العلم بلغة العرب
نزل هذا القرآن بلغة العرب كما قال تعالى:
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢).
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣).
﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٤).
_________________
(١) المصدر نفسه ١٣/ ٢٩٣. واختار الحافظ ابن حجر في تفسير المراد بالطائفة ما يقوي اختيار البخاري في هذه الترجمة -وقد نقله عن النووي وعضده- فقال: قال النووي: "فيه -أي الحديث- أن الإِجماع حجة، ثم قال يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب وفقيه ومحدث ومفسر وقائم بالمعروف وناهٍ عن المنكر وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعض منه دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولًا فأولًا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد فإذا انقرضوا جاء أمر الله، انتهى ملخصًا مع زيادة فيه" انتهى كلام ابن حجر ثم عضده بدليل آخر. انظر ١٣/ ٢٩٥.
(٢) سورة الزمر: آية ٢٨.
(٣) سورة يوسف: آية ٢.
(٤) سورة فصلت: آية ٣.
[ ٢٣٨ ]
وقد استدل الإِمام الشافعي بهذه الآيات فقال: "إن على كل مكلف أن يتعلم من لغة العرب ما يقيم به دينه" (١).
هذا على المكلف في خاصة نفسه، أما عن الذين يريدون أن يخبروا عن حكم الله ورسوله استنباطًا من النصوص فلابد لهم من العلم بلغة العرب ضرورة أن القرآن نزل بلغتهم ولا يمكن الإخبار عن مراد الله من كلامه بأنه قصد كذا أو كذا إلّا بمعرفة لغة العرب ومقاصدها، يقول الإِمام الشافعي في موضع آخر من كتابه: "الرسالة": مؤكدًا المعنى السابق: " .. فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها، وإن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عامًا ظاهرًا يراد به العام الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه عن آخره، وعامًا ظاهرًا يراد به العام ويدخله الخاصِ، فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه وعامًا ظاهرًا يراد به الخاص وظاهرًا يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره.
وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوله.
وتكلم بالشيء تعرفُه بالمعنى دون الِإيضاح باللفظ، كما تعرف الإِشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها.
وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة وتسمي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة.
وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها وإن اختلفت أسباب معرفتها معرفة واضحة عندها ومستنكرًا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة فتكلف القول في علمها
_________________
(١) الرسالة ٤٨ - ٤٩. ونقله الشوكاني في إرشاد الفحول عن الماوردي ٢٥٢.
[ ٢٣٩ ]
تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمود والله أعلم. وكان بخطئه غير معذور إذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه" (١).
وظاهر كلام الإِمام الشافعي أن الملكة شرط، لأن الملكة تتحقق بكثرة الممارسة وإلا فكيف يعرف العام من الخاص، والمطلق من المقيد والعام الذي أريد به العموم .. من لا عنده إلّا حفظ مفردات اللغة، أو القدرة على الحصول عليها من الكتب، ولهذا فلا بد من الملكة القوية كما قال الشوكاني (٢).
والملكة قوامها كثرة الممارسة وإدراك المقاصد من الخطاب بعد إدراك مواقعه والتمييز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيده ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه" (٣).
وهذه تتحقق وإن لم يتمكن من جمع جميع اللغة كما صرح الإِمام الشافعي بأن لغة العرب لا يجمعها إنسان غير نبي كما أن الأحاديث لا يجمعها أحد من علماء الأمة، وإن كان لا يضيع منها شيء على مجموع الأمة (٤).
وقد نقل هذا المعنى الإِمام الشاطبي في كتابيه الموافقات والاعتصام ونبه إلى أن مقصود الشافعي أن القرآن في معانيه وأساليبه على ذلك الترتيب الذي جاء في لسان العرب.
قال: "فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يمكن أن يُفهم من جهة لسان العرب كذلك لا يمكن أن يفهم لسان العرب من جهة فَهْم لسان العجم لاختلاف الأوضاع والأساليب، والذي نبه على هذا المأخذ في المسألة
_________________
(١) مسألة رقم ١٧٣ إلى ١٧٨.
(٢) إرشاد الفحول ٢٥٢.
(٣) المستصفى مع فواتح الرحموت ٢/ ٣٥٢.
(٤) انظر ما سبق ص ١١٨.
[ ٢٤٠ ]
هو الشافعي الإِمام في رسالته الموضوعة في أصول الفقه وكثير ممن أتى بعده
لم يأخذها هذا المأخذ فيجب التنبيه لذلك" (١).
ونبه في موضع آخر في المقدمة الرابعة على المعنى نفسه، وزاد على أن بعض الناظرين في القرآن يحملونه بحسب ما يعطى العقل من الفهم لا بحسب الوضع، وسبب ذلك أنهم لا يسلكون في الاستنباط منه مسلك كلام العرب في تقرير معانيها ومنزعها في خطابها ولا يدركون أنواعه وخصائصه .. فيقعون بذلك في فساد كبير ويخرجون عن مقصد الشارع (٢)، وذلك كله مؤد إلى القول في الشريعة بغير علم ومن ثم مؤد إلى تغييرها وتبديلها، وأؤكد هنا ما قاله الإِمام الشافعي ونبه عليه الشاطبي من أن إدراك سعة لسان العرب سبب في إدراك سعة هذه الشريعة ولهذا كان اشتراط العلم بلغة العرب من أعظم شروط الاجتهاد.
يقول الشاطبي: عن اشتراط العلم بالعربية: إن المجتهد لابد أن يقدر على فهم الخطاب ولا يتحقق ذلك إلّا أن يكون معه قدر يفهم به خطاب العرب وعاداتهم في الاستعمال، لأن الشريعة عربية "فلا يفهمها حق الفهم إلّا من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط" (٣) والمجتهد مضطر إلى هذا العلم فيتوقف فرض الاجتهاد عليه (٤).
والقدر الذي يحدده الشاطبي يدخل فيه العلم بالنحو والتصريف، واللغة وعلم المعاني .. ويستثنى علم الغريب والتصريف المسمى بالفعل وما يتعلق بالشعر من حيث هو شعر كالعروض والقافية، والمقصود بالقدر المحتاج إليه جملة علوم اللسان غير ما استثني (٥).
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٤٥ - ٤٦. وانظر الاعتصام ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤ - ٢٩٥ - ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٢) الموافقات ١/ ١٧ - ١٨.
(٣) الموافقات ٤/ ٧١.
(٤) المصدر نفسه ٤/ ٧٠.
(٥) المصدر نفسه ٤/ ٧١.
[ ٢٤١ ]
وقد أشار الدكتور الأفغاني إلى اشتراط العلم بالشعر لأنه طريق إلى معرفة ألفاظ اللغة ودلالتها (١)، وهو كذلك.
هذا مما يحسن الإِشارة إليه بالنسبة لاشتراط العلم بالشعر دون العلم بالعروض والقافية.
أما علم الغريب: فهو قسمان كما ذكر الأستاذ محمد عبد الله دراز -تعليقًا على الموافقات:
القسم الأول: ما يخل بالفصاحة، فلا ضرورة للعلم به لأنه غير موجود في الشريعة، لأن نص الشرع معجز، والفصاحة من الإعجاز، وإذا لم يكن موجودًا في الشريعة فلا ضرورة للعلم به.
والقسم الثاني: وهو الغريب الذي لا يخل بالفصاحة وهو موجود في القرآن والسنة (٢) فلابد من العلم به (٣).
وهذا تعليق حسن منه -﵀- إذ كيف لا يحتاج المجتهد لمعرفة الغريب وقد وجد منه -ما لا يخل بالفصاحة- في القرآن والسنة.
وبعد أن عرفنا القدر المطلوب ننتقل إلى مسألة أخرى وهي: بيان المقصود بالعلم بهذا القدر، هل هو جمعه والإِحاطة به، أم التمكن من معرفته والقدرة على العلم بمقاصده وهو ما يقصده الشاطبي بقوله: "فالحاصل أنه لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب بحيث يصير فهم خطابها له وصفًا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب إلّا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب" (٤).
_________________
(١) الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر ١٦٨.
(٢) وقد ألف العلماء فيه كتبًا منها كتاب غريب القرآن لإبن قتيبة وغريب الحديث لإِبراهيم الحربي.
(٣) الموافقات هامش ١/ ج ٤/ ١١٥، إرشاد الفحول ٢٥١.
(٤) الموافقات ٤/ ٧٣.
[ ٢٤٢ ]
ومن هذا المعنى ما أشار إليه فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين حيث قال في رسائل الإِصلاح ويجب عليه أن يختار على علم عند اختلاف علماء اللغة في قاعدة لغوية أو خاصية أسلوب من أساليب الكلام مما يتغير فهم النص من النصوص الشرعية على كل مذهب (١).
وقد ناقش الدكتور الأفغاني هذا القول بأنه يقتضي تجزؤ الاجتهاد في اللغة، فقد أضاف إلى الشيخ محمد الخضر حسين أنه يقول بأن هذه الدرجة هي درجة الاجتهاد في اللغة، وهو لا يرى أن الأمر كذلك إذ كيف ينتج النظر في بعض قواعد العربية -والترجيح والاختيار لصاحبه درجة الاجتهاد- وهي معدودة محدودة (٢).
والجواب: أن مقصوده أن درجة الاجتهاد في اللغة لا تنال إلّا بالملكة والقدرة على الاستنباط والترجيح وفهم المقاصد، وهو مقصود الشاطبي، أما الجمع والإحاطة فليست شرطًا، وكون مسائل الاجتهاد في اللغة والترجيح محدودة -إن صح- لا يهون من شأنها .. فإن من استطاع النظر والترجيح مجتهد، إذ لا يمكن ذلك إلّا بتحقق الملكة والمقدرة على الاستنباط والترجيح وفهم المقاصد .. وهذا هو الاجتهاد.
والقدرة على الاجتهاد فيها لا يلزم منه الإِحاطة باللغة والبت في جميع مسائلها -فإن ذلك لا يكون لغير نبي كما صرح الشافعي.
فقد يكون المجتهد، عربي الفهم بحيث يصير له فهم خطاب العرب وصفًا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب كما كان شأن الصحابة كابن عباس وأبي بكر وعمر - ﵃ -، ومع ذلك يجوز له التقليد في بعض المسائل ولا يوجب ذلك رفع وصف الاجتهاد عنه ولا يمنعه ذلك من أن يكون نظره معتبرًا في الشريعة.
_________________
(١) رسائل الإصلاح لمحمد الخضر حسين -الناشر دار الاعتصام- القاهرة ٢٠/ ١١٤.
(٢) الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر ١٦٩ - ١٧٠.
[ ٢٤٣ ]
وقد فصل هذا المعنى الإِمام الشاطبي في الاعتصام:
ومنه قوله: "إن المجتهد" إذا أشكل عليه في الكتاب أو في السنة لفظ أو معنى فلا يقدم على القول فيه دون أن يستظهر بغيره ممن له علم بالعربية، فقد يكون إمامًا فيها ولكنه يخفى عليه الأمر في بعض الأوقات، فالأولى في حقه الاحتياط، إذ قد يذهب على العربي المحض بعض المعاني الخاصة حتى يسأل عنها" (١).
ثم ضرب لذلك مثالين:
الأول: ما نقل عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال
أحدهما: أنا فطرتها أي أنا ابتدأتها" (٣).
الثاني: ما روي عن عمر - ﵁ - أنه سأل وهو على المنبر عن معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ (٤).
فأخبره رجل من هذيل أن التخوف التنقص وأنشد:
تخوف الرجل منها تامكًا قردًا كما تخوف عود النبعة السفن (٥)
فقال عمر - ﵁ -: أيها الناس تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم فإن فيه تفسير كتابكم (٦).
_________________
(١) ٢/ ٢٩٩.
(٢) فاطر: الآية من أول السورة ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض﴾.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ٣١٩.
(٤) سورة النحل: آية ٤٧.
(٥) البيت في اللسان وبدل "الرجل"، "السير" وهي بمعنى واحد، وتمك السنام أي طال وارتفع، والقرد هو المتراكم بعضه فوق بعض من السِّمَن والنبعة نوع من الشجر يسمى (القسي) والسفن ما ينجر به الخشب، والمعنى أن السير نقص من سنام الناقة الطويل المتراكم .. كما ينقص عود القسي إذا برد بالحديد، انظر اللسان مادة "خوف" ٩/ ١٠١.
(٦) القصة مذكورة في الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١١٠ - ١١١، والموافقات ٢/ ٦١.
[ ٢٤٤ ]
فإذا كان الأمر كذلك تبين مقصود الإِمام الشاطبي باشتراط الاجتهاد في اللغة: وأنه ليس الإحاطة والجمع، وليس الاستقلال بالنظر فيها مطلقًا بحيث لا يحتاج إلى غيره، بل مقصوده: هو أن تكون له ملكة يدرك بها معنى خطاب الشرع وأن يكون في ذلك كالعربي المحض .. وإن احتاج في بعض الأوقات إلى الاستظهار بغيره، كما كان العربي المحض يصنع ذلك، ونخلص بعد ذلك إلى أمور:
الأول: أن تحقق هذه الدرجة مؤد إلى تحقق شمول الشريعة من حيث الاستنباط والتطبيق، لأن المجتهد سينظر فيها بلسان العرب، واتساع لسان العرب في تضمن المعاني والدلالة عليها كما قال الإِمام الشافعي لا يماثله فيه لسان.
فيعرف المجتهد حينذاك العام الذي يراد به ظاهره، والعام الذي يراد به العام، والعام الذي يراد به الخاص، ويستدل على ذلك بالسياق، وبالكلام ينبئ أوله عن آخره وآخره عن أوله. وأن العرب تعرف مراد المتكلم تارة بالمعنى وتارة بالإِشارة وتعرف المعاني الكثيرة من الاسم الواحد، وتطلق الأسماء الكثيرة على الشيء الواحد ..
ويدرك دلالات الألفاظ فيعرف المجمل من المطلق من المقيد، واستنباط المعاني من الألفاظ للقياس عليها (١).
وهذا هو العلم الضروري لتحقيق شمول الشريعة إذ هو قاعدة الاستنباط منها، والمتمكن من هذه القاعدة متمكن من آلة الاجتهاد، مستحوذ على الملكة.
_________________
(١) هنا تدخل الشروط الأخرى مثل معرفة طريقة الاستدلال والعمل بالعموم، وإعمال المخصص، وملاحظة السياق، ومعرفة مراد المتكلم ودلالات الألفاظ ونحو ذلك، ولذلك اكتفيت بدراسة هذين الشرطين، معرفة مقاصد العربية ومقاصد الشريعة لتضمنها لبقية الشروط، أما مقاصد الشريعة فسيأتي بيان تضمنها لبعض الشروط في موضعه إن شاء الله.
[ ٢٤٥ ]
والتهوين من هذا الشرط سبب في تضييق دائرة الشمول .. ذلك أن من لم يتحقق من هذا الشرط على ما ذكر آنفًا فإنه ينظر في الشريعة نظرًا ضيقًا يكون سببًا في عدم إدراك معانيها، فمثله لا يدرك من ذلك إلّا بقدر علمه، فإن المبتدئ في فهم العربية مبتدئ في فهم الشريعة .. والمتوسط متوسط، فإذا بلغ الغاية في فهم العربية -مع حصوله على الشروط الأخرى- كان بالغ النهاية في فهم الشريعة (١). فلابد إذًا من بلوغ درجة الاجتهاد في اللغة على التفسير السابق، بحيث تكون للناظر ملكة وإن استظهر بغيره.
الثاني: أن هناك من ظن أن في كلام الإِمام الشاطبي حدة في التركيز على شرط العربية، وأنه تارة: "صرح باشتراط معرفة اللغة معرفة اجتهادية عندما اشترط كون المجتهد في صف الخليل وسيبويه لكنه خفف من حدته بعد ذلك وصرح بأن مراده هو أن يضاهي المجتهد في الفقه العربي في فهم المقدار الذي يحتاج إليه لفهم الكتاب والسنة. ." (٢). وأنه رجع إلى ما قاله الأصوليون (٣).
ولست أرى في كلام الشاطبي ما يحتاج إلى مثل هذا الظن، ذلك أن كلامه متسق مع ما يقصده .. ومع ما قرره الأصوليون أيضًا.
وما تصوره البعض قد أشار إليه الشاطبي حيث قال: "ولا يقال أن الأصوليين قد نفوا هذه المبالغة في فهم العربية، فقالوا: ليس على الأصولي أن يبلغ في العربية مبلغ الخليل وسيبويه وأبي عبيدة والأصمعي والباحثين عن دقائق الإعراب ومشكلات اللغة، وإنما يكفيه أن يحصل منها على ما تتيسر به معرفة ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة" (٤).
ثم أجاب عن هذا الاعتراض الذي قد يتصوره البعض.
والجواب يتضمن أمورًا:
_________________
(١) الموافقات: ٤/ ٧١.
(٢) الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر ١٧٠ - ١٧١.
(٣) المصدر نفسه ١٧١.
(٤) الموافقات ٤/ ٧٢.
[ ٢٤٦ ]
١ - أن الإِمام الشاطبي يريد أن يقول أن الملكة -في فهم خطاب العرب حتى يصبح الناظر في الشريعة كالعربي المحض- شرط في الاجتهاد.
٢ - وأن الملكة في فهم مقاصد العربية غير الإحاطة بالعربية وجمعها وإدراك دقاثق الإعراب ومشكلات اللغة، وليس شرطًا في المجتهد أن يكون كالخليل وسيبويه والأصمعي .. وذلك أنه لا يشترط في العربي أن يعرف جميع اللغة ولا دقائقها ومشكلاتها، ومع ذلك ففهمه للشريعة معتبر (١).
٣ - أن القول بعدم اشتراط الإحاطة والجمع وأن لا يكون الناظر كالخليل وسيبويه لا يعني أنه يبنى على التقليد المحض أو الاكتفاء ببعض الكتب ونحو ذلك (٢).
هذا جواب الشاطبي عما قد يتصوره البعض .. ومع أنه ذكر جوابه هذا في الموافقات إلّا أن البعض رأى إِعادة الاعتراض مرة أخرى.
ولننظر الآن فيما قاله الأصوليون:
قال الغزالي في المستصفى: في اشتراط العلم بالعربية: "أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إِلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه والتحقيق فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة ويتعمق في النحو.
بل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة ويستولى به على مواقع الخطاب ودرك حقائق المقاصد منه" (٣).
وهذا ما يقوله الشاطبي، فكيف يقال أنه رجع إلى ما قاله الأصوليون!
ويقوي ذلك ما ذهب إليه الشوكاني حيث قال: "الشرط الثاني: أن يكون عالمًا بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب
_________________
(١) مع الشروط الأخرى كما سيأتي وأهمها إدراك مقاصد الشريعة.
(٢) الموافقات ٤/ ٧٢ - ٧٣.
(٣) المستصفى مع فواتح الرحموت ٢/ ٣٥٢.
[ ٢٤٧ ]
ونحوه ولايشترط أن يكون حافظًا لها عن ظهر قلب .. وإنما يتمكن من معرفة معانيها وخواص تراكيبها وما اشتملت عليه من لطائف المزايا من كان عالمًا بعلم النحو والصرف والمعاني والبيان حتى يثبت له في كل فن من هذه ملكة يستحضر بها كل ما يحتاج إليه عند وروده عليه، فإنه عند ذلك ينظر في الدليل نظرًا صحيحًا ويستخرج منه الأحكام استخراجًا قويًا" (١).
ثم حذر كما حذر الشاطبي: فقال مؤكدًا على اشتراط الملكة:
"ومن جعل المقدار المحتاج إليه من هذه الفنون هو معرفة مختصراتها أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعد، بل الاستكثار من الممارسة لها والتوسع في الاطلاع على مطولتها مما يزيد المجتهد قوة في البحث وبعدًا في الاستخراج وبصيرة في حصول مطلوبه، والحاصل أنه لا بد له من الملكة القوية في هذه العلوم، وإنما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن" (٢).
وبهذا الذي قاله الشوكاني يخرج الناظر في الشريعة من رتبة المقلدين وإن لم يرتفع إلى رتبة سيبويه والأصمعي.
ويؤكد ذلك ما قاله الجويني وهو يتحدث عن إحدى صفات المجتهد وهي العلم بالعربية، يقول: "ولا يشترط التعمق والتبحر فيها حتى يصير الرجل علامة العرب ولا يقع الاكتفاء بالاستطراف وتحصيل المبادئ والأطراف، بل القول الضابط في ذلك أن يحصّل من اللغة العربية ما يترقى به عن رتبة المقلدين في معرفة الكتاب والسنة وهذا يستدعي منصبًا وسطًا في علم اللغة العربية" (٣).
وهذه النصوص تجتمع على إفادة معنى واحد وهو أن يكون الناظر في الشريعة
_________________
(١) إرشاد الفحول ٢٥١ - ٢٥٢.
(٢) إرشاد الفحول ٢٥١ - ٢٥٢.
(٣) غياث الأمم للإمام الجويني ٢٩٠ - تحقيق ودراسة فؤاد عبد المنعم ومصطفى حلمي - الطبعة الأولى - دار الدعوة.
[ ٢٤٨ ]
وسطًا في العربية بين المقلدين وبين أمثال سيبويه والأصمعي، وذلك بأن يكون له من الملكة ما يرتفع به عن رتبة المقلدين وإن لم يرتفع إلى رتبة أئمة العربية، ويقول في موضع آخر وهو يتكلم عن شروط الاجتهاد: "الاستقلال باللغة العربية فإن شريعة المصطفى متلقاها ومستقاها الكتاب والسنن، وآثار الصحابة ووقائعهم وأقضيتهم في الأحكام وكلها بأفصح اللغات وأشرف العبارات فلابد من الارتواء من العربية فهي الذريعة إلى مدارك الشريعة" (١).
ومقصد الشاطبي هو مقصد الجويني وغيره من الأصوليين ممن نقلت نصوصهم آنفًا وهو أن يكون الناظر في الشريعة مقتدرًا على معرفة مدارك الأحكام ومسالك الحلال والحرام ولا يتمكن من ذلك إلّا من فهم خطاب العرب الذي نزل القرآن بلغتهم، وهذا هو منهج الصحابة كما قال الجويني: "إنا سبرنا أحوال المفتين من صحب رسول الله الأكرمين فالفيناهم مقتدرين إلى مدارك الأحكام ومسالك الحلال والحرام ولكنهم كانوا مستقلين بالعربية، فإن الكتاب نزل بلسانهم، وما كان يخفى عليهم من فحوى خطاب الكتاب والسنة خافية" (٢). والحديث هنا عن جماعة الصحابة - ﵃ -، فإن اللغة لا تضيع من مجموع الأمة في عصر من العصور كما قال الإِمام الشافعي .. وأما عن أحدهم فلا يتمكن منها غير نبي، وقد مر ما نقلته عن الشاطبي من أن المجتهد في اللغة قد يرجع إلى غيره إن أشكل عليه وذكر من فعل الصحابة ما يدل على ذلك، ويفسر كلام الجويني بالاستقلال هنا وأنه في معنى كلام الشافعي والشاطبي قوله: "إن اشتراط المصير إلى مبلغ لا يحتاج معه -أي المجتهد- إلى طلب وتفكر في الوقائع محال .. " (٣). وفي معنى الطلب المشاورة التي أشار إليها الشاطبي، حيث بين أن المجتهد يحتاج إلى المشاورة لغيره والاستظهار بما عنده، وظاهر من مجموع كلام الجويني اشتراط الملكة التي تعين
_________________
(١) المصدر نفسه ٢٨٦.
(٢) غياث الأمم للإِمام الجويني ٢٩٢.
(٣) المصدر نفسه ٢٩١.
[ ٢٤٩ ]
على فهم الخطاب، ومن هنا نجد الفارق بين قوله: "وهذا يستدعي وسطًا في علم اللغة والعربية" وبين قول ابن السبكي في وصف المجتهد بأنه: "ذو الدرجة الوسطى لغة وعربية" (١). إذ أنه لا يشترط الملكة خلافًا لأبيه فقد صرح باشتراطها، فقال: "المجتهد هو من هذه العلوم -ومنها العربية ملكة له وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع" (٢).
وأجيب عن شبهة أخرى عرضت للمعترض على ترتيب الشاطبي في الموافقات وهي أن الشاطبي سوى بين العربي وبين المجتهد في اللغة العربية وبين المجتهد في الفقه بالنسبة لفهم اللغة واستعمالها، ويعتبر هذا تنقيصًا لمرتبة المجتهد في اللغة (٣).
والجواب: أن التسوية التي يريدها الشاطبي هنا هي التسوية في إدراك مواقع الخطاب وفهم مقاصده، وهم لا شك يستوون في الحصول على الآلة التي تمكنهم من ذلك، فالعربي المحض بسليقته والمجتهد باجتهاده وهذا الاجتهاد الذي يطلبه الشاطبي، أمّا أن لكل منهم مزايا خاصة ودرجات فهذا لم ينكره الشاطبي، ألم تر إلى قوله فيما سبق أن المجتهد يلزمه الاستظهار بغيره إذا أشكل عليه كما صنع عمر وابن عباس - ﵄ -، فالمجتهدون في اللغة عنده درجات كما أن فهم العرب الخلص درجات، فالتسوية التي أرادها الشاطبي محددة المعنى وهي التسوية في التمكن من فهم مواقع خطاب الشرع .. وهو معنى ما ذكره الشوكاني وغيره من التمكن من الملكة .. أما في غير ذلك فلم يقل الشاطبي شيئًا بل ميز بين مراتبهم، وليس في هذا تنقيصًا بهذا الاعتبار.
_________________
(١) حاشية البناني مع جمع الجوامع ٢/ ٣٨٣ - شرح الجلال المحلي -الطبعة الثانية - مطبعة مصطفى البابي الحلبي.
(٢) المصدر نفسه ٢/ ٣٨٣.
(٣) الاجتهاد ومدى حاجتنا إليه في هذا العصر ١٧١ - ١٧٢.
[ ٢٥٠ ]
والحاصل أن شمول الشريعة وإدراك أحكامها لا يمكن أن يتحقق إلّا من مجتهد من أبرز شروطه أن تكون العربية ملكة له بحيث يدرك سعة لسان العرب ويفهم خطابها ولا يجهله، وأن ما أكد عليه الشاطبي وأبرزه واهتم به هو مذهب الأصوليين أمثال الشافعي والجويني والسبكي والغزالي والشوكاني، وبهذا يتحقق الناظر في الشريعة من معانيها ويدرك شمولها ويحققه في واقع الناس .. ويدرك في المقابل ثباتها ولايضرب بعضها ببعض ويسعى في تغييرها وتتناقض معانيها بين يديه لتفريطه في فهم مواقع خطابها ويرجع سبب ذلك في بعض الأحيان إلى تفريطه في حيازة الملكة في فهم العربية، وعدم الاستظهار بغيره عند الحاجة. أما إن قدر على الملكة -وإن لم يجمع مفردات اللغة- فإنه قادر بمشيئة الله على فهم شمول الشريعة حين الاستنباط منها محافظًا على ثباتها .. ولا ينقص من قدره أن يستظهر بغيره من علماء العربية إذا جهل منها شيء، وسيكون ذلك هو طريقه إلى تحقيق مهمة الاستنباط في سلامة من القصور في فهم الشريعة بحيث لا يعجز عن إدراك سعة معانيها، وفي سلامة من الزيادة عليها بما ليس منها بحيث لا يناقضها ولا يضادها.
واشتراط الملكة دون الاحاطة والجمع والاشتغال بالدقائق مع جواز الاستظهار بالغير عند العجز .. هو السبيل الذي يحقق السلامة من القصور والزيادة.
فلا الناظر يفقد الملكة بحيث لا يفهم معاني الخطاب ويختلط عليه العام والخاص والمطلق والمقيد .. ويفقد مع ذلك الضوابط التي يتحصن بها في الاستدلال فيحل الحرام ويحرم الحلال ويضيّق الواسع ويقول على الله بغير علم ويضطرب في فهم الشريعة ويقع في سوء جهله ويوقع من تابعه على ذلك .. كما ستأتي الإِشارة إليه من أمثال الذين وقعوا في مخالفة الإِجماع وغرائب الآراء يزعمون أنهم يجتهدون في فهم الشريعة، وهؤلاء تنقصهم الآلة، فلا هم حازوا الملكة في فهم الخطاب ولا هم إلتزموا بالضوابط التي تبنى على علم العربية كما
[ ٢٥١ ]
أشار إلى ذلك الإِمام الشافعي في رسالته في أصول الفقه، ومن ثم خلطوا الشريعة الربانية بأهواء البشر بسوء صنيعهم هذا.
فلا بد إذًا من الملكة .. ولكي تكون في الإمكان لا نشترط الإِحاطة .. بل للناظر أن يستظهر بغيره فيما أشكل عليه وأعوزه، وهنا يستطيع أن يدرك مقاصد العربية ومن ثم يدرك مقاصد الشريعة، فيؤتي الاستنباط ثماره محققًا شمول الشريعة وثباتها، فلا نحن أقفلنا باب الاجتهاد وجعلناه من المستحيلات بحيث نوجب الإحاطة بعلم العربية ولا نحن تركنا الحبل على الغارب بحيث يدخل فيه كل دعي وإن جهل، وإلى الحديث عن الشرط الثاني وهو العلم بمقاصد الشريعة.