يحدثنا الإِمام الأصولي أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة التاسعة عن حقيقة العلم وهو القسم الأول فيقول: "القسم الأول هو الأصل والمعتمد والذي عليه مدار الطلب واليه تنتهي مقاصد الراسخين وذلك ما كان قطعيًا أو راجعًا إلى أصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها كما قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).
لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين وهي الضروريات والحاجيات والتحسينات وما هو مكمل ومتمم لأطرافها وهي أصول الشريعة، وقد قام البرهان القطعي على اعتبارها وسائر الفروع مستندة إليها فلا إشكال في أنها علم أصل راسخ الأساس ثابت الأركان (٢).
_________________
(١) سورة الحجر: آية ٩.
(٢) ١/ ٤٠ - ٤١ الموافقات.
[ ١٧٢ ]
وهذه طريقة جيدة في إثبات قطعية الشريعة ذكرها الشاطبي في أكثر من موضع، هذا أولها، وعرضها في الجزء الثالث، حيث قسم ما تشمله الشريعة إلى قسمين أصليين: الأول: أن يكون قطعيًا، والثاني أن يكون ظنيًا ويرجع إلى أصل قطعي ومثل له بحديث "لا ضرر ولا ضرار" (١) فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى فالضرر مبثوث منعه في الشريعة، وإذا اعتبرت أخبار الأحاد وجدتها كذلك، وهذا خلاف مقصد بعض الأصوليين حيث أقاموا الدليل القطعي على وجوب العمل بخبر الواحد، ومقصود الشاطبي أخص من مقصودهم إذ أنه يقرر أن الشريعة المباركة منها ما هو قطعي ومنها ما هو راجع إلى قطعي فهي قطعية على جمل حال، لأنها إن رجعت إلى قطعي فظاهر كونها قطعية وإن رجعت إلى ظني فإما أن يرجع الظن إلى قطعي أو إلى ظني، فإن رجع إلى قطعي فذاك، وإن لم يرجع إلى قطعي رجع إلى ظني أيضًا، وهذا إن رجع إلى قطعي فبها ونعمت وإن رجع إلى ظني وتسلسل فقد رجع إلى مطلق الظن وما هو حينئذ من الشريعة فمآل الأدلة إذن إلى القطعية (٢). والعلم بالشريعة "مستفاد من الاستقراء العام الناظم لأشتات أفرادها حتى تصير في العقل مجموعة في كليات مطردة عامة ثابتة غير زائلة ولا متبدلة وحاكمة غير محكوم عليها " (٣) ثم يعرض الإِمام الشاطبي هذه الخواص الثلاث وهي:
الخاصية الأولى - العموم والاطراد: بحيث لا يتصور الإِنسان حركة ولا سكونًا إلا والشريعة عليه حاكمة، وقد بينا ذلك فيما سبق بما فيه الكفاية (٤).
ولا يقال: إن في الشريعة أحكامًا خاصة مثل ضرب الدية على العاقلة (٥)
_________________
(١) قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ووافقه الذهبي، المستدرك ٢/ ٥٧.
(٢) ٣/ ٩ - ١٠.
(٣) المصدر السابق ١/ ٤١.
(٤) انظر فصل الشمول ص ١٣٣.
(٥) انظر معناها فيما سبق ص ٧٣.
[ ١٧٣ ]
والصاع في المصراة (١) وأشباه ذلك، لأن هذه الأحكام راجعة إلى حفظ الأصول الحاجية أو التحسينية أو التكميلية فما يُظن خاصًا في ظاهر الأمر هو في حقيقته عام (٢) لأن الشريعة جاءت بحفظ الضروريات وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل هذا معنى كونها عامة، أي جاءت بأحكام تشمل جميع تصرفات المكلفين، ولا يعكر على هذا العموم أن ورد فيها بعض الأحكام الخاصة، لأنّ هذه الأحكام جاءت لحفظ الحاجيات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض والسفر.
وكل ما سبقت الإشارة إليه من الأمثلة إنما جاء ليخدم الضروري الذي هو الأصل، فالشريعة إذا ترجع إلى حفظ مقاصد الخلق (٣) وهذا معنى شمولها كما يقول الإِمام الشاطبي: "فلا عمل يفرض ولا حركة ولا سكون يدعى إلا والشريعة عليه حاكمة أفرادًا وتركيبًا وهذا معنى كونها عامة" (٤) فتصرفات الخلق وأحوال المجتمعات والجماعات إما أن تدخل تحت الضروريات أو الحاجيات والتحسينات، والشريعة جاءت بحفظ هذه المقاصد جميعًا.
الخاصية الثانية - الثبوت من غير زوال: "فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخًا ولا تخصيصًا لعمومها ولا تقييدًا لإطلاقها ولا رفعًا لحكم من أحكامها لا بحسب عموم المكلفين ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون حال، بل ما أثبت سببًا فهو سبب أبدًا لا يرتفع وما كان واجبًا فهو واجب أبدًا، أو مندوبًا فمندوب، وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها
_________________
(١) المصراة هي الدابة إذا تركت حلبها، ويقال في ذلك صريتها تصرية - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٤٠١. وفي البخاري من رواية أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: "لا تصروا الإِبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاع تمر" انظر الفتح ٤/ ٣٦١.
(٢) الموافقات ١/ ٤١.
(٣) المصدر السابق ٢/ ٤ - ٥ - ٦.
(٤) المصدر السابق ١/ ٤١.
[ ١٧٤ ]
ولا تبدل ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك" (١) وهذا التقرير من الإِمام الشاطبي في غاية الإِحكام.
الخاصية الثالثة - كونها حاكمة غير محكوم عليها: ومعنى ذلك أن الله أنزل هذه الشريعة لتحكم الناس جميعًا لا فرق بين كبير وصغير ولا تابع ومتبوع وفي جميع شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. وعليهم أن يخضعوا لأحكامها بقلوبهم وعقولهم وجوارحهم (٢)، وقد ذكرت قول الإِمام الشاطبي في التمهيد كما ذكرت أقوال أئمة السلف ﵏ جميعًا، وفي هذا الموضع يتبين لنا بعد أن عرضت مذهب الصحابة والتابعين وأئمة السلف من بعدهم مستدلين بالواقع العملي للنبي القدوة - ﷺ - وبما جاء به من الوحي على أن هذه الشريعة جاءت لتكون هي الحجة على الخلق في الاعتقاد وسائر الأحكام، وأن الأدلة النقلية الثابتة تقوى على إقامة هذه الحجة على ما بيناه فيما سبق، وأجيب عن اعتراض يمكن يرد على ذهن القارئ ونحتاج إلى الجواب عنه في هذا الموضع ثم نجيب عن الاعتراضات الأخرى عند - عرض مسلك المضعفين للأدلة النقلية - إن شاء الله تعالى.