ذكر كلام الشاطبي في معنى الإِكمال
وننتقل من كتب التفسير إلى ما قاله الإِمام الشاطبي في المسألة الخامسة: حيث بيّن أن تعريف القرآن بالأحكام الشرعية أكثره كلي لا جزئي (٢)، وما يزال الحديث مستمرًا عن تفسير معنى الِإكمال الوارد في الآية، واستدل الإِمام الشاطبي على ذلك بهذه الأدلة:
١ - بالاستقراء، وذلك أن من استقرء السنة وجدها على كثرة نصوصها وكثرة مسائلها بيانًا للكتاب، ولذلك وصفها الله ﷾ بقوله:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣).
وهذا دليل على أن القرآن جمع الكليات، ولذلك احتاج الناس إلى السنة
_________________
(١) في ظلال القرآن ٢/ ٨٤٢ - ٨٤٣.
(٢) واستثنى الشاطبي ما خصه الدليل مثل خصائص النبي - ﷺ - ٣/ ٢٤٢.
(٣) سورة النحل: آية ٤٤.
[ ١٣٩ ]
لبيانه، فمن كليات القرآن مثلًا الصلاة والزكاة والجهاد والنكاح والعقود والقصاص والحدود وغيرها كثير، وبيانها إنما جاء في السنة (١).
٢ - أن كليات الشريعة المعنوية وهي الضروريات والحاجيات والتحسينيات راجعة إلى القرآن وقد تضمنها على الكمال (٢).
٣ - أن الأدلة المعروفة وهي السنة والإجماع والقياس ترجع إلى القرآن، فالسنة ترجع إلى قوله تعالى:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
والإجماع راجع إلى قوله تعالى:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤).
والقياس راجع إلى قوله تعالى:
﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٥).
وبنى الإِمام الشاطبي المسألة السادسة على هذا المعنى وهي: أن "القرآن فيه بيان كل شيء على ذلك الترتيب المتقدم" (٦) .. وهذا معنى الإِتمام الوارد في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية ..
_________________
(١) الموافقات: ٢/ ٢٤٣.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٢٤٣.
(٣) سورة الحشر: آية ٧.
(٤) سورة النساء: آية ١١٥.
(٥) سورة النساء: آية ١٠٥، وأول الآية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ وانظر الموافقات ٢/ ٢٤٣، وسيأتي بيان ذلك عند دراسة الإِجماع والقياس.
(٦) ٣/ ٢٤٤.
[ ١٤٠ ]