الجهل بلغة العرب
تقدم الكلام في أن المجتهد لا بد أن يكون في فهم لغة العرب كالعربي .. بحيث يعلم لغة العرب، وكيفية خطابها، فلا يخرج اللفظ عما وضع له ..
وإن لم يكن كذلك لم يجز له النظر في الشريعة، بل عليه الرجوع إلى أئمة
[ ٢٦٩ ]
العربية. فإن نطق بالصواب من حيث لم يعلمه فهو مخطئ آثم كما قال الشافعي في كتابه الرسالة (١).
وقد مر معنا بيان هذا الشرط والاستدلال عليه بما فيه الكفاية ونقتصر هنا على بيان أثر انعدامه على ثبات الأحكام بشيء من التفصيل باعتبار أن الجهل بها صفة من صفات أهل الأهواء ومسلك من مسالكهم.
وأول ما نبدأ به هنا ما أشار إليه الشاطبي في الاعتصام، من أن من أعظم الأسباب التي خرجت بها الفِرَقُ ووقعت بها الضلالات، وتغيرت بها معالم الشريعة في واقع الناس، هو وقوع الناس في العجمة، وتضييعهم للغة العرب .. ونظرهم في الشريعة وهم لا يملكون الآلة، فجاؤوا بالعجائب وقلبوا الشريعة ظهرًا لبطن (٢).
فإذا كانت الشريعة تأمر بالألفة والمحبة صارت تأمر عند هؤلاء أشباه الأعاجم بالفرقة والعداوة، واذا كانت تأمر بإصلاح ذات البين والكف عن الخوض في الباطل صارت عند هؤلاء على الضد من ذلك (٣).
وما زال جهلهم بلغة العرب التي نزل القرآن بها يرمي بهم في أودية المهالك حتى ضلوا وأضلوا ..
وهذا وإن كان في أصل الاعتقاد إلّا أنه انجر إلى أحكام الشريعة.
وقد أحسن الإِمام الشاطبي عندما بين أصول الفرقة الناجية وهي أهل السنّة والجماعة فذكر من هذه الأصول: أنه لا يتكلم في القرآن والسنة إلّا من هو عربي اللسان (٤). أما المنحرفون عن هذه الشريعة فيتكلمون فيها ولا يتبعون
_________________
(١) الرسالة: مسألة ١٧٨.
(٢) الاعتصام ١/ ٢٣٧.
(٣) الموافقات ٤/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٤) الاعتصام ٢/ ٢٩٧.
[ ٢٧٠ ]
لغة العرب بل تقودهم مسالكهم الفاسدة وتحف بهم العجمة من كل جانب ومن أمثلة ذلك:
١ - قول من زعم أنه يجوز نكاح تسع من النساء بدليل قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (١). لأنه جمع أربعًا إلى ثلاث إلى إثنتين فكانت تسْعًا.
والحق أن معنى الآية فانكحوا إن شئتم إثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا.
والقائل بنكاح التسع "لم يشعر بمعنى فعال ومفعل في كلام العرب، وإن معنى الآية فانكحوا إن شئتم اثنتين اثنتين، أو ثلاثًا أو أربعًا أربعًا على التفصيل لا على ما قالوا" (٢). ومثنى وثلاث ورباع ممنوع من الصرف على وزن فعال ومفعل، فثلاث معدولة عن ثلاثة ثلاثة، ومثنى معدولة عن اثنتين اثنتين، فتقول جاء القوم ثلاث ثلاث أي ثلاثة ثلاثة، ومثنى أي اثنين اثنين (٣).
قال ابن العربي المالكي مقصود الكلام ونظام المعنى فيه "فلكم نكاح أربع، فإن لم تعدلوا فثلاثة فإن لم تعدلوا فاثنتين، فإن لم تعدلوا فواحدة فنقل العاجز عن هذه الرتب إلى منتهى قدرته، وهي الواحدة من ابتداء الحل وهي الأربع ولو كان المراد تسع نسوة لكان تقدير الكلام فانكحوا تسع نسوة، فإن لم تعدلوا فواحدة وهذا من ركيك البيان الذي لا يليق بالقرآن" (٤).
