اعتراضات أخرى وجوابها
١ - إن الخلاف إنما يكون حقيقيًا بين الجمهور القائلين بأن العام حقيقة بعد التخصيص ومن ثم يكون حجة وبين القائلين بأنه مجاز فيكون محتملًا فلا يكون حجة وهو رأي ضعيف والخلاف فيه كذلك، فلا يحتاج من الشاطبي إلى كل هذا الجهد كما يرى الأستاذ دراز -﵀-.
٢ - يقترح أن يعتمد الشاطبي رأي الجمهور وينصره ويرد على المخالف فيقرر أن العام حقيقة فيما قصد ويبقى بعد التخصيص كذلك.
٣ - إن حاصل مذهب الشاطبي أن العام حجة بعد التخصيص ولا يسميه تخصيصًا بل يسميه بيانًا والجمهور يسمونه تخصيصًا وما شنع به على الأصوليين لا معنى له، لأنه يتفق معهم في نهاية الطريق، فإن لزم على رأيهم التساهل بالعمومات وانتفاء جوامع الكلم فكذلك على رأيه لأنه يحتاج إلى مبين والمبين يحتاج إلى فهم لمقاصد العربية ومقاصد الشريعة (١).
واقترح ترتيب مذهب الشاطبي على النحو التالي وذلك بأن يقرن الشاطبي -﵀- مذهبه مع مذهب الجمهور للرد على من نفى الحجية بدعوى
_________________
(١) الموافقات ٣/ ٢٩١ تعليق دراز، وانظر ما قاله الدكتور أديب الصالح تفسير النصوص ٢/ ١١٥، الطبعة الثالثة ١٤٠٤ هـ المكتب الإِسلامي.
[ ٣٣١ ]
المجاز، وهذا الرأي وإن كان ضعيفًا إلّا أنه يوهن الاستدلال بالعمومات، وإن الجوامع لا تكون كذلك إلا إذا كان المعنى محددًا محررًا وهذا لا يتحقق على رأي القائل بالمجاز لأن المجاز محتمل (١).
ونؤيد مطلب الأستاذ دراز بادئ ذي بدء ونتمنى تحقيقه، لأن تجميع الطاقة العلمية وإبعاد الخلاف عن مسائل الدين أمر مطلوب محبوب، ولكن هل يمكن للشاطبي أن يسير مع طريقة المتكلمين حذو القذة بالقذة، وقبل أن نعرض لطريقتهم -وهم القائلون بالظنية وقد اختلفوا بعد ذلك في حجية العام- نشير إلى الجواب عن اعتراضات الأستاذ دراز واقتراحاته بما يناسب هذا الموضع ونسجل الجواب في النقاط الآتية:
١ - إن منهج الشاطبي في دراسة العموم يختلف تمام الاختلاف عن مسلك المتكلمين ومن تابعهم، والخلاف جوهري، يشبه الخلاف بين مسلك المتكلمين ومنهج السلف في الاستدلال، ومن الفوارق بينهما ما يلي:
(أ) مسلك المتكلمين مسلك تجريدي عقلي، ومسلك الشاطبي مبني على طبيعة هذه الشريعة، فهي شريعة ذات مقاصد نزلت بلسان عربي مبين، فالعبرة بالاستعمال والمقاصد، وعمدة الشاطبي راسخة حيث اعتمد على لغة العرب (٢) وهي الحجة البينة في مثل هذه المسألة.
(ب) إن الشاطبي تابع السلف الذين من شأنهم تقوية الأدلة كما تبين لنا عند الحديث عن إفادة الشريعة للعلم، والمتكلمون تابعوا مسلكهم في تضعيف الأدلة ووصفها بالظنية (٣).
٢ - إن الإِمام الشاطبي اعتمد في رد القول بتضعيف العموم والقول بالمخصصات على حقيقة قول الجمهور، فإنهم كما أشار دراز وهو يذكر قول الغزالي لا يدخلون في العموم ما لا يخطر ببال المتكلم وإن البيان للعام لا يسمى
_________________
(١) الموافقات ٣/ ٢٩١ - ٢٩٢ بتعليق دراز.
(٢) انظر ما قاله الأستاذ دراز هامش الموافقات ٣/ ٢٧١ بتحقيقه.
(٣) انظر ما سبق ص ١٨٣ - ١٨٨.
[ ٣٣٢ ]
تخصيصًا إلا تجوزًا (١)، فكيف ينتصر الشاطبي لمسلك المتكلمين وهو يعلم أن ما ذهب إليه هو منهج السلف وعليه تدل اللغة وهو بيان في الحقيقة لا تخصيص حتى عند مخالفيه، وإنما قالوا بتضعيف العمومات وأدخلوا المخصصات عليها ثم اختلفوا في حجيتها بعد تضعيفها بسبب التزامهم طرقًا في الاستدلال ليست مثل الطريق الذي سلكه الإِمام الشاطبي، فكيف ينصرهم على مثل هذا.
والحقيقة -التي سنذب عنها إن شاء الله بالبينة الظاهرة أن الخلاف بين منهج الشاطبي الذي تابع فيه منهج السلف في الاستدلال وبين مسلك المتكلمين يشبه الخلاف بين علماء الكلام وعلماء السلف، وفي هذا التنبيه كفاية في هذا الموضع. وسيأتي له زيادة بيان وتأكيد في المطلب الثاني، وهو عرض طريقة المتكلمين ومناقشتها.