القيود المتفق عليها
القيد الأول "الشرعية":
وهو قيد ثابت في جميع التعريفات سواء فيما ذكرته أو لم أذكره (٥).
والمقصود بهذا القيد إخراج اللغويات والمحسوسات والعقليات، والمقصود بالعقليات: أي ما دل عليه العقل المجرد الذي لا يستند إلى الوحي فهذا ليس من الفقه قطعًا، وعلى هذا فإن الفقه الإِسلامي هو ما اسْتُنْبط من طريق الاجتهاد الشرعي.
القيد الثاني: أن الفقه مُسْتَنْبط من "الأدلة الشرعية التفصيلية" والتقييد
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/ ٦.
(٢) المحصول في علم أصول الفقه ١/ ٩٢، ط ١، ١٣٩٩، لفخر الدين الرازي - تحقيق د. طه جابر العلواني.
(٣) قوله: "بالفعل" أي بالاستدلال، وقوله: "بالقوة القريبة" أي من الفعل أي بالاستدلال أو التهيوء لمعرفتها شرح الكوكب المنير. ١/ ٤١
(٤) المصدر نفسه ١/ ٤١.
(٥) شرح التلوبح ١/ ١٢، الأحكام للآمدي ١/ ٦، المحصول ١/ ٩٢، شرح الكوكب
[ ٦٠ ]
بالتفصيلية يقوي المعنى السابق على إخراج ما لم يؤخذ من الأدلة الشرعية، ويخرج أيضًا ما هو مستنبط من الأدلة الإِجمالية كالمسائل الأصولية (١).
والقيد الثالث: أن الفقه مخصوص بالعمليات، فقيد "العملية" مخرج للأمور الاعتقادية (٢).
القيد الرابع: إن الفقه هو استنباط المجتهدين، وهذا ظاهر في تقيد التعريفات السابقة بهذه القيود "قيد المكتسبة"، قيد "النظر والاستدلال"، كما في الثاني، وبقيد "المستدل على أعيانها" كما في التعريف الثالث، وبقيد "بالفعل أو القوة القريبة" كما في الرابع. ومثلها قول أصحاب الشافعي: "من أدلتها التفصيلية" فإنه لا يأخذ من الأدلة التفصيلية إلا "المكتسب"، و"المستدل" أو "المتهيء لهما" (٣).
فالفقه الاسلامي إذًا هو ما استنبطه المجتهدون من الشريعة، أو قل إنْ شئت ما استدلوا عليه بالشريعة فالمعنى واحد، وهذا يؤكد ما دل عليه القيد الأول من أن الفقه الإِسلامي إنّما هو ما اسْتُنْبط عن طريق الاجتهاد الشرعي، ويخرج أيضًا علم المقلد فإنه لا يعد فقهًا مُسْتَنْبطًا من الأدلة، وإنّما هو علم أخذه من المجتهد الذي استنبطه من الشريعة (٤).
_________________
(١) انظر المصادر السابقة.
(٢) و(٣) و(٤) انظر المصادر السابقة وحاشية السعد على ابن الحاجب ١/ ٢٥ - ٢٦، تصحيح شعبان محمد إسماعيل، الناشر مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٦٣ هـ وتخصيص "الفقه" بالعمليات إنّما جاء متأخرًا بعد أن تميزت التخصصات عند أهل العلم، وأصبح كل عالم يَبْرُز في فن من فنون العلم وإلا فإن "الفقه" عند المتقدمين يشمل الأحكام العملية والاعتقادية بل إنّ العلم الذي ينقله المرء إلى غيره يسمى فقهًا، ففي الحديث: "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". الحديث من رواية زيد بن ثابت سنن الترمذي ٥/ ٣٣ - ٣٤، تحقيق إبراهيم عطوة، طبعة الحلبي ١٣٨٥ هـ، سنن أبي داود =
[ ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = ٤/ ٦٨ - ٦٩، تحقيق عزت الدعاس وعادل السيد، الطبعة الأولى ١٣٩٣ هـ، وسنن ابن ماجه المقدمة ٨٤ و١١١٥، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ١٣٧٢ هـ. وهو صحيح، انظر صحيح الجامع الصغير وزيادته ٦/ ٢٩ للألباني نشر المكتب الإِسلامي، ١٣٩٢ هـ. و"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" من رواية معاوية - ﵁ - باب من يرد الله به خيرًا يفقهه، فتح الباري ١/ ١٦٤ ومسلم في كتاب الإمارة ٤/ ٥٨٤ طبعة الشعب تحقيق عبد الله أحمد أبو زينه. ويبدو أن تحديد هذه التخصصات إنما جاء ليخدم وينظم الانتشار الواسع للعلم في الآفاق ويبقى بعد ذلك المعنى الأول للفقه هو المعنى الحقيقي المعتبر من الناحية الشرعية والعملية، فإنه من المقطوع به استحالة وجود فقيه من غير علم بالحديث وعلم بالعقيدة، كما أنه يستحيل وجود محدَّث بلا علم بالاعتقاد وفقه في الدين والمعنى الأول عند المتقدمين هو الذي خدم العلم وجعل نفعه عميمًا على العلماء والأمة، فكان أمثال مالك وأحمد والشافعي وأبي حنيفة لهم في كل ذلك نصيب وافر وإن تفاوتوا في ذلك، وكان نفعهم للأمة عظيمًا، لأن تربية الأمة وتعليمها لا يكون إلّا من ربانيين أخذوا من كل ذلك بنصيب وافر، وتتفاوت أقدارهم وآثارهم في الأمة بقدر نصيبهم من صفاء الاعتقاد وقوة الفقه في الدين وجَمْعِ مفردات العلم هذا من ناحية التربية والتعليم، أما من ناحية الدراسة والبحث والدعوة إلى الله والمجادلة بالتي هي أحسن والذب عن الدين فإنّ الأمر أشد ضرورة، فإنه لا يستطيع ذلك إلّا من اطّلَعَ على ما يُحتاج إليه من الحديث والفقه ومسائل العقيدة وأصول الفقه، وخذ مثالًا على ذلك، دراسة موضوع "الثبات والشمول في الشريعة" فإنه مرتبط بمسائل العقيدة والأصول والفقه، وتمتنع دراسته من ناحية فقهية بحتة كما هو مفهوم "الفقه" عند المتأخرين، بل لا تستقيم دراسته إلّا على مقدمات عقدية وأصولية والسنة المطهرة قاعدة من قواعده. ومن المعلوم أن تجديد الدين والجهاد في نشر تعاليمه وإصلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلّا بمراعاة المعنى العام "للفقه" لأن ذلك ضرورة للتربية والبيان .. ولذلك كان المجددون يأخذون العلم بهذا الشمول، وهذا الذي ينبغي أنْ ينتبه إليه كثير من المشتغلين بالدراسات الإِسلامية، وذلك كله لا يمنع من استبقاء التخصصات للحفاظ على القوة العلمية، ومراعاة انتشار العلم وسعة أطرافه، ولكنه مع ذلك لا يصلح سببًا لبعد العالم والمتعلم عن المعنى الأول للفقه، لأنه لا يتحقق فقه في الدين إلّا باتباع السنة في الاعتقاد والعمل.
[ ٦٢ ]