مناقشة الحنفية والإِمام الشاطبي والإِمام ابن تيمية لطريقة المتكلمين
يتكون دليل المتكلمين من مقدمتين:
الأولى: وجود احتمال يمنع من قطعية دلالة العام.
الثانية: أن هذا الاحتمال ناشئ من وقوع التخصيص وكثرته حتى أصبح قولهم: "ما من عام إلّا وقد خصص" بمنزلة المثل.
والحنفية والشاطبي يردون هذا الاستدلال كل حسب طريقته، ويتفقون تارة في طريقة الجواب وسنبين ذلك، ويختلفون تارة أخرى، والمهم أنهم جميعًا بتساعدون على رد طريقة المتكلمين.
فالحنفية يردون المقدمتين معًا: وذلك أن الاحتمال المعتبر عندهم
_________________
(١) = وراجع ما سبق عند نقل الاتفاق على أن خبر الواحد يحتج به في العقيدة ص ١٦٧ ولو تحرر كثير من الباحثين من مسلك المتكلمين في البحث والدراسة لتحرروا حينئذ من الفرضيات العقلية والاحتمالات التي لا دليل عليها وسلموا من إقحام مسلك المتكلمين على منهج الصحابة والأئمة.
(٢) "تخصيص العام" رسالة دكتوراه ٣٨، وقد ذكر المؤلف أن هذا هو دليلهم الوحيد. وانظر المصادر الأصولية السابقة: التوضيح وشرحه ١/ ٣٨، كشف الأسرار ١/ ٣٠٤، حاشية البناني ١/ ٤١٣، مُسلَّم الثبوت ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥، شرح الكوكب المنير ١/ ١١٤.
[ ٣٣٥ ]
هو الاحتمال الناشىِء عن دليل، وهذا الاحتمال الذي أُسست عليه طريقة المتكلمين ليس ناشئًا عن دليل فلا عبرة به (١).
وقد أجاب القائلون بالظنية بأن هذا الاحتمال ناشئ عن دليل هو وقوعٍ التخصيص وكثرته "فالاحتمال الناشئ عن هذه الكثرة إذا لم يكن راجحًا -لعدم ظهور القرينة الخاصة- فلا أقل من أن يكون احتمالًا مرجوحًا لجواز وجود القرينة مع خفائها وإذا وجد الاحتمال انتفى القطع" (٢).
وجوابهم هو من معنى المقدمة الثانية، وهي التي ردها الحنفية أيضًا وكذلك الشاطبي، فقد خالفوهم في مثلهم المشهور "ما من عام إلّا وقد خصص" فهذه ليست مسلمة عند الحنفية، وليست مسلمة أيضًا عند الشاطبي وقد عارضها شيخ الإِسلام ابن تيمية أشد المعارضة:
قال الإِمام الشاطبي: ردًا على القائلين بالاستدلال بالعمومات على تحسين الظن لا على تحقيق النظر والقطع بالحكم قال: "وفي هذا إذا تؤمل توهين الأدلة الشرعية وتضعيف الاستناد إليها وربما نقلوا في الحجة لهذا الموضع عن ابن عباس أنه قال: ليس في القرآن عام إلا مخصص إلّا قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
وجميع ذلك مخالف لكلام العرب ومخالف لما كان عليه السلف الصالح من القطع بعموماته التي فهموها تحقيقًا بحسب. قصد العرب في اللسان وبحسب قصد الشارع في موارد الأحكام" (٤).
_________________
(١) التلويح ١/ ٣٩ - وتخصيص العام ٣٩.
(٢) التحرير مع شرحه التيسير ١/ ٢٦٩ وتخصيص العام ٤٠، وستكون هناك مقارنة أذكرها إن شاء الله بين مسلك المتكلمين في نفي القطعية مطلقًا عن الأدلة -وقد سبق- وبين هذا الموضع.
(٣) سورة الحجرات: آية ١٦.
(٤) الموافقات ٣/ ١٨٤.
[ ٣٣٦ ]
"وما نقل عن ابن عباس إن ثبت من طريق صحيح فيحتمل التأويل" (١).
ولعل في صحته نظر، ولو صح لاعتمده بعض من انتصر لطريقة المتكلمين، ولكنه لم يثبت، وأما قول الإِمام الشاطبي أنه إن ثبت فيحتمل التأويل -لا يعني ثبوته- بل هو من المجادلة بالحسنى، ولعل التأويل الذي تطلع إليه الشاطبي يشبه ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية -وهو يتعجب أشد العجب من هذه المقالة "ما من عام إلا وخصص" فيعتذر لمن نصرها بأنهم يقصدون "ما من عام فيه لفظ" كل شيء "إلا وخصص إلا كلمة أو كلمات" (٢) أما العمومات الأخرى التي ليس فيها لفظ "كل شيء" فإن ابن تيمية يرى أن قولهم فيها أنها مخصصة إلا قوله تعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أنه من أكذب الكلام وأفسده وإن أطلقه بعض السادات المتفقهة (٣) ومن ثم فإن ابن تيمية يعارض في تضعيف العمومات (٤)، ويتابع السلف كما تابعهم الشاطبي ويعتبر العمومات المسندة المجردة عن قبول التخصيص تكاد تكون قاطعة في شمولها بل قد تكون قاطعة (٥).