياس (يتساويان) في الحكم وينسخ بالخبر دون القياس.
قلنا: لا يساوي القياس الخبر في إثبات الحكم ولهذا إذا عارضه سقط القياس، ولهذا اختلف الناس في الأخذ بالقياس ولم يختلفوا في الأخذ بالخبر، على أن ما يوجب الظن يتزايد، فجاز أن ينسخ بالزائد دون الناقص، وما يوجب العلم لا يتزايد فكان (سواء في النسخ).
٩٧٧ - دليل آخر: أن المانع من ذلك لا يخلو إما أن يكون لأنه لا يصلح في القدرة أو لأن (الحكمة تمنع) منه، لا يجوز الأول لعلمنا أن الرسول ﷺ كان قادرًا على أنواع الكلام، فلو أتى بكلام موضوع لرفع حكم لدل على ما هو موضوع له، ولا يجوز الثاني لأن (منع) الحكمة يحتاج أن يبين أن يبين ما وجهه؟
[ ٢ / ٣٧٢ ]
فإن قيل: وجه ذلك أن يكون منفرًا عن النبي ﷺ وموهما أنه يأتي بالأحكام من قبل نفسه.
قلنا: لو نفر ذلك لنفر إذا أخبر/٩٧ ب أنه أوحى إليه بإزالة هذا (الأمر أو) الحكم، أو إذا نسخ السنة بالسنة، أو القرآن بالقرآن، ولهذا كان المشركون ينسبون النبي ﷺ إلى الافتراء إذا نسخ القرآن بالقرآن ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾.
٩٧٨ - دليل آخر: أنه لا يخلو أن يكون المنع لأجل أن القرآن أكثر ثوابًا، أو أن له إعجازًا. لا يجوز أن يمنع لكثرة الثواب (لأنه يجوز نسخ أكثر الآيتين ثوابًا بأقلهما ولأن الثواب) يجوز أن يكون في حكم السنة الناسخة أكثر، ولا يجوز أن يمنع للإعجاز لأنه يجوز نسخ الآية التي فيها إعجاز بالآية التي لا إعجاز فيها، وإذا بطل الوجهان لم يكن للمنع وجه.
فإن قيل: المانع رفع كلامه تعالى بغير كلامه.
قلنا: هذا هو المسألة. ما الذي يمنع من رفع كلامه بغير كلامه؟
فإن قيل: لأنه كلامه الأصل والسنة الفرع والأصل لا ينسخ بفرعه.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
قلنا: لا فرق بينهما في إثبات الحكم وفي أن كل واحد منهما (أوحى إلى الرسول به) (وقد) قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.
فإن قيل: فيجب أن يضاف النسخ إلى الوحي لا إليه.
قلنا: بل يضاف إليه كما أضيفت أحكام الشرع إليه وإن كانت بالوحي.
٩٧٩ - احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ فأخبر أنه يبدل الآية مكان الآية.
الجواب: أنه أخبر أنه إذا بدل آية مكان آية ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ وليس فيه ما يدل على أنه (لا) يبدل آية إلا بآية، وهذا كما لو قال: إذا قصدت فلانًا راكبًا (تكلم) فينا الأعداء (لا يدل على) أنه أراد لا يقصده إلا راكبًا، على أن ظاهر الآية
[ ٢ / ٣٧٤ ]
يدل على أنه أراد تبديل (لفظ) الآية لا حكمها.
فإن قيل: فقد أخبر أن المشركين يقولون للنبي ﷺ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ثم أجاب عنه بقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ فقطع (إيهامهم بأن الرسول ﵇ ليس من عنده تبديل وإنما التبديل من عند الله).
الجواب عنه: أن هذا لا يمنع قولنا لأن عندنا أن النبي ﷺ لا ينسخ القرآن بالسنة إلا إذا أوحى إليه بذلك فقد نزله روح القدس وعليه (يدل): ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ على أن قوله: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ يدل على (أن) المراد به ألفاظ القرآن دون أحكامه.
