معرفة مقاصد (١) الشارع
وهذه المعرفة هي التي تؤهل الناظر لدرجة الاجتهاد، يقول الإِمام السبكي: "المجتهد هو: "من هذه العلوم ملكة له وأحاط بمعظم قواعد الشرع ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع" (٢).
_________________
(١) المقاصد جمع مقصد، وتقول قصدت إلى الشيء إذا طلبته، وقصد في الأمر قصدًا توسط وطلب الأسدّ ولم يجاوز الحد، المصباح المنير ٦٠٨، فمقاصد الشارع مطالبه، وعلى المجتهد أن يتعرف عليها ليعمل بها ويقف عند حدودها وقد صنف في الباب الجويني والغزالي والعز بن عبدالسلام والقرافي وابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ولم يبلغ أحد منهم مبلغ الشاطبي في الموافقات فهو بحق فارس هذا الميدان لم يسبقه أحد في تقريرها كما قررها هو ولم يلحق به أحد بعده إلى الأن، انظر في هذا رسالة الدكتوراه: المقاصد في العقود ٧٣ وما بعدها للدكتور عثمان المرشد -قسم المخطوطات- جامعة أم القرى - المكتبة المركزية. وليس المقصود هنا تفصيل ما ذكره العلماء في باب المقاصد وإنما نريد بيان أهميتها في صحة الاجتهاد ووجه ارتباطها باشتراط العربية، وفيما سيأتي من الموضوعات أمثلة توضح ذلك في كل موضع بما يناسبه إن شاء الله.
(٢) حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/ ٣٨٣.
[ ٢٥٢ ]
والوسيلة التي يكتسب بها قوة يفهم بها مقصود الشارع هي جملة معارف أشار إليها الأصوليون (١).
فإذا اكتسب هذه المعارف كمعرفة الكتاب والسنة وقواعد الشريعة وأصول الفقه والعربية .. لكن لم يتمكن بعد اكتساب هذه المعارف من فهم مقاصد الشريعة لأن تلك المعارف لم تصبح له ملكة فإنه والحال كذلك لم يبلغ درجة الاجتهاد.
وقد تبين عند دراسة أثر العلم بالعربية على إدراك شمول وثبات الشريعة أن المقصود هنا هو تحقق الملكة لا مجرد الحفظ والنقل وكذلك القول عند ذكر الشرط الثاني وهو معرفة مقاصد الشريعة وقبل النظر في أثر علم المقاصد على إدراك ثبات وشمول الشريعة، نشير إلى وجه الربط بين اشتراط علم العربية وعلم المقاصد، ووجه الربط بيخهما: أن من اتبع معهود الأميين وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم علم أن العرب تجمع بين اعتبار المعاني واعتبار الألفاظ، ولا ترى للألفاظ تعبدًا بحيث تهدر معها المعاني، كما أنها لا تعتبر المعاني فقط وتهدر الألفاظ، بل تبني على أحدهما مرة وعلى الآخر مرة.
وقد استدل الإِمام الشاطبي على ذلك في كتابه الموافقات (٢) بأن العرب جرت في كلامها على الاستغناء ببعض الألفاظ عما يراد منها أو يقاربها في المعنى بشرط أن يستقيم المعنى وذلك يدل على أنها لا تعتبر الألفاظ وحدها وإنما تعتبر
_________________
(١) أشرت من قبل ص ٢٧٨ - ٢٤٥ إلى وجه الربط بين علم العربية وقواعد أصول الفقه. وذكرت من كلام الإِمام الشافعي في الرسالة ما يدل على ذلك، وهنا أشير إلى أن إدراك المقاصد فرع عن النظر في مجموع أدلة الكتاب والسنة والتمييز بين ما تصح نسبته إلى الشرع وبين ما لا تصح نسبته إليه، والنظر في مواضع الإِجماع واستعمال القياس، وهذا يؤكد ما قلته سابقًا من أن هذين الشرطين لهما من الأهمية المكان الأسمى، وذلك لتضمنهما لبقية الشروط ولأن تحققهما دال على وجود الملكة عند الناظر في الشريعة، فإذا علم مقاصد العربية ومقاصد الشريعة فقد حاز الملكة أحاط بالمفردات أم لا، وإذا لم يعلمهما لم يظفر بالملكة وإن حفظ من المفردات ما حفظ.
(٢) ٢/ ٥٦.
[ ٢٥٣ ]
المعاني مع مراعاتها للألفاظ بحيث إذا لم يجر المعنى على استقامة لم تستبدل لفظًا بلفظ آخر، فالعبرة عندها بمجموع الأمرين معًا ولا تلتزم أحدهما وتهمل الآخر والعبرة بمراعاتها هذا أو ذاك أو مجموعهما هو جريان المعنى على استقامة.
ولذلك أمثلة كثيرة في كلامها منها:
١ - ما حكاه ابن جني عن عيسى بن عمر وحكاه غيره أيضًا قال: سمعت ذا الرمة ينشد:
وظاهر لها من يابس الشخت واستعن عليها الصبا واجعل يديك لها سترا (١)
فقلت: أنشدتني من بائس، فقال: يابس وبائس واحد (٢)، فلم يعبأ بما بينهما من الاختلاف لما جرى معنى البيت على استقامة وكان صوابًا على كلا الوجهين.
٢ - وعن أحمد بن يحيى قال أنشدني ابن الأعرابي:
وموضع زير لا أريد مبيته كأني به من شدة الرّوع آنس
فقال له شيخ من أصحابه: ليس هكذا أنشدتنا "وموضع ضيق" فقال سبحان الله تصحبنا منذ كذا وكذا ولا تعلم أن الزير والضيق بمعنى واحد؟
٣ - ومن ذلك نزول القرآن على سبعة أحرف، وقد تفاوتت بعض القراءات وقرأ بها القراء - وهم يعتقدون أنهم قارئون للقرآن - وإن بدى بينها أول النظر اختلاف في المعنى - وسبب ذلك أنهم علموا أن الكلام جار على استقامة بحسب المقصود منه ومن أمثلة ذلك:
(أ) ﴿وما يخادعون إلّا أنفسهم﴾.
_________________
(١) البيت في ديوان ذو الرمة غيلان بن عقبة العدوي رقم ١٤٣٠ - شرح أبي نصر الباهلاني تحقيق الدكتور عبد القدوس أبو صالح ١٣٩٣ هـ من مطبوعات مجموعات اللغة العربية بدمشق، والشخت هو ما دق من الحطب، وظاهر لها أي أعنها باليابس منه، ويقصد "النار".
(٢) بائس بمعنى يابس، واليبس والبؤس واحد وانظر القصة في المصدر السابق رقم ١٤٣٠.
[ ٢٥٤ ]
﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١).
(ب) (لنثوينهم من الجنة غرفًا).
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ (٢).
وجميع ذلك لا تفاوت فيه من جهة المعنى بل هو جار على استقامة بحسب القصد الشرعي كما هو ظاهر من معنى الآيات، والقرآن في ذلك جار على معهود الأميين من العرب في اعتبار المعاني والمقاصد - دون أن ترى للألفاظ تعبدًا وإن كانت تراعيها والعبرة بجريان المعنى على استقامه (٣).
ولا يستقيم للمجتهد أن يدرك المعنى الشرعي للنص حتى يلاحظ مجموع
الأمرين معًا فلا هو يقف عند مجرد التعبد بالألفاظ فيفوته مقصد الشارع - الذي يعرف من مجموع نصوصه - ولا هو يتبع المقاصد في ظنه وإن خالفت النصوص فيهدر الألفاظ ولا يهتم بجريان المعنى على الاستقامة بل ينبغي عليه ملاحظة الأمرين معًا ولا يعكر على هذا المعنى ما قرره الإِمام الشاطبي في موضع آخر تسهيلًا منه لتحقيق مهمة الاجتهاد - إذا تعلق بالمعاني والمقاصد مجردة عن النظر في النصوص أومسلمة من المجتهد - كأن أدركها مترجمة له ففهم مقاصد الشريعة من وضع الأحكام وبلغ فيها رتبة العلم بها صح منه الاجتهاد وكذلك إذا أخذ الناظر المقيس عليه (٤) مسلمًا فإنه لا يحتاج إلى النظر في مقتضيات الألفاظ.
_________________
(١) سورة البقرة: آية ٩ - النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٠٧ - للحافظ ابن الجزري المتوفى ٨٣٣ طبعة دار الفكر أشرف على تصحيحه الأستاذ علي محمد الضباع.
(٢) سورة العنكبوت: آية ٥٨. المصدر السابق ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٣) الموافقات ٢/ ٥٦ - ٥٧ - ٥٨.
(٤) المقيس عليه هو الركن الأول في القياس ويسمى الأصل مثاله كون الخمر وهي المقيس عليه حرمت لأجل الإِسكار فهذا يعرف بالنظر في الألفاظ الشرعية التي حرمت الخمر، فإذا أخذ الناظر حكم المقيس عليه مسلمًا ثم قاس غيره عليه فإنه لا يحتاج إلى النظر في تلك الألفاظ الشرعية.
[ ٢٥٥ ]
وقد ضرب الإِمام الشاطبي لهذا النوع من الاجتهاد أمثلة: منها اجتهادات ابن القاسم وأشهب في مذهب مالك، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن في مذهب أبي حنيفة، والمزني والبويطي في مذهب الشافعي، فإنهم فرعوا المسائل على أصول المذهب على ما فهمه أئمتهم من ألفاظ الشريعة، وعملوا بمقتضى ذلك سواء خالفوا المذهب أم وافقوه، ويعلل الشاطبي صحة هذا النوع من الاجتهاد، بمجموع أمرين:
الأول: أنهم اعتمدوا على معرفتهم لمقصد الشارع من وضع الأحكام ولذلك حل لهم الاجتهاد.
الثاني: أنه لم ينكر عليهم أحد من أهل العلم .. وذلك دليل على صحة الاجتهاد منهم.
والنتيجة التي يصل إليها الشاطبي أن من بلغ في فهم مقاصد الشريعة مبلغهم صح الاجتهاد منه في هذا النوع المشار إليه، وإن لم يبلغ في كلام العرب مبلغ المجتهدين، وأما من بلغ في هذه مبلغهم فله الاجتهاد على الإِطلاق (١).
وإنما قلت أنه لا يعكّر على ذلك، لأن الجهة منفكة، ففي الموضع الأول: لم يكن أحد يستطيع أن يدرك لزوم اتباع المعاني والعلل والمقاصد وهو واقف عند حدود الألفاظ لا يتعداها، إلّا إذا سلم أن العرب الأولين -الذي نزل القرآن بلغتهم ومعهودهم- كانوا لايقفون عند حدود الألفاظ بل يعتبرون المعاني ويقدمونها مع مراعاة المحافظة على اللفظ.
ومن هنا كان وجه الربط بين إدراك وجوب اتباع المعاني وبين معرفة لغة العرب ومعهودهم وقد نزل القرآن بلسانهم. أما الموضع الثاني: فإن من أدرك معهود العرب من لغتهم وسلّم به فإنه قد لا يحتاج إلى لغة العرب في موضع من مواضع الاجتهاد فإذا أراد أن يعمل المقاصد -وقد علمها مجردة عن الألفاظ -كان ترجمت له أو أراد أن يعمل القياس- وقد أخذ المقيس عليه مسلمًا- فإنه
_________________
(١) الموافقات ٤/ ١٠٥ - ١٠٦.
[ ٢٥٦ ]
يستطيع أن يجتهد في مثل هذه المواضع دون الرجوع إلى مقتضيات الألفاظ كما قرر ذلك الإِمام الشاطبي.
وأنتقل بعد ذلك إلى أمر آخر يبدو لنا فيه بوضوح أثر اعتبار المقاصد والعلل على إدراك الشمول والثبات.
فقد احتد الخلاف بين أتباع الظواهر وأتباع المقاصد والعلل -وهم أصحاب الرأي- وقد عرض الإِمام ابن القيم ما يقارب مائة صفحة أو تزيد لمقابلة أدلة الفريقين بعضها ببعض - ونقتصر هنا على مختصر لتلك المناظرة الطويلة نعرضها هنا لا من كلام ابن القيم بل من كلام الشاطبي فإن كلامهما في هذا الباب بعضه من بعض (١) وإليك هذه المناظرة كما يعرضها الشاطبي والتي تظهر منها حاجة المجتهد لفهم المقاصد واتباعه لها لكي يدرك شمول الشريعة في غير ما إفراط ولا تفريط.
