الدليل الثاني
وهو دليل يتكون من مقدمتين:
الأولى: أن هذه الشريعة شرعها الله العليم الحكيم لتحقيق مصالح العباد.
الثانية: يلزم من ذلك أن لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وهذا معنى الثبات.
دليل المقدمة الأولى:
استقرأ الإِمام الشاطبي الشريعة من أكثر من موضع، فوجد أن تفاصيل
[ ١١٢ ]
العلل للأحكام قد انتشرت في القرآن والسنة، وأن ذلك يفيد أنها شرعت لمصالح العباد، وهذا الاستقراء - كما يقول -﵀- لا يستطيع أن ينازع فيه أحد (١).
إجراء الاستقراء:
وردت آيات كثيرة في القرآن تفيد بأن الأحكام شرعت لمصالح العباد، ومن هذه الآيات:
١ - ما ورد في بعثة الرسل الذين بلغوا الشرائع وهم الأصل ومن ذلك قوله تعالى:
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢).
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٣ - ٤. لأنه لا يمكن نقضه أبدًا، وعلى ذلك كل من يقول بالقياس، وسيأتي معنا تحقيق القول بأن إجماع الصحابة على العمل بالقياس وعلى ذلك مذهب أهل السنة، وأما من أنكر القياس أو التعليل فإنه يعتقد أيضًا أن الشريعة شرعها الله رحمة بعباده وإصلاحًا لهم وإقامةً لحوائجهم وتكفلًا بسعادتهم في الدنيا والآخرة .. وإنما أوقعهم في إنكار ذلك اتباع الجدل الذي ابتليت به الأمة، ووفعت فيه طوائف كثيرة من الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة .. فأنكر منهم من أنكر التعليل وهو ينطلق من الرد على المعتزلة فوقع بسبب ذلك إمّا في الاضطراب كما فعل الرازي حيث أنكر التعليل وأقر بالقياس .. وانظر كشف هذا الاضطراب في هامش تحقيق كتاب المحصول للدكتور طه جابر العلواني - القسم الثاني ج ٢ - ٢٧١ إلى ٢٧٣ وإمّا في ردود الفعل كما فعلت الظاهرية حيث أنكرت القياس .. والنجاة من ذلك كله الخروج عن منهج الجدليين والتزام المنهج القرآني كما فعل الإمام الشاطبي ومن قبله أئمة السلف أمثال الشافعي ومالك وابن القيم وشيخه وغيرهم كثير حيث التزموا المنهج القرآني اتباعًا لمنهج الصحابة وفروا من منهج الجدليين وهو منهج الفلاسفة والمعتزلة ومن حذا حذوهم .. وعالجوا مناهج الجدليين في اعتدال وتوسط بعيدًا عن ردود الفعل، وحذروا وحذّروا من الوقوع فيها، وهذا هو الذي ينبغي المصير إليه في التعلم والتعليم والكتابة والمناظرة والدعوة إلى الإِسلام.
(٢) سورة النساء: آية ١٦٥.
[ ١١٣ ]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١).
فالرسل بعثوا رحمة للعباد، والرحمة بهم هي حفظ مصالحهم فشرائع الرسل جاءت إذًا بمصالح العباد العاجلة والآجلة.
٢ - ما ورد في أصل الخلقة: فقد امتن الله على عباده بأنه إنّما خلقهم لعبادته ووعدهم على ذلك الحياة الطيبة في الدنيا والثواب المقيم في الآخرة، وهذا معنى أن هذه الشرائع التي جاءت تحمل تكاليف العباد إنّما جاءت لمصالحهم.
ومن هذه الآيات الدالة على هذا المعنى قوله تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٢).
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣).
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٤).
٣ - وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى، منها:
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ (٥).
_________________
(١) سورة الأنبياء: آية ١٠٧ - ومثلها في المعنى كثير، من ذلك ما جاء في سورة القصص: آية ٤٣، سورة الروم: آية ٢١.
(٢) سورة هود: آية ٧.
(٣) سورة الذاريات: آية ٥٦.
(٤) سورة الملك: آية ٢.
(٥) سورة المائدة: آية ٦.
[ ١١٤ ]
والآية جاءت بعد آية الوضوء، وقال في الصيام:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١).
وفي الصلاة:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢).
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (٣).
وفي القصاص:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٤).
ومقصود الإِمام الشاطبي من هذه الآيات والأمثلة التنبيه كما قال (٥) وأما حصر الآيات الواردة في الحكمة من إرسال الرسل ومن خلق الإِنسان والحياة والموت وكذلك ما ورد فيها من ذكر تفاصيل العلل فإن ذلك يحتاج إلى كتاب جامع يحصرها لكثرة انتشارها في نصوص الكتاب والسنة، ولذلك نجد الحافظ ابن القيم -﵀- قد ذكر آيات وأحاديث كثيرة جدًا تدعم هذا الاستقراء وتقويه وتؤكده (٦).
وأما دليل المقدمة الثانية: فإن الشريعة لو وُضِعتْ على غير حالة الثبات لأدى ذلك إلى تغييرها، فإذا تغير منها شيء اختل، ولأن تغيّر شيء منها موجب
_________________
(١) سورة البقرة: آية ١٨٣.
(٢) سورة العنكبوت: آية ٤٥.
(٣) سورة الحج: آية ٣٩.
(٤) سورة البقرة: آية ١٧٩.
(٥) الموافقات ٢/ ٤.
(٦) انظر إعلام الموقعين لإبن القيم الجوزية ١/ ١٣٠ - راجعه وعلّق عليه طه عبد الرؤوف، الناشر دار الجيل - بيروت ١٩٧٣.
[ ١١٥ ]
لأن تنتقل من حالة كونها مشروعة للمصالح على الإِطلاق إلى الضد من ذلك -وهوخلاف الدليل، لأن الشارع قاصد بها أن تكون مصالحٍ على الإِطلاق- "فلابد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديًا وكليًا وعامًا في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال" (١).