الدليل الأول على ثبات الشريعة
قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢).
قال الإِمام ابن كثير -﵀- مبينًا معنى هذه الآية: "صدقًا فيما قال وعدلًا فيما حكم، يقول: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلّا عن مفسدة، كما قال تعالى:
﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣). إلى آخر الآية.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الأخرة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال عباده ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله" (٤).
وهذا الحق والصدق والعدل الثابت التام الذي لا مبدّل له والذي تمثله هذه "الشريعة الربانية" يقابله الضلال والظنون والباطل الذي تحمله شرائع
_________________
(١) أحكام القرآن ٢/ ٣ - ٤ لأبي بكر الجصاص - الطبعة الناشر.
(٢) سورة الأنعام: آية ١١٥.
(٣) سورة الأعراف: آية ١٥٧.
(٤) تفسير ابن كثير ٢/ ١٦٨ - ١٦٩، وانظر جامع البيان للطبري ٨/ ٩ - ١٠.
[ ١١٠ ]
البشر وأهوائهم. فبعد أن قرر الله سبحانه أن كتابه هو الحق الثابت الذي لا مبدّل له. بيّن سبحانه أن أكثر أهل الأرض لا يتبعون إلّا الظن والأوهام والباطل والضلال.
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (١).
وهذا الظن والوهم باطل وضلال لا قرار له ولا ثبات.
وترجم الأستاذ سيد قطب هذا المعنى في تفسيره فقال: "لقد تمت كلمة الله سبحانه صدقًا فيما قال وقرر، وعدلًا فيما شرع وحكم فلم يبق بعد ذلك قول لقائل في عقيدة أو تصور أو أصل أو مبدأ أو قيمة أو ميزان ولم يبق قول لقائل في شريعة أو حكم أو عادة أو تقليد
إنه ليس "المجتمع" هو الذي يُصْدر هذه الأحكام وفق اصطلاحاته المتقلبة ليس المجتمع الذي تتغير أشكاله ومقوماته المادية فتتغير قيمه وأحكامه حيث تكون قيم وأخلاق للمجتمع الزراعي، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الصناعي، وحيث تكون هناك قيم وأخلاق للمجتمع الرأسمالي البرجوازي، وقيم وأخلاق أخرى للمجتمع الاشتراكي أو الشيوعي ثم تختلف موازين الناس وموازين الأعمال وفق مصطلح هذه المجتمعات!
الإِسلام لا يعرف هذا الأصل ولا يقره .. الإِسلام يعين قيمًا ذاتية له يقررها الله - سبحانه - وهذه القيم تثبت مع تغيّر "أشكال" المجتمعات" (٢).
هذا هو الأصل الذي يقرره القرآن، وهذه هي العقيدة التي يتميز بها الإِسلام عن سائر المذاهب البشرية، وتتميّز به شريعته كذلك عن سائر القوانين
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٢/ ١٦٩ - آية الأنعام ١١٦.
(٢) في ظلال القرآن ٣/ ١١٩٥ - ١١٩٦، وانظر تفسير ابن القيم لمعنى التثبيت فيما سبق ص ٨٥.
[ ١١١ ]
البشرية إن البشر وهم يضعون الأحكام لا يدركون طبيعتهم ولا حقيقة الفطرة ولا حقيقة الإِنسان ولا حقيقة الكون ومن ثم تحملهم الظنون والأوهام فيضعون الأحكام التي تحكم الإِنسان والمجتمع على غير علم ولا بصيرة .. ويلجؤون أمام هذا الوهم والظن والجهل إلى تغيير هذه الأحكام وتبديلها حسب تغيّر نظرتهم للإِنسان وفطرته وُيصرّون على أن يدركوا حقيقة الفطرة وحقيقة الكون والحياة وهم لا يملكون القدرة على ذلك .. فلا يزالون يخرجون من قانون إلى قانون ومن فكرة إلى فكرة ومن مذهب إلى مذهب يتخبطون وتتخبط معهم مجتمعاتهم وتضطرب أفئدتهم ونفوسهم فلا يزالون منحرفين تلعب بهم رياح المذاهب المختلفة المتناقضة المضطربة المتبدلة المتغيّرة لا تأوي بهم إلى قرار ولا تخرجهم من حيرة ولا تمنعهم من شقوة.
والله العليم الخبير الحكيم الرحيم يدعوهم -وهو العليم بهم وبما حولهم من خلق السماوات والأرض- يدعوهم إلى الكلمة الثابتة والمنهج المستقر التام الذي شرعه الله لنفوسهم وعقولهم وأرواحهم وأبدانهم ومجتمعاتهم يكفل لهم ولفطرهم ولهذه الحياة والأحياء العدل والصدق في العقيدة والشريعة .. فلا ظنون ولا أوهام ولا جهل ولا ضلال ولا ضياع ولا تغيير ولا تبديل .. "وتمت كلمة ربك عدلًا وصدقًا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم".