إِذا تردد اللَّفْظ الصَّادِر من الشَّارِع بَين أُمُور فَيحمل أَولا على الْمَعْنى الشَّرْعِيّ لِأَنَّهُ ﵊ بعث لبَيَان الشرعيات فَإِن تعذر حمل على الْحَقِيقَة الْعُرْفِيَّة الْمَوْجُودَة فِي عَهده ﵊ لِأَن التَّكَلُّم بالمعتاد عرفا أغلب من المُرَاد عِنْد أهل اللُّغَة فَإِن تعذر حمل على الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة لتعينها بِحَسب الْوَاقِع
وَحكى الْآمِدِيّ فِي تعَارض الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة واللغوية مَذَاهِب
أَحدهَا هَذَا وَصَححهُ ابْن الْحَاجِب
وَالثَّانِي يكون مُجملا
وَالثَّالِث قَالَه الْغَزالِيّ إِن ورد فِي الْإِثْبَات حمل على الشَّرْعِيّ
[ ٢٢٨ ]
كَقَوْلِه ﵊ إِنِّي إِذن أَصوم حَتَّى يسْتَدلّ بِهِ على صِحَة النَّفْل بنية من النَّهَار وَإِن ورد فِي النَّهْي كَانَ مُجملا كنهيه ﵊ عَن صَوْم يَوْم النَّحْر فَإِنَّهُ لَو حمل على الشَّرْع دلّ على صِحَّته لِاسْتِحَالَة النَّهْي عَمَّا لَا يتَصَوَّر وُقُوعه بِخِلَاف مَا إِذا حمل على اللّغَوِيّ
قَالَ الْآمِدِيّ وَالْمُخْتَار أَنه إِن ورد فِي الْإِثْبَات حمل على الشَّرْعِيّ لِأَنَّهُ مَبْعُوث لبَيَان الشرعيات وَإِن ورد فِي النَّهْي حمل على اللّغَوِيّ للاستحالة الْمُتَقَدّمَة
وَمَا ذكرَاهُ من أَن النَّهْي يسْتَلْزم الصِّحَّة قد أنكراه بعد ذَلِك وضعفا قَائِله
فان تعذر كل ذَلِك فَيحمل على الْمَعْنى الْمجَازِي صونا للفظ عَن
[ ٢٢٩ ]
الإهمال وَسَيَأْتِي إيضاحه وتفريعه
وَأما اللَّفْظ الصَّادِر من غير الشَّارِع فَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي الطّرف السَّابِع من تَعْلِيق الطَّلَاق إِنَّه إِذا تعَارض الْمَدْلُول اللّغَوِيّ والعرفي فَكَلَام الْأَصْحَاب يمِيل إِلَى اعْتِبَار الْوَضع وَالْإِمَام وَالْغَزالِيّ يريان اتِّبَاع الْعرف ثمَّ ذكر بعده بأسطر مثله فَقَالَ الْأَصَح وَبِه أجَاب الْمُتَوَلِي مُرَاعَاة اللَّفْظ فَإِن الْعرف لَا يكَاد يَنْضَبِط ذكره فِي أول الْفَصْل الْمَعْقُود للألفاظ الْوَاقِعَة عِنْد مخاصمة الزَّوْجَيْنِ ومشاتمتها وَمِنْه قَول الْفُقَهَاء مَا لَيْسَ لَهُ ضَابِط فِي الشَّرْع وَلَا فِي اللُّغَة يرجع فِيهِ إِلَى الْعرف فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَأْخِير الْعرف عَن اللُّغَة وَهُوَ صَحِيح إِذا حمل على مَا ذَكرْنَاهُ فتفطن لما ذكرته فَإِن كثيرا من النَّاس قد اشْتبهَ عَلَيْهِ ذَلِك وَظن الِاتِّحَاد فِي التَّصْوِير وَالِاخْتِلَاف فِي الْجَواب
وَهَذَا كُله إِذا كثر اسْتِعْمَال الشَّرْعِيّ والعرفي بِحَيْثُ صَار يسْبق
[ ٢٣٠ ]
أَحدهمَا دون اللّغَوِيّ فَإِن لم يكن فَإِنَّهُ يكون مُشْتَركا لَا يتَرَجَّح إِلَّا بِقَرِينَة قَالَه فِي الْمَحْصُول لَكِن مَذْهَب الشَّافِعِي حمل الْمُشْتَرك على معنييه وَحِينَئِذٍ فَإِذا أمكن ذَلِك هُنَا وَجب الْمصير إِلَيْهِ
إِذا علمت ذَلِك فللمسألة فروع
أَحدهَا إِذا قَالَ إِن كَانَ فِي بَيْتِي نَار فَأَنت طَالِق وَفِيه سراج فَإِنَّهَا تطلق كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي آخر تَعْلِيق الطَّلَاق عَن زيادات الْعَبَّادِيّ وارتضاه
الثَّانِي إِذا قَالَ إِن ضمنت لي ألفا فَأَنت طَالِق وَكَانَ لَهُ هَذَا الْقدر على غَيره فَقَالَت الْمَرْأَة ضمنت لَك الْألف الَّتِي على فلَان مثلا فَيَنْبَغِي وُقُوع الطَّلَاق حملا للفظ على حَقِيقَته الشَّرْعِيَّة والعرفية وَيبقى النّظر فِي أَنه هَل يَقع رَجْعِيًا أم بَائِنا وَلَكنهُمْ حملُوا اللَّفْظ على الْتِزَام ذَلِك فِي الذِّمَّة كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق على الف
الثَّالِث إِذا قَالَت الْمَرْأَة طَلقنِي وَلَك عَليّ ألف فَإِن طَلقهَا اسْتحق الْألف وَإِلَّا فَلَا مَعَ أَن مُقْتَضى الْكَلَام اسْتِحْقَاق الْألف سَوَاء أطلق أم لَا فَإِنَّهَا سَأَلت الطَّلَاق إِلَّا أَن الْعرف يَقْتَضِي الِالْتِزَام
[ ٢٣١ ]
فَإِن قيل لم تسلكوا هَذَا الْمَعْنى فِي عَكسه وَهُوَ قَول الزَّوْج أَنْت طَالِق وَعَلَيْك ألف بل أوقعوا الطَّلَاق رَجْعِيًا وَلم يوجبوا عَلَيْهَا شَيْئا قبلت ام لَا
وَالْجَوَاب أَن ذَلِك قد عَارضه اسْتِقْلَال الزَّوْج بِالطَّلَاق وَقد أوقعه
الرَّابِع إِذا قَالَ وَالله لَا أشْرب نبيذا فَشرب الفقاع وَنَحْوه مِمَّا يُسمى نبيذا فِي اللُّغَة وَلَا يُسمى بذلك فِي الْعرف وَقد وَردت هَذِه الْمَسْأَلَة عَليّ من الْيمن فِي جملَة مسَائِل وَحكمهَا يعرف مِمَّا ذكرته
الْخَامِس ولنقدم عَلَيْهِ أَن اشتهار الشَّخْص باسم غير الَّذِي سَمَّاهُ أَبَوَاهُ بِمَثَابَة تعَارض الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة والعرفية
أذا تقرر هَذَا فَكَانَ لَهُ زوجتان إِحْدَاهمَا فَاطِمَة بنت مُحَمَّد وَالْأُخْرَى فَاطِمَة بنت رجل سَمَّاهُ أَبَوَاهُ ايضا مُحَمَّدًا إِلَّا أَنه اشْتهر فِي النَّاس ب زيد وَلَا يَدعُونَهُ إِلَّا بذلك فَقَالَ الزَّوْج زَوْجَتي فَاطِمَة مُحَمَّد طَالِق وَقَالَ أردْت بنت الَّذِي يَدعُونَهُ زيدا قَالَ القَاضِي شُرَيْح الرَّوْيَانِيّ فِي معلقاته قَالَ جدي أَبُو الْعَبَّاس الرَّوْيَانِيّ يقبل لِأَن الِاعْتِبَار بِتَسْمِيَة أَبَوَيْهِ وَقد يكون للرجل اسمان فَأكْثر وَقيل
[ ٢٣٢ ]
الِاعْتِبَار بِالِاسْمِ الْمَشْهُور فِي النَّاس لِأَنَّهُ ابلغ فِي التَّعْرِيف كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ فِي الْكَلَام على الْكِنَايَات وَتقدم أَيْضا فِي الْفَصْل السَّادِس نَقله عَنهُ
وَقَرِيب من هَذِه الْمَسْأَلَة مَا ذكره أَيْضا قبيل هَذَا الْموضع بِنَحْوِ ورقة عَن فَتَاوَى الْقفال أَن زَوجته لَو كَانَت تنْسب إِلَى زوج أمهَا فَقَالَ بنت فلَان طَالِق لم تطلق لِأَنَّهَا لَيست ببنته حَقِيقَة وَلغيره فِي هَذَا احْتِمَال زَاد فِي الرَّوْضَة فَقَالَ يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن نَوَاهَا طلقت وَلَا يضر الْغَلَط فِي نَسَبهَا كَنَظِيرِهِ من النِّكَاح وَإِلَّا فَلَا وَمُرَاد الْقفال بقوله لم تطلق أَي فِي الظَّاهِر وَأما الْبَاطِن فَيتَعَيَّن أَن يكون كَمَا ذكرته انْتهى كَلَامه
السَّادِس إِذا اوصى بالدابة أعطي لَهُ فرسا أَو بغلا أَو حمارا وَإِن كَانَت الدَّابَّة فِي اصل اللُّغَة لكل مَا دب أَي لكل مَا فِيهِ حَيَاة وحركة وَمِنْه قَول الْعَرَب أكذب من دب ودرج أَي أكذب الْأَحْيَاء والأموات من قَوْلهم درج بالوفاة قَالَه
[ ٢٣٣ ]
الْجَوْهَرِي فَإِذا لم يكن لَهُ فرس وَلَا بغل وَلَا حمَار وَقَالَ أَعْطوهُ دَابَّة من دوابي وَله حيوانات أُخْرَى كَانَت الْوَصِيَّة بَاطِلَة كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ وَفِيه مَا سبق من الْإِشْكَال
السَّابِع إِذا قَالَ لزوجته أَنْت طَالِق يَوْم يقدم زيد فَقدم لَيْلًا فَالْمَذْهَب أَنه لَا يَقع الطَّلَاق لِأَن الْمُتَبَادر إِلَى الْفَهم من لفظ الْيَوْم إِنَّمَا هُوَ مَا بَين طُلُوع الْفجْر إِلَى الْغُرُوب وَقيل يَقع لِأَن الْيَوْم يُطلق للقطعة من الزَّمَان أَيْضا وَمِنْه قَول الشَّاعِر
فَيوم علينا وَيَوْم لنا وَيَوْم نسَاء وَيَوْم نسر
وَقد سبق هَذَا الْفَرْع ايضا فِي الْفَصْل السَّادِس وَكَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة نَحوه
الثَّامِن إِذا حلف لَا يَأْكُل ميتَة فَأكل سمكًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَث كَمَا صَححهُ الرَّافِعِيّ وَعلله بِالْعرْفِ وَأَيْضًا فَإِن الْميتَة هُوَ مَا لم يذبح
[ ٢٣٤ ]
مِمَّا يجب ذبحه وَلَو حلف لَا يَأْكُل دَمًا لم يَحْنَث بالكبد وَالطحَال جزما
التَّاسِع إِذا قَالَ أَنْت طَالِق وَعَلَيْك ألف وشاع فِي الْعرف اسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظ فِي طلب الْعِوَض وإلزامه فَقَالَ الْمُتَوَلِي يكون ذَلِك كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق على ألف كَذَا نَقله عَنهُ الرَّافِعِيّ فِي الشرحين بعد أَن أطلق القَوْل بِوُقُوع الطَّلَاق رَجْعِيًا وَلَا شَيْء على الْمَرْأَة
وَمن فروعها مَا ذكره الْعَبَّادِيّ فِي الزِّيَادَات أَنه لَو رأى شَيْئا ثمَّ اتهمه غَيره بسرقته فَقَالَ وَالله مَا سَرقته وَلَا رَأَيْته لم يَحْنَث قَالَ لِأَن مُقْتَضَاهُ نفي الرُّؤْيَة وَقت السّرقَة
وَفِيمَا قَالَه نظر لَكِن الظَّاهِر فِي الْعرف مَا ذكره
الْعَاشِر الْأَلْفَاظ الْمَذْكُورَة فِي تَعْلِيق الطَّلَاق على إِثْبَاتهَا ونفيها فَمِنْهَا الخسيس قَالَ أَبُو الْحسن الْعَبَّادِيّ هُوَ من بَاعَ دينه بدنياه وأخس الأخساء من بَاعَ دينه بدنيا غَيره كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ عَنهُ ثمَّ قَالَ وَيُشبه أَن يُقَال إِنَّه من يتعاطى فِي الْعرف مَا لَا يَلِيق بِحَالهِ لشدَّة بخله
وَمِنْهَا السَّفِيه قَالَ الرَّافِعِيّ يُمكن أَن يحمل على مَا يُوجب الْحجر
قلت وَالْمُتَّجه أَن ينظر إِلَى السِّيَاق فَإِن كَانَ فِي معرض الْإِسْرَاف أَو بذاءة اللِّسَان فَلَا كَلَام وَإِن لم يظْهر شَيْء من ذَلِك فَيَأْتِي مَا ذكره الرَّافِعِيّ
وَمِنْهَا الْبَخِيل نقل الرَّافِعِيّ أَن صَاحب التَّتِمَّة قَالَ إِنَّه من لَا يُؤَدِّي الزَّكَاة وَلَا يقري الضَّيْف فِيمَا قيل وَمُقْتَضى كَلَامه أَنه لوأتى بِأَحَدِهِمَا لم يكن بَخِيلًا مَعَ أَن الْعرف يَقْتَضِي الثَّانِي خَاصَّة
[ ٢٣٥ ]
وَمن فروع الْقَاعِدَة أَيْضا مَا اذا قَالَت لَهُ زَوجته يَا خسيس وَنَحْو ذَلِك فَقَالَ إِن كنت كَذَا فَأَنت طَالِق فَإِن قصد التَّعْلِيق فَوَاضِح وان قصد الْمُكَافَأَة طلقت مستثنيا كَانَ أم لَا وَمعنى الْمُكَافَأَة أَن يُرِيد أَن يغيظها بِالطَّلَاق كَمَا غاظته بالشتم فَكَأَنَّهُ يَقُول تزعمين أَنِّي كَذَا فَأَنت طَالِق لأجل ذَلِك فَإِن لم يقْصد شَيْئا مِنْهُمَا فَهُوَ للتعليق فَإِن عَم الْعرف فِي الْمُكَافَأَة فَهَل المرعي الْوَضع أَو الْعرف فِيهِ وَفِي سَائِر التعليقات خلاف وَالأَصَح كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ فِي بَاب تَعْلِيق الطَّلَاق مُرَاعَاة الْوَضع