٩٨٠ - احتج بقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فمنها أدلة):
[ ٢ / ٣٧٥ ]
(أحدها: أنه أخبر أنه يأتي بخير منها) وذلك يفيد أنه يأتي من جنس القرآن (وجنسه) قرآن، ألا ترى أن الإنسان لو قال: ما آخذ منك من ثوب آتيك بخير منه يقتضي ثبوت خير منه.
الثاني: أنه قال: "نأت بخير منها" والسنة لا تكون خيرًا من القرآن.
الثالث: أن قوله: ﴿نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يدل على أنه هو المتفرد بالإتيان.
الرابع: أنه قال: ﴿نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ناسخًا، بل لا يمتنع أن يكون الذي يأتي به مما هو خير منها في أنه حكم آخر من (بعد) نسخ الآية ويكون الناسخ غير الآية.
فإن قيل: كل من أوجب (عند) نسخ الآية الإتيان/٩٨ أبآية أخرى قال: إنها هي الناسخة.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
قيل: نحن لا نوجب ذلك ويجوز النسخ إلى غير بدل وقد تقدم الكلام (فيه).
ثم الجواب عن كل دليل على التفصيل.
أما قوله: "نأت بخير منها لا يكون (إلا) من الجنس فلا نسلم ذلك بل إذا قال: ما آخذ منك من ثوب آتيك بخير منه يعني آتيك بشيء خير منه لستار دار، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ولا يقتضي من جنسها.
وعن الثاني أنه يريد بخير منها (أي) (يريد) خيرًا منها في النفع وحصول الثواب والمصلحة وليس يجب أن يكون خيرًا في كل شيء لأنه ليس بلفظ عموم.
وعن الثالث: أنه إذا دلت السنة على النسخ (فإن الله) تعالى هو الناسخ لأنه هو الذي أوحى إلى نبيه بالناسخ.
وعن الرابع: أن المنفرد بأن يأتي بما هو أنفع (في الحكم)
[ ٢ / ٣٧٧ ]
(من الكلام) المنسوخ هو الله تعالى وحده لأنه هو المختص بعلم العواقب والمصالح.
٩٨١ - واحتج بأنه لا يخلو أن تقولوا: يجوز نسخ ألفاظ القرآن بالسنة أو لا يجوز، فإن قلتم: يجوز أفضى إلى نسخ القوى بالضعيف وذلك لا يجوز كما (لا) يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة بأخبار الآحاد، ولا يجوز نسخ (خبر) الآحاد بالقياس.
وإن قلتم: لا يجوز، كما لا يجوز نسخ التلاوة بما هو أضعف منها، (كذلك) لا يجوز نسخ حكمها بما هو أضعف منها.
الجواب: أنه لا يجوز نسخ التلاوة بالسنة، لأن اللفظ لا يمكن رفعه إلا أن يشاء الله فينزعه من الصدور بخلاف الحكم، ويحتمل أن يجوز ذلك وهو أن يقول الرسول ﵇ لا تقرأوا هذه الآية، وقد روى أنه كان في القرآن: "لو أن لابن آدم واديين يجريان ذهبا لابتغى لهما ثالثًا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب".
وقوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" ومنع الرسول من قراءته، وقولهم يفضي إلى نسخ القوى بالضعيف لا يصح فإن السنة المتواترة صدرت من الوحي فلا تنسب إلى الضعف، ولهذا توجب العلم الضروري وتثبت بها الأحكام قطعًا بخلاف خبر الواحد والقياس.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
٩٨٢ - فصل: واختلف من قال: يجوز نسخ القرآن بالسنة هل وجد ذلك؟
فقال بعضهم: (قد) وجد ذلك، وقال بعضهم: لم يوجد (ذلك) وهو الأقوى عندي لأن الأصل عدم ذلك فمن ادعى وجوده فعليه الدليل.
قالوا: (والدليل على وجوده) أشياء:
٩٨٣ - منها (أن آية) الحبس في حق الزاني نسخت بقوله ﷺ: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب الجلد والرجم".
الجواب: أن هذه الآية شرع فيها الحبس إلى غاية بقوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
فبين الرسول ﷺ (السبيل) بقوله: "قد جعل الله لهن سبيلا" وذلك لا يسمى نسخًا لأن النسخ يرد على ما كان ظاهره الإطلاق.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
فإن قيل: الأحكام (المطلقة) كلها مقيدة بالنسخ أو العجز.
