هَل يَصح تَعْلِيق التَّكْلِيف بايقاع الْفِعْل مِمَّن لَا يفهم ويعبر عَنهُ بالغافل كَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُون والنائم وَغَيرهم
فِيهِ خلاف مَبْنِيّ على التَّكْلِيف بالمحال
فَإِن منعنَا ذَلِك منعنَا هَذَا بطرِيق الأولى
وَإِن جوزناه فللأشعري هَهُنَا قَولَانِ نقلهما ابْن التلمساني وَغَيره قَالُوا وَالْفرق أَن التَّكْلِيف هُنَاكَ فِيهِ فَائِدَة وَهِي ابتلاء الشَّخْص واختباره وَفرقُوا بَين التَّكْلِيف بالمحال وتكليف الْمحَال أَي بِإِسْقَاط الْبَاء فَقَالُوا
[ ١١٢ ]
الأول أَن يكون الْخلَل رَاجعا إِلَى الْمَأْمُور بِهِ وَالثَّانِي ضابطه رُجُوع الْخلَل إِلَى الْمَأْمُور نَفسه كتكليف الغافل
إِذا علمت ذَلِك فَمن فروع الْمَسْأَلَة
١ - أَن السَّكْرَان هَل هُوَ مُكَلّف حَتَّى تصح تَصَرُّفَاته كلهَا سَوَاء كَانَت لَهُ أَو عَلَيْهِ وَإِقَامَة الْحُدُود عَلَيْهِ والتعازير وَنَحْو ذَلِك أم لَا
فِيهِ ثَلَاثَة أوجه
الصَّحِيح أَنه مُكَلّف وَحكمه حكم الصاحي فِي هَذِه الْأُمُور كلهَا
وَثَانِيها لَا
وَثَالِثهَا يصلح مَا عَلَيْهِ دون مَاله مُؤَاخذَة وتغليظا
وَقد نَص الشَّافِعِي فِي الْأُم فِي بَاب طَلَاق السَّكْرَان على الأول فَقَالَ مَا نَصه فَإِن قَالَ قَائِل فَهَذَا مغلوب على عقله وَالْمَرِيض وَالْمَجْنُون مغلوب على عقله
قيل الْمَرِيض مأجور وَيكفر عَنهُ بِالْمرضِ مَرْفُوع عَنهُ الْقَلَم إِذا ذهب عقله وَهَذَا إِثْم مَضْرُوب على السكر غير مَرْفُوع عَنهُ الْقَلَم فَكيف يُقَاس من عَلَيْهِ الْعقَاب بِمن لَهُ الثَّوَاب
[ ١١٣ ]
هَذَا لَفظه بِحُرُوفِهِ وَمن الْأُم نقلته وَنَقله أَيْضا الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر
وَهَذَا النَّص الَّذِي ذكرته صَرِيح أَيْضا فِي رد مَا قَالَه الشَّيْخ عز الدّين فِي الْقَوَاعِد إِنَّه لَا ثَوَاب على حُصُول المصائب والآلام وَإِنَّمَا الثَّوَاب على الصَّبْر عَلَيْهَا أَو الرضى بهَا فَإِنَّهُ حكم بأجره مَعَ زَوَال عقله
[ ١١٤ ]
وَإِذا علمت مَا ذَكرْنَاهُ علمت أَن الصَّحِيح عِنْد الْفُقَهَاء خلاف مَا صَححهُ الأصوليون
وَقد غلط النَّوَوِيّ فِي مَوَاضِع من الرَّوْضَة وَغَيرهَا غَلطا فَاحِشا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَإِن الرَّافِعِيّ قد قَالَ فِي البيع وَالطَّلَاق وَغَيرهمَا إِنَّه يشْتَرط فِي نفوذها التَّكْلِيف فَاعْترضَ النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا بُد من اسْتثِْنَاء السَّكْرَان فَإِنَّهُ غير مُكَلّف كَمَا بَينه أَصْحَابنَا فِي الْأُصُول وَمَعَ ذَلِك تصح تَصَرُّفَاته على الصَّحِيح
وَالَّذِي قَالَه ذُهُول عَجِيب وغفلة فَاحِشَة فالفقهاء قد قَالُوا بتأثيمه وَإِيجَاب الْحُدُود والتعازير عَلَيْهِ ونفوذ تَصَرُّفَاته كلهَا سَوَاء كَانَت عَلَيْهِ أَو لَهُ فَأَي معنى للتكاليف غير هَذَا
وَحَاصِله أَنه غفل فاشتبهت عَلَيْهِ طَريقَة الْفُقَهَاء بطريقة الْأُصُولِيِّينَ
[ ١١٥ ]