٢ - قول من زعم أن الرجم ليس ممن قضى الله به لأنه ليس في كتاب الله. ففي الحديث الذي رواه عبيد الله أنه "سمع أبا هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبي - ﷺ - فقام رجل فقال: أنشدك الله إلّا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي قال: قل،
_________________
(١) سورة النساء: آية ٣.
(٢) المصدر نفسه ٢/ ٣٠٢.
(٣) شرح ابن عقيل ٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦ الطبعة السادسة عشر - دار الفكر ١٣٩٤ هـ.
(٤) أحكام القرآن ١/ ٣١٣ - وانظر تفسير ابن كثير ١/ ٤٥٠ - ٤٥١ وفيه نقل الأدلة من الأحاديث على منع الزيادة على أربع.
[ ٢٧١ ]
قال: إن ابني هذا كان عسيفًا على هذا فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم، فقال النبي - ﷺ -: والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله جل ذكره، المائة شاة والخادم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها" (١).
وقي هذا الحديث دلالة على أن الرجم ممن قضى الله به لقول النبي - ﷺ -: "لأقضين بينكما بكتاب الله" ومثله قوله تعالى:
﴿كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٢).
أي حكمه وفرضه الذي شرعه لكم وألزمكم به فلا تخرجوا عن حدوده وأمره الذي أمركم به، ولا تقربوا ما حرم عليكم (٣).
ولكن العجمة أهلكت هؤلاء فزعموا أن الرجم ليس في كتاب الله فلا يعتبر من شريعته، ولو علموا معنى الأقضين بينكم بكتاب الله" لما انحرفوا في تغيير هذه الشريعة وهي شريعة "الرجم" (٤) ولعلموا أن الله لما أرسل جبريل إلى محمد ﵉ أرسله بالوحي، فكما أن الكتاب وحي من الله وقضاء فكذلك السنّة وحي من الله وقضاء على ما بيناه فيما سبق (٥).
_________________
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ١٢/ ١٣٦ - ١٣٧ باب الاعتراف بالزنا. ومعنى "إن ابني هذا كان عسيفًا" أي أجيرًا. المصدر نفسه ١٢/ ١٣٨.
(٢) سورة النساء: آية ٢٤.
(٣) تفسير ابن كثير ١/ ٤٧٥، وجامع البيان ٥/ ٩.
(٤) الاعتصام ٢/ ٣١٥، وقد ذكر الشاطبي هذا المثال لبيان كيف أهلكت العجمة من ظن بنفسه القدرة على الاستدلال وهو يجهل لغة العرب، وهو كما قال، وأضيف أن هؤلاء هلكوا مهالك شتى منها ما ذكره الشاطبي ومنها أنهم لم ينظروا في السنة العملية لرسول الله وصحابته من بعده، فخالفوا الإِجماع وردوا المحكم من النصوص الآمرة باتباع الرسول وتعلقوا بالمتشابه فضلوا وأضلوا.
(٥) انظر ما سبق ص ٣٠ - ٣٢.
[ ٢٧٢ ]
٣ - قول من زعم أن شحم الخنزير حلال، لأن القرآن حرم اللحم دون الشحم: ولو سأل عن لغة العرب لعلم أن اللحم يطلق على الشحم (١)، فإذا حرم القرآن لحم الخنزير فقد حرم شحمه، بخلاف الشحم فإنه لا يطلق على اللحم (٢).
قال ابن العربي المالكي "وقد شغفت المبتدعة بأن تقول: فما بال شحمه بأي شيء حرم؟ وهم أعاجم لا يعلمون أنه من قال لحمًا فقد قال شحمًا، ومن قال شحمًا فلم يقل لحمًا " (٣). فالعجمة وهي عدم التمرس بلغة العرب وعدم الرجوع إلى أئمتها هو من الأسباب التي أدت إلى تغيير الأحكام كما هو واضح من هذا المثال.
