إِذا امْتنع الْجمع بَين مدلولي الْمُشْتَرك لم يجز اسْتِعْمَاله فيهمَا مَعًا وَذَلِكَ كاستعمال لفظ افْعَل فِي الْأَمر بالشَّيْء والتهديد عَلَيْهِ إِذا جَعَلْنَاهُ مُشْتَركا بَينهمَا لِأَن الْأَمر يَقْتَضِي التَّحْصِيل والتهديد يَقْتَضِي
[ ١٧٣ ]
التّرْك وَعبر فِي الْمِنْهَاج عَن ذَلِك بالمعاني المتضادة وَهُوَ تَعْبِير غير مُسْتَقِيم
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - مَا إِذا قَالَ لغيره أَنْت تعلم أَن العَبْد الَّذِي فِي يَدي حر فَإنَّا نحكم بِعِتْقِهِ لِأَنَّهُ قد اعْترف بِعِلْمِهِ وَلَو لم يكن حرا لم يكن الْمَقُول لَهُ عَالما بحريَّته
وَلَو قَالَ أَنْت تظن أَنه حر لم يحكم بِعِتْقِهِ لِأَنَّهُ قد يكون مخطئا فِي ظَنّه
فَلَو قَالَ أَنْت ترى فَيحْتَمل الْعتْق وَعَدَمه لِأَن الرُّؤْيَة تطلق على الْعلم وعَلى الظَّن كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ قبيل كتاب التَّدْبِير عَن الرَّوْيَانِيّ وَأقرهُ وَقَالَ النَّوَوِيّ الصَّوَاب عدم الْوُقُوع وَالَّذِي قَالَه وَاضح لَكِن الْقيَاس أَنه يُرَاجع إِن أمكنت مُرَاجعَته
نعم قَالُوا فِي الْإِقْرَار إِن قَول الْمقر عَبدِي لزيد بَاطِل وَقِيَاسه بطلَان هَذَا أَيْضا وَلَو قيل يَصح فِي الْجَمِيع حملا للفظ على الْمجَاز وَأَنه كَانَ قبل ذَلِك لَهُ لم يكن بَعيدا
٢ - وَمِنْهَا إِذا أسلم على أَكثر من أَربع نسْوَة وخيرناه فَقَالَ لوَاحِدَة مِنْهُنَّ فارقتك فَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب يكون ذَلِك اخْتِيَارا
[ ١٧٤ ]
للزوجية ثمَّ تطلق لِأَنَّهُ صَرِيح فِي الطَّلَاق وَالطَّلَاق يسْتَلْزم الزَّوْجِيَّة فَأشبه مَا لَو قَالَ طَلقتك وَالأَصَح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ أَنه فسخ للنِّكَاح كَقَوْلِه اخْتَرْت قطع نكاحك وَلَيْسَ بِطَلَاق قَالَ ابْن الصّباغ فَيكون حَقِيقَة فيهمَا وَلَكِن يخصص بالموضع الَّذِي يَقع فِيهِ
قلت وَالْأَمر كَمَا قَالَه ابْن الصّباغ من كَونه على هَذَا التَّقْدِير مُشْتَركا وَلَكِن بَين مَعْنيين متضادين فَإِن أَحدهمَا يَقْتَضِي اخْتِيَارهَا للنِّكَاح وَالْآخر يَقْتَضِي خِلَافه فَلَا يَصح الإعمال فيهمَا وَلَا الْحمل عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا متنافيان فَيَنْبَغِي أَن لَا يحمل على أَحدهمَا إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَدَعوى ابْن الصّباغ أَنه يخصص بالموضع ضَعِيف لِأَن الْموضع هُنَا صَالح لَهما فالحمل على الْفَسْخ تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح
هَذَا هُوَ مُقْتَضى الْقَوَاعِد فَيَنْبَغِي حمل كَلَام الرَّافِعِيّ عَلَيْهِ ثمَّ إِن لفظ الْفِرَاق حَقِيقَة فِي بَابه وَهُوَ الطَّلَاق وَوجد نفاذا فِي مَوْضُوعه فَلَا يَنْبَغِي أَن يقبل صرفه إِلَى غَيره بِالنِّيَّةِ
٣ - وَمِنْهَا شرى يسْتَعْمل حَقِيقَة بِمَعْنى اشْترى وَبِمَعْنى بَاعَ كقرله تَعَالَى إِخْبَارًا عَن إخْوَة يُوسُف ﵇ ﴿وشروه بِثمن بخس﴾ أَي باعوه والتحصيل والإزالة مَعْنيانِ متضادان ويتضح تَصْوِيره فِي رجل وكل وكيلين بِبيع سلْعَة فخاطب أَحدهمَا صَاحبه بِهَذَا اللَّفْظ فَيحْتَمل أَن يكون لقصد الشِّرَاء مِنْهُ وَأَن يكون لقصد البيع فيتميز بِالنِّيَّةِ
[ ١٧٥ ]