يصرف اللَّفْظ إِلَى الْمجَاز عِنْد قيام الْقَرِينَة وَكَذَلِكَ عِنْد تعذر الْحَقَائِق الثَّلَاث صونا للفظ عَن الإهمال ويعبر عَن ذَلِك بِأَن اعمال اللَّفْظ أولى من الغائه وَهَذَا التَّعْبِير أَعم لما تعرفه
إِذا تقرر هَذَا فللمسألة فروع
أَحدهَا إِذا قَالَ بَنو آدم كلهم أَحْرَار لَا يعْتق عبيده بِخِلَاف مَا إِذا قَالَ عبيد الدُّنْيَا فَإِنَّهُم يعتقون كَذَا رَأَيْته فِي زيادات الْعَبَّادِيّ وَلم يعلله وَسَببه أَن إِطْلَاق الابْن على ابْن الابْن مجَاز فالحقيقة إِنَّمَا هُوَ الطَّبَقَة
[ ٢٣٦ ]
الأولى وهم أَحْرَار بِلَا شكّ بِخِلَاف قَوْله عبيد الدُّنْيَا وَلَا شكّ أَن مَحل ذَلِك عِنْد الْإِطْلَاق فَإِن نوى الْحَقِيقَة وَالْمجَاز صَحَّ على الصَّحِيح وَحمل اللَّفْظ عَلَيْهَا كَمَا سبق فِي مَوْضِعه لَكِن لقَائِل أَن يَقُول فَلم لَا حمل اللَّفْظ على مجازه لتعذر الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ
الثَّانِي إِذا أوصى بِعَين ثمَّ قَالَ هِيَ حرَام على الْمُوصى لَهُ فَإِنَّهُ يكون رُجُوعا على الصَّحِيح وَإِن كَانَ اسْم الْفَاعِل حَقِيقَة فِي الْحَال وَلَا شكّ أَنه فِي الْحَال حرَام لَكنا لَو حملناه على الْحَقِيقَة لعري عَن الْفَائِدَة فحملناه على الْمجَاز
الثَّالِث إِذا قَالَ إِن دخلت الدَّار أَنْت طَالِق فَالْمُتَّجه وُقُوع الطَّلَاق عِنْد الدُّخُول لِأَن إِذا الفجائية تقوم مقَام الْفَاء فِي الرَّبْط لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن تصبهم سَيِّئَة بِمَا قدمت أَيْديهم إِذا هم يقنطون﴾ وَإِن كَانَ يحْتَمل أَن يكون الزَّوْج قد أَتَى بإذا على أَنَّهَا شَرط آخر وَالتَّقْدِير إِن دخلت وَقت وُقُوع الطَّلَاق عَلَيْك حصل كَذَا وَكَذَا وَلم يكمل الْكَلَام إِلَّا أَنه صدنَا عَن ذَلِك ان إِعْمَال اللَّفْظ أولى من إلغائه لذَلِك قدمنَا أَن هَذَا التَّعْبِير أَعم من التَّعْبِير الَّذِي قبله
الرَّابِع إِذا وقف على أَوْلَاده وَلَيْسَ لَهُ الا أَوْلَاد أَوْلَاد فَإِنَّهُ يَصح وَيكون وَقفا عَلَيْهِم كَمَا جزم بِهِ الرَّافِعِيّ
الْخَامِس إِذا أجَاب الْمُدعى عَلَيْهِ بالتصديق صَرِيحًا لَكِن انضمت إِلَيْهِ قَرَائِن تصرفه الى الِاسْتِهْزَاء بالتكذيب كتحريك الرَّأْس الدَّال على شدَّة التَّعَجُّب وَالْإِنْكَار قَالَ الرَّافِعِيّ فَيُشبه أَن يحمل قَول الْأَصْحَاب
[ ٢٣٧ ]
إِن صدقت وَمَا فِي مَعْنَاهَا اقرار على غير هَذِه الْحَالة أَو يُقَال فِيهِ خلاف لتعارض اللَّفْظ والقرينة كَمَا لَو قَالَ لي عَلَيْك ألف فَقَالَ فِي الْجَواب على سَبِيل الِاسْتِهْزَاء لَك عَليّ ألف فَإِن الْمُتَوَلِي قد حكى فِيهِ وَجْهَيْن
السَّادِس اذا قَالَ لهَذَا الْحمل عَليّ ألف وَلم يسْندهُ الى جِهَة صَحِيحَة كَالْوَصِيَّةِ أَو بَاطِلَة كالمعاملة بل أطلق فأصح الْقَوْلَيْنِ صِحَّته لاحْتِمَال الصِّحَّة وَالثَّانِي لَا لِأَن الْغَالِب فِي الدُّيُون حُصُولهَا على الْمُعَامَلَة