ثم ذكر الشاطبي أمثلة أخرى متفرقة وعلق على بعضها بقوله: "فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله ﷾ وسنّة نبيه محمد - ﷺ - وأن ذلك يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، والصحابة رضوان الله عليهم براء من ذلك، لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلّم. فكل من اقتدى بهم في تنزيل الكتاب والسنة على العربية - إن أراد أن يكون من أهل الاجتهاد فهو -إن شاء الله- داخل في سوادهم الأعظم، كائن على ما كانوا عليه، فانتظم في سلك الناجية" (٤).
وقد استند الشاطبي على ما حرره الإِمام الشافعي في الرسالة حيث قال: " وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامتها لا يذهب منه شيء عليها ولا يطلب عند غيرها. ولا يعلمه إلّا من قَبِلَهُ عنها، ولا يشركها فيه إلا من
_________________
(١) تقول العرب رجل لحيم إذا كان سمينًا - مجمل اللغة ٨٠٤.
(٢) الاعتصام ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٣) أحكام القرآن ١/ ٥٤.
(٤) يقصد في سلك الفرقة الناجية وهي التي تكون على ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه - رضوان الله عليهم -. الاعتصام ٢/ ٣٠٤. ومع هذا الشرط شروط أخرى ستأتي الإِشارة إليها.
[ ٢٧٣ ]
اتبعها في تعلمه منها، ومن قبله منها فهو من أهل لسانها، وإنما صار غيرهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله" (١).
وقد علق عليه الشاطبي بقوله: "هذا ما قال ولا يخالف فيه أحد، فإذا كان الأمر على هذا لزم كل من أراد أن ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي به أُدّيت، وأن لا يُحَسِّنْ ظنه بنفسه قبل الشهادة له من أهل علم العربية بأنه يستحق النظر، وأن لا يستقل بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو من أهلها، فإذا ثبت على هذه الوصاة كان - إن شاء الله - موافقًا لما كان عليه رسول الله - ﵊ - وأصحابه الكرام" (٢).
وما زل أهل الأهواء - وفارقوا ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه - إلّا بتركهم لهذه الوصاة، فلم يطلبوا لغة العرب من عند أهلها العالمين بها، ولم يتبعوا معهود العرب في لسانهم، وحسّنوا الظن بأنفسهم، وأوقعوها في المسائل المشكلة فقالوا في الشريعة برأيهم لا بلسانها، فضلوا وأضلوا وخالفوا المسلمات في العقائد والأحكام .. وخالفوا مواطن الإِجماع من حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ومثل هذه الاستدلالات لا يعبأ بها ولا يعد خلاف أهلها خلافًا "وما استدلوا عليه من الأحكام الفروعية أو الأصولية فهو عين البدعة إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى" (٣).
إذا ثبت هذا فعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولًا وفروعًا أن يراعي ذلك، ويتق الله في نفسه وفي غيره، ولا يتكلم في الشريعة إلّا وقد تحقق من هذا الشرط مع الشروط الأخرى فإن لم يستطع فعليه بأخذ العلم عن الصحابة وأئمة السلف.
وحينئذ لن يتكلم في الشريعة أحد برأيه وإنما سيتكلم فيها بلسانها .. فقد
_________________
(١) الرسالة: مسألة ١٤٣.
(٢) الاعتصام ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٣) المصدر السابق ١/ ٢٣٨.
[ ٢٧٤ ]
وضعت هذه الشريعة على الدوام والثبات .. والتزم أصحاب النبي - ﷺ - اقتداء به - منهجًا للاستنباط منها يحفظ مقاصدها ويعرّف الناس بها ويحافظ على ثباتها، ويحول بين الناس وبين الإِحداث فيها وتغيرها.
ونختم هذا الموضع بذكر نصيحة الإِمام الشافعي للمسلمين عامة - نتبعها ما ذكرناه من وصاة الشاطبي تأكيدًا وإعانة على الخير وإيصادًا لأبواب الشبه التي أصابت كثيرًا من الناس بسبب غفلتهم عن تلك النصيحة، يقول الإِمام الشافعي: "وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره: لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها.
فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة: نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه، وترك موضع حظه، وكان يجمع مع النصيحة لهم قيامًا بإيضاح حق وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة للخير" (١).