(قلنا ذلك) يشترط فيها تجويزًا لا باللفظ لأن العبادة المقدرة بمدة (باللفظ) لا يسمى انقضاء مدتها نسخا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ /٩٨ ب لا يجعل دخول الليل نسخًا.
جواب آخر: أن الآية نسخت في الجلد بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وفي (الرجم) بقوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة".
فإن قيل: ذلك ليس بقرآن ولهذا قال عمر ﵁: "لولا أن يقول الناس زاد عمر في المصحف لكتبت في حاشيته، "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة".
قلنا: ذلك كان قرآنا ونسخ رسمه فقال عمر: لولا أن يقال زاد في القرآن الثابت الرسم لكتبت ذلك.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
٩٨٤ - ومنها قوله تعالى: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ نسخها النبي ﷺ بقوله: "لا وصية لوارث".
الجواب: أنها نسخت بآية المواريث وبيان سهام الوالدين والأقربين، كذا روى عن ابن عمر وابن عباس ﵄ ولهذا قال ﷺ: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث".
٩٨٥ - ومنها قوله تعالى: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فأمر النبي ﷺ بقتل ابن خطل (وكان) متعلقًا بأستار الكعبة.
الجواب: أن ذلك نسخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
[ ٢ / ٣٨١ ]
٩٨٦ - فصل: (فأما) نسخ القرآن والسنة المتواترة (بأخبار الآحاد) فإنه لا يجوز شرعًا ويجوز عقلًا وهو قول أكثر العلماء. وقال بعض أهل الظاهر ويجوز شرعًا أيضًا.
٩٨٧ - لنا أن الصحابة كانت تترك أخبار الآحاد في المواضع التي ترفع حكم الكتاب، قال عمر ﵁: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت".
٩٨٨ - دليل آخر: أن الكتاب والمتواتر معلوم بدليل مقطوع به فلا يرفع بما هو مظنون كما لا يرفع بالقياس.
فإن قيل: الحكم بأخبار الآحاد معلوم بدليل قاطع.
الجواب: أن العمل بها معلوم في الجملة، فأما في الموضع الذي يرد حكم الكتاب فالعمل بها غير معلوم والإجماع يرد ذلك.
٩٨٩ - احتج المخالف بأنه إذا جاز تخصيص القرآن بأخبار الآحاد فكذلك النسخ.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
الجواب: أن التخصيص بيان المراد باللفظ العام، والنسخ رفع (حكم) ما اقتضى اللفظ دوامه (وبقاءه)، ولهذا لا يجوز النسخ بالقياس ويجوز التخصيص بالقياس.
٩٩٠ - احتج بأن ذلك قد وجد في الشرع قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ﴾ فنسخه (بالنهي) عن كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير.
الجواب: عن قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ معناه إلى الآن ولا يتناول ما بعد ذلك (ولا يكون نهيه ﵇ بعد ذلك) نسخًا.
على أن الآية دلت على إباحة ما عدا المذكور من طريق العموم فورد الخبر بتخصيصه.
٩٩١ - احتج بأن الله تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وورد الخبر بتحريم الجمع بين المرأة وخالتها وعمتها، فكان ذلك نسخًا.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
الجواب: أن ذلك تخصيص وليس بنسخ.
(وقد قيل): إن ذلك تلقى بالقبول فجرى مجرى التواتر في جواز وقوع النسخ به.
٩٩٢ - احتج بأن أهل قباء تحولوا عن القبلة بخبر الواحد. الجواب: أنه (يجوز) أن يكون قد وعدهم النبي ﷺ بذلك وقال: إذا جاءكم رسولي فاعلموا أن الله تعالى قد نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة فتحولوا لذلك لا لخبر الواحد. على (أن) ما ذكروه قد قيل كان (جائزًا) في صدر الإسلام ثم منع منه.
وفي هذه المسألة نظر لأن دليل المخالف فيها قوى (ظاهر) والله أعلم.