التعليل بالحكمة (١) وأثره على ثبات الأحكام وشمولها
تبين لنا كيفية دلالة القياس على الثبات، وذلك لأن كلًا من الأصل وحكمه ثابتان وعلة الحكم ثابتة لأنها ظاهرة منضبطة، أما الحكمة فقد وقع الاختلاف بين الأصوليين في جواز التعليل بها، ويرجع خلافهم إلى سبب جوهري وهو كون "لحكمة" تارة تظهر وتنضبط وتارة لا تظهر ولا تنضبط، فمن اشترط ظهورها وانضباطها - كما اشترط في العلة - لم يعلل بها والحال عنده أنها لا تنضبط ومن لم يشترط علل بها أيضًا واكتفى بتضمين الحكمة لجلب المصلحة ودفع المفسدة، وهناك رأي ثالث ارتبط بظهور الحكمة وانضباطها أو عدم ذلك فإن ظهرت وانضبطت علل بها وإن لم تظهر وتنضبط لم يعلل بها.
وهذه الآراء الثلاثة لها تأثيرات على معنى الثبات والشمول في الأحكام التي يجري فيها القياس.
ولبيان صلة كل رأي بما نحن فيه أقول: إن منع التعليل بها مؤد إلى المحافظة على ثبات الحكم إذ أنه لا يقع حينئذ اختلاف ولا تغيير إذا لم نربط الحكم بها - وفي هذا سد للتعليل بها سواء انضبطت أو لم تنضبط.
_________________
(١) الحكمة هي الأمر المناسب الذي تضمنه الوصف الظاهر، فالعلة في قصر الصلاة هي السفر، والسفر هو الوصف الظاهر المنضبط الذي رُبط به الحكم - وهو القصر - وحكمته هي وجود المشقة فيه غالبًا، فإذا عمل المكلف بهذه الرخصة فإن الحكمة وهي جلب المصلحة ودفع المفسدة تتحقق له والمصلحة هي التيسير عليه، والمفسدة هي المشقة اللاحقة به، وسيأتي تفصيل مذاهب الأصوليين فيها إن شاء الله.
[ ٣٩٠ ]
وأما جواز التعليل بها مطلقًا انضبطت أم لم تنضبط فهو مؤد إلى توسع مفهوم الشمول ولكن في تغيير واختلاف في حالة عدم الانضباط.
وأما المفصلون وهم الذين منعوا التعليل بها إذا لم تنضبط، وأجازوه إذا انضبطت، فهؤلاء حافظوا على الثبات والشمول معًا في توازن مطلوب.
فإذا ربطنا بها الحكم في حالة انضباطها أكدنا مفهوم الثبات وهذه نتيجة لإلزام "الحكمة" بشروط "العلة" وهنا تحقق السلامة من الاختلاف والاضطراب الذي هو خصيم الثبات.
وإذا ربطنا بها الحكم في هذه الحالة أيضًا تحقق مفهوم الشمول حيث لم نقتصر على اتباع العلل فقط بل اتبعنا الحكم بشرط الظهور والانضباط ومنعنا اتباعها في عدم الانضباط فتحقق لنا مفهوم الثبات في الموضع نفسه.
وهذا الذي أقوله هنا لم أسبق به النظر في أدلة الأقوال الثلاثة وأرجح بمجرد النظر إلى المحافظة على الثبات والشمول، بل هو نظر بعد جمع أدلة الأقوال الثلاثة وتبين رجحان مذهب المفصلين، وإنما قدمت ما قدمت لبيان وجه الربط بين موضوع التعليل بالحكمة وبين قضية البحث، وسيتأكد ذلك عند شرح المقصود من الحكمة وبيان المذاهب الثلاثة وأدلتها ومناقشتها وبيان الراجح منها ومناقشة بعض المحدثين فيما نسبه إلى بعض الأئمة الأصوليين.
فإليك بيان ذلك بعدما تبين لنا كيف يتحقق ارتباط الثبات والشمول بالقياص سلبًا أو إيجابًا، وسيكون في مناقشة الأدلة على الطريقة الأصولية ما يؤكد الايجابية عند بيان الصواب أو يؤكد السلبية، فإلى بيان معنى الحكمة بالأمثلة مع عرض مذاهب الأصوليين، وذلك في فروع، وسنبين إن شاء الله أثر ذلك على الثبات والشمول.