السَّابِع إِذا نَاوَلَهُ شمعة مثلا وَقَالَ أعرتكها لتستضيء بهَا فَيحْتَمل الْبطلَان لِأَن شَرط الْمُسْتَعَار أَن لَا يتَضَمَّن اسْتِهْلَاك عين وَالْمُتَّجه الصِّحَّة حملا للفظ على الْإِبَاحَة
الثَّامِن إِذا نذر أَن يهدي إِلَى الْحرم شَيْئا معينا لَا يُمكن نَقله كالبيت وَنَحْوه فَإِنَّهُ يَبِيعهُ وينقل ثمنه لأجل تعذر الْمَدْلُول الْحَقِيقِيّ
التَّاسِع إِذا أَشَارَ إِلَى حَيَوَان لَا تقبل التَّضْحِيَة بِهِ إِمَّا لكَونه معيبا أَو من غير النعم فَهَل يبطل أَو يَصح حملا للفظ على مُطلق الْقرْبَة فِيهِ خلاف تقدم بَسطه فِي أول الْكتاب فِي الْكَلَام على مَا إِذا نسخ الْوُجُوب هَل يبْقى الْجَوَاز
الْعَاشِر إِذا قَالَت الْمَرْأَة لِابْنِ عَمها الَّذِي هُوَ ولي نِكَاحهَا زَوجنِي
[ ٢٣٨ ]
نَفسك حكى الْبَغَوِيّ عَن بعض الْأَصْحَاب أَنه يجوز للْقَاضِي تَزْوِيجه بهَا ثمَّ قَالَ وَعِنْدِي أَنه لَا يجوز لِأَنَّهَا إِنَّمَا أَذِنت لَهُ لَا للْقَاضِي كَذَا حَكَاهُ عَنهُ الرَّافِعِيّ وَلم يزدْ عَلَيْهِ قَالَ فِي الرَّوْضَة الصَّوَاب الْجَوَاز لِأَن مَعْنَاهُ فوض إِلَى من يزوجك إيَّايَ
الْحَادِي عشر إِذا قَالَ عَبدِي أَو ثوبي لزيد فَإِن الْإِقْرَار لَا يَصح لِأَن إِضَافَته إِلَيْهِ تستدعي أَنَّهَا ملكه وَذَلِكَ منَاف لمدلول آخِره كَذَا قَالُوهُ وَلم يحملوه على الْمجَاز بِاعْتِبَار مَا كَانَ أَو بِأَن الْإِضَافَة تصدق بِأَدْنَى ملابسه كَمَا يُقَال هَذِه دَار زيد للدَّار الَّتِي يسكنهَا بِالْأُجْرَةِ وَنَحْو ذَلِك
الثَّانِي عشر إِذا قَالَ لغيره أَنْت تعلم أَن العَبْد الَّذِي فِي يَدي حر فَإنَّا نحكم بِعِتْقِهِ لِأَنَّهُ قد اعْترف بِعِلْمِهِ بذلك فَلَو لم يكن حرا لم يكن الْمَقُول لَهُ عَالما بحريَّته كَذَا نَقله الرَّافِعِيّ قبيل كتاب التَّدْبِير عَن الرَّوْيَانِيّ وَأقرهُ فحملو لفظ العَبْد على الْمجَاز مَعَ أَن مَدْلُوله الْحَقِيقِيّ يُنَاقض مَا بعده كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة وَهُوَ مُشكل عَلَيْهَا وَقد ذكر الرَّافِعِيّ مَعَ هَذَا الْفَرْع فروعا أخر تقدم ذكرهَا فِي الْكَلَام على الْمُشْتَرك لِمَعْنى آخر فَرَاجعهَا
الثَّالِث عشر قَالَ فِي النِّهَايَة فِي كتاب الطَّلَاق عِنْد الْكَلَام على التَّعْلِيق بِالْحيضِ إِذا تردد اللَّفْظ بَين وَجه يحْتَمل الاستحالة
[ ٢٣٩ ]
وَيحْتَمل أمرا مُمكنا فَمن الْأَصْحَاب من لَا يبعد الْحمل على الاستحالة وَمِنْهُم من يُوجب على الامكان حَتَّى لَا يَلْغُو اللَّفْظ
وَمن هَذَا الأَصْل مَا إِذا قَالَ لزوجته وأجنبية إِحْدَاكُمَا طَالِق
الرَّابِع عشر إِذا حلف لَا يشرب مَاء النَّهر فَشرب بعضه فَإِن الصَّحِيح عدم الْحِنْث
الْخَامِس عشر إِذا قَالَ لَهُ عَليّ ألف إِذا جَاءَ رَأس الشَّهْر لم يلْزمه شَيْء على الصَّحِيح مَعَ ظُهُور إِرَادَة التَّأْجِيل فَإِن الْمُؤَجل لَا يجب أَدَاؤُهُ قبل الْحُلُول