تنقيح المناط (١)
وهو أن يذكر الوصف المعتبر في الحكم مع غير المعتبر فينقحه المجتهد حتى يعلم المعتبر من الملغى وذلك إنما يكون بالاجتهاد.
_________________
(١) التنقيح في اللغة هو التهذيب والتشذيب وتنقيح الشِعْر تهذيبه، وتنقح شحم الناقة إذا قل، وتنقيح العظم أي استخراج مخه يقال: نقحت العظم وانتقحته أي قلّ، الصحاح للجوهري ١/ ٤١٣. "والمناط" هو ما يتعلق به الحكم: تقول ناط الشيء ينوطه نوطًا أي علقه والأنواط =
[ ٢٢٨ ]
مثاله: حديث الصحيحين في حكم المواقعة في نهار رمضان:
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "بينما نحن جلوس عند النبي - ﷺ - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك؟ قال وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال لا " الحديث (١).
وفي رواية أخرى عن مالك عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب قال: "أتى أعرابي النبي - ﷺ - ينتف شعره ويضرب نحره ويقول هلك الأبعد فقال النبي - ﷺ -: وما ذاك، قال أصبت أهلي في نهار رمضان وأنا صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: "هل تستطيع أن تعتق رقبة قال لا، قال فهل تستطيع أن تهدي بدنة قال لا، قال فاجلس فأتى رسول الله - ﷺ - بفرق تمر فقال: خذ هذا فتصدق به فقال: ما أجد أحدًا أحوج مني قال فكله وصم يومًا مكان ما أصبت" الحديث (٢).
وقد أدخله السبكي في مسالك العلة (٣).
_________________
(١) = المعاليق، ونياطُ القوس معلقها. المصدر السابق ٣/ ١١٦٥ والمناط في الاصطلاح: هو العلة سميت بذلك لأن الحكم يتعلق بها، فعلة الحكم قد تختلط بغيرها مما ليس بعلة فيهذبها المجتهد ويشذبها حتى يستخرجها صافية ثم يعلق الحكم بها، هذا معنى تنقيح المناط.
(٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٤/ ١٦٣ - باب إذا جامع في رمضان.
(٣) وانظر جميع روايات الحديث في كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لإبن عبد البر ٧/ ١٦١ - وما بعدها. تحقيق عبد الله بن الصديق ١٣٩٩ هـ طبعة وزارة الأوقاف - المغرب.
(٤) وقد أشار محقق شفاء الغليل د. أحمد الكبيسي إلى أن من الأصوليين من اعتبر تنقيح المناط مسلكًا من المسالك الدالة على العِلِّية كابن السبكي وغيره ومنهم من لم يعتبره كذلك كالغزالي، فإن الدلالة على العلم إنما هو بطريق النص أو غيره من المسالك، ولاقتران العلة بما ليس بعلة كان عمل المجتهد وهو تنقيح المناط. انظر هامش شفاء الغليل ٤١٢. الناشر مطبعة الإِرشاد، الطبعة الأولى ١٣٩٥ هـ.
[ ٢٢٩ ]
فقال: "التاسع من مسالك العلة (تنقيح المناط وهو أن يدل) نص ظاهر على التعليل في محل الحكم (فيحذف بعضها) عن الاعتبار بالاجتهاد (ويناط) الحكم (بالباقي).
وحاصله أنه الاجتهاد في الحذف والتعيين" (١).
فقد حذف الإِمام الشافعي كون الواطئ أعرابيًا وكون الموطوءة زوجة وكون الوطء في القبل، ولم يعتبر شيئًا من ذلك، وعلق الحكم على الجماع فقط دون الأكل والشرب في نهار رمضان (٢).
وأما أبو حنيفة ومالك فقد علقا الحكم بمطلق الإِفطار (٣).
وقد اعتبره الغزالي، على أن هذا النوع من الاجتهاد متفق على العمل به وهو ليس من قبيل تحريم الشارع للخمر لأن العلة في تحريمها تُعلم بالاستنباط فيفهم المجتهد من مجرد ورود النص تعلق الحكم بالمحل المسمى، ولا يحتاج إلى تنقيح مناط كما هو الحال في المثال السابق (٤). بل هو من قبيل "تخريج المناط" كما
سيأتي بيانه بعد قليل.
وألاحظ هنا أن الغزالي نص على أن هذا النوع من الاجتهاد متفق على العمل به، وإذا أضفنا هذا إلى ما قاله الشاطبي من أن "تحقيق المناط" متفق على العمل به (٥)، تبين لنا موقف الأصوليين من هذين النوعين "تنقيح المناط" و"تحقيق المناط" وهو موقف جلي يُبعد عن قضية الاجتهاد تلك السلبيات التي
_________________
(١) المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/ ٢٩٢ ومجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٢) الأم ٢/ ١٠٠.
(٣) التمهيد لما في الموطأ ٧/ ١٦١ - وما بعدها، والمغني ٣/ ١٣٥، وفتح الباري ٤/ ١٦٥، وفتح القدير ٢/ ٣٣٦ - ٣٤٠ - لكمال الدين بن الهمام - الطبعة الثانية.
(٤) الموافقات ٤/ ٦٠، وشفاء الغليل ٤١٤، ٤١٣، ومجموع الفتاوى ٢٢/ ٣٣٠.
(٥) وسيأتي عرضه في مطلب خاص - إن شاء الله.
[ ٢٣٠ ]
منها الحيلولة بين من تحققت فيه القدرة على استخراج الأحكام وبين الكتاب والسنة بدعوى أن باب الاجتهاد قد قفل.
وإذا تذكرنا الإِجماع المنقول الدال على مشروعية الاجتهاد وتلك الحكم التي تبينت لنا أدركنا أن الاستنباط من الكتاب والسنة فوق أنه ضروري كذلك هو ممكن، ودليل إمكانه وقوعه واتفاق الأصوليين من المتأخرين على بقائه، ولم يبق بعد ذلك الأتوجيهه وجهة صالحة، وعلى الذين يطيقونه أن يبذلوا قصارى جهدهم لتحقيقه.
﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١).
وسيأتي عند الحديث عن أهم شروط الاجتهاد بيان الضوابط التي نستطيع بها أن نحفظ عملية الاجتهاد من مناقضة قصد الشارع والانحراف إلى الأطراف المذمومة (٢).