ولنقدم عَلَيْهِ قاعدتين
إِحْدَاهمَا الْجُمْهُور على أَن الْعَرَب وضعت للْعُمُوم صيغا تخصه فَإِن اسْتعْمل للخصوص كَانَ مجَازًا
وَعكس جمَاعَة
وَقَالَ القَاضِي اللَّفْظ مُشْتَرك بَينهمَا
وَاخْتَارَ الْآمِدِيّ التَّوَقُّف
وَقيل بالتوقف فِي الْأَخْبَار والوعد والوعيد دون الْأَمر وَالنَّهْي
الثَّانِيَة
الْفرق بَين الْكُلِّي وَالْكل والكلية والجزئي والجزء والجزئية
فَأَما الْكُلِّي أَي بِالْيَاءِ فِي آخِره فَهُوَ الْمَعْنى الَّذِي يشْتَرك فِيهِ
[ ٢٩٧ ]
كَثِيرُونَ كَالْعلمِ وَالْجهل وَالْإِنْسَان وَالْحَيَوَان وَاللَّفْظ الدَّال عَلَيْهِ يُسمى مُطلقًا
والجزئي قسيمة كزيد وَعَمْرو
وَأما الْكل فَهُوَ الْمَجْمُوع من حَيْثُ هُوَ مَجْمُوع وَمن ذَلِك أَسمَاء الْأَعْدَاد فَإِن ورد فِي النَّفْي أَو النَّهْي صدق بِالْبَعْضِ لِأَن مَدْلُول الْمَجْمُوع يَنْتَفِي بِهِ وَلَا يلْزم نفي جَمِيع الْأَفْرَاد وَلَا النَّهْي عَنْهَا فَإِذا قَالَ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي عشرَة فقد يكون عِنْده تِسْعَة بِخِلَاف الثُّبُوت فَإِنَّهُ يدل على الْأَفْرَاد بالتضمن
والجزء بعض الشَّيْء
وَأما الْكُلية فَهِيَ ثُبُوت الحكم لكل وَاحِد بِحَيْثُ لَا يبْقى فَرد وَيكون الحكم ثَابتا للْكُلّ بطرِيق الإلتزام
وتقابلها الْجُزْئِيَّة وَهِي الثُّبُوت لبَعض الْأَفْرَاد فَإِذا قَالَ كل رجل ليشبعه رغيفان غَالِبا صدق بِاعْتِبَار الْكُلية دون الْكل
أَو كل رجل يحمل الصَّخْرَة الْعَظِيمَة فبالعكس
[ ٢٩٨ ]
إِذا تقرر ذَلِك فَنَقُول دلَالَة الْعُمُوم على أَفْرَاده كُلية أَي تدل على كل وَاحِد دلَالَة تَامَّة ويعبر عَنهُ ايضا بالكلي التفصيلي والكلي العددي وَلَيْسَت من بَاب الْكل أَي الْهَيْئَة الاجتماعية الْمعبر عَنهُ أَيْضا بالكلي المجموعي
قَالَ الْقَرَافِيّ لِأَنَّهَا لَو كَانَت من بَاب الْكُلِّي المجموعي لتعذر الِاسْتِدْلَال بهَا فِي النَّفْي على الْبَعْض كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمَا رَبك بظلام للعبيد﴾ وَكَذَلِكَ فِي النَّهْي كَقَوْلِه ﴿وَلَا تقربُوا الزِّنَى﴾ ﴿وَلَا تقتلُوا أَوْلَادكُم﴾ كَمَا لَو قَالَ قَائِل مَا جَاءَنِي عشرَة أَو لَا تضرب الْعشْرَة فَإِنَّهُ لَا يلْزم مِنْهُ النَّفْي أَو النَّهْي عَمَّا دونهَا بِخِلَاف الْإِثْبَات
قلت وَهَذَا الْإِطْلَاق لَيْسَ بجيد بل نسلم ونقول إِن أل الدَّاخِلَة على الْجمع نعم أَفْرَاد مَا دخلت عَلَيْهِ وَهُوَ الجموع كَمَا أَنَّهَا إِذا دخلت على اسْم الْجِنْس عَمت أَفْرَاده وَهِي الْمُفْردَات وَإِذا اثبتنا النَّفْي لكل فَرد من أَفْرَاد الجموع فَلَا يلْزم نفي الْوَاحِد والاثنين
[ ٢٩٩ ]
إِذا تقرر ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة المشكلة عَلَيْهَا
١ - إِذا قَالَ الْجَمَاعَة بيعوا هَذِه السّلْعَة أَو وكلتكم فِي بيعهَا أَو وكلت فلَانا وَفُلَانًا أَو قَالَ اوصيتكم على اولادي أَو قَالَت الْمَرْأَة لأوليائها الَّذين فِي دَرَجَة وَاحِدَة زوجوني فَالْأَصَحّ فِي الْجَمِيع كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ اشْتِرَاط الِاجْتِمَاع
وَلَو قَالَ وَالله لَا أكلم الزيدين أَو لَا ألبس هَذِه الثِّيَاب أَو لَا آكل هَذِه الرغفان أَو عبر بالمثنى كالثوبين والرغيفين والزيدين فَلَا يَحْنَث إِلَّا بِالْجَمِيعِ كَذَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي النَّوْع الثَّانِي من أَنْوَاع الْمَحْلُوف عَلَيْهِ
وَذكر ايضا أَعنِي الرَّافِعِيّ هُنَا فروعا يَنْبَغِي مَعْرفَتهَا لاشتباهها وَلِأَن الْحِوَالَة أَيْضا تقع عَلَيْهَا قَرِيبا فَقَالَ
١ - لَو قَالَ لَا اكلم زيدا وعمرا أَو لَا آكل اللَّحْم وَالْعِنَب لم يَحْنَث إِلَّا بأكلهما وبكلامهما كَمَا لَو قَالَ لَا اكلهما وَلَو كرر لَا فَقَالَ لَا أكلم زيدا وَلَا عمرا فهما يمينان وَلَا تنْحَل إِحْدَاهمَا بِالْحِنْثِ فِي الْأُخْرَى وَلَو قَالَ لَا أكلم أَحدهمَا أَو قَالَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَيحنث بِكَلَام الْوَاحِد وتنحل الْيَمين حَتَّى لَا يَحْنَث بِكَلَام الآخر
ثمَّ نقل الرَّافِعِيّ عَن الْمُتَوَلِي أَن الْإِثْبَات كَذَلِك فَإِذا قَالَ لألبسن هَذَا الثَّوْب وَهَذَا الثَّوْب فهما يمينان لوُجُود حرف الْعَطف قَالَ
[ ٣٠٠ ]
الرَّافِعِيّ وَفِيه نظر فقد سبق أَن قَوْله لَا آكل اللَّحْم وَالْعِنَب وَنَحْو ذَلِك يَمِين وَاحِدَة مَعَ وجود حرف الْعَطف فِيهِ وَلَو آتِي فِي النَّفْي بِأَو فَقَالَ لَا ادخل هَذِه أَو هَذِه فأيتهما دَخلهَا حنث كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر الْبَاب عَن الْحَنَفِيَّة ثمَّ قَالَ وَيُشبه أَن يُقَال يَكْفِي للبر أَن لَا يدْخل وَاحِدَة مِنْهُمَا وَلَا يضر دُخُول الْأُخْرَى
وَلَو قَالَ لَا أكلم كل وَاحِد مِنْهُمَا فَسَيَأْتِي
٢ - وَمِنْهَا إِذا حلف لَا يَأْكُل رطبا أَو بسرا فَأكل منصفا قَالُوا إِنَّه يَحْنَث وعللوه بِأَن الْمنصف ليشتمل عَلَيْهِمَا وَلَكِن الرطب جمع رطبَة كَمَا صرح بِهِ الْجَوْهَرِي وَغَيره والبسر مثله وَقد نَص الْجَوْهَرِي ايضا على أَن الْعِنَب جمع عنبه وَهُوَ مثلهمَا وَذكر النَّوَوِيّ فِي لُغَات التَّنْبِيه نَحوه ايضا
٣ - وَمِنْهَا قَالَ وَالله لَا ألبس حليا فَلبس فَردا مِنْهُ كخاتم أَو سوار وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ يَحْنَث مَعَ أَن الْحلِيّ بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام مُفْرد وَجمعه حلي بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْيَاء وَفِيه لُغَة بِكَسْر الْحَاء ووزنه على اللغتين فعول فَإِن فعلا يجمع على فعول
[ ٣٠١ ]
كفلس وفلوس وَأَصله حلوي اجْتمعت الْيَاء وَالْوَاو وَسبق أَحدهمَا بِالسُّكُونِ فقلبنا الْوَاو يَاء وأدغمنا على الْقَاعِدَة التصريفية ثمَّ كسرنا اللَّام لما فِي الِانْتِقَال من الضمة إِلَى الْيَاء من الْعسر ثمَّ اجازوا مَعَ ذَلِك كسر الْحَاء اتبَاعا للام وَمَا ذَكرْنَاهُ من الحكم بِالْحِنْثِ فِي الْوَاحِد هُوَ مَذْكُور مَعَ كَون الْحلِيّ الْمَذْكُور فِي صُورَة الْمَسْأَلَة هُوَ الْمَجْمُوع وَهُوَ المتداول على أَلْسِنَة حفاظ التَّنْبِيه وَغَيره وَقد سبق أَن الْحلف على الْمَجْمُوع لَا يَحْنَث فِيهِ بِبَعْضِه