يتحدث -﵀- عن من اتبع المصالح وأعمل القياس على الإطلاق ومن خالف في ذلك بحيث أن كل واحد من الفريقين غاص به الفكر في منحى شرعي مطلق عام اطرد له في جملة الشريعة اطرادًا لا يتوهم معه في الشريعة نقص ولا تقصير بل على مقتضى قوله تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢).
فصاحب الرأي يقول: الشريعة جاءت بمصالح العباد في العاجل والآجل ودرءت عنهم المفاسد، دل على ذلك الاستقراء (٣) فكل نص جاء مخالفًا فليس بمعتبر وقد شهدت الشريعة بما يعتبر وما لا يعتبر على وجه كلي عام، فيعمل بهذا الكلي في مقابل ذلك النص الجزئي.
_________________
(١) محل المقارنة بين ما كتباه سيكون في فصل القياس وأثره على الثبات والشمول إن شاء الله.
(٢) سورة المائدة: آية ٣.
(٣) سيأتي إجراء الاستقراء عند دراسة موضوع القياس.
[ ٢٥٧ ]
والظاهري يقول: إن مصالح المكلفين تجري حسب ما أجراه الشارع لأن الشريعة جاءت للابتلاء، فإذا اتبعنا مقتضى النصوص تيقنًا من الإصابة وقد تعبدنا الشارع بذلك، وأما اتباع المعاني فرأي، ما خالف النص منه غير معتبر لأنه خاص مخالف لعام الشريعة (١).
وبعد أن عرض منهج الفريقين علق عليه بقوله: "فأصحاب الرأي جردوا المعاني فنظروا في الشريعة بها واطرحوا خصوصيات الألفاظ، والظاهرية جردوا مقتضيات الألفاظ فنظروا في الشريعة بها واطرحوا خصوصيات المعاني القياسية، ولم تتنزل واحدة من الفرقتين إلى النظر فيما نظرت فيه الأخرى بناء على كلي ما اعتمدته في فهم الشريعة" (٢).
والمنهج الوسط كفيل بمشيئة الله أن يؤدي إلى إدراك متوازن لمفهوم الثبات والشمول .. فلا يهدر المجتهد الألفاظ على حساب القياس واتباع المصالح .. ولا يهمل المقاصد ويجمد على الألفاظ، ولهذا يرى الإِمام الشاطبي أن الوقوف عند ما يريده كل فريق مؤد إلى إشكال في المسألة ويقرر وجوب الجمع بين مرادهما ليتحقق الاجتهاد بلا إشكال ولا احتمال، وذلك بأن "يخوض - الناظر - فيما خاض فيه الطرفان، ويتحقق بالمعاني الشرعية منزلة على الخصوصيات الفرعية، بحيث لا يصده التبحر في الاستبصار بطرف عن التبحر في الاستبصار بالطرف الآخر، فلا هو يجري على عموم واحد منهما دون أن يعرضه على الآخر ثم يلتفت مع ذلك إلى تنزل ما تلخص له على ما يليق في أفعال المكلفين" (٣).
_________________
(١) الموافقات ٤/ ١٥١ بتصرف بسيط في اللفظ.
(٢) الموافقات ٤/ ١٥١.
(٣) الموافقات ٤/ ١٥٢ وهذا يشمل أنواع الاجتهاد التي سبق الحديث عنها، ومن خاصية هذا المجتهد أمران: الأول: أنه يحقق المناط الخاص، بحيث يجيب كل مكلف على حالته على الخصوص. الثاني: أن يجيب ويعلّم ويربي وهو ملاحظ للمآلات، وهي ما يترتب على الجواب والفتوى من مصالح أو مفاسد. ومقصد الإِمام الشاطبي أن الناظر بعد أن يبدأ في تنقيح المناط أو تخريجه ملاحظًا الجمع =
[ ٢٥٨ ]
ثم قال عن هذه المنزلة -وهي الجمع بين المعاني وخصوصيات الألفاظ مميزًا لها عن الرتبة التي فيها الظاهري وصاحب الرأي- قال: "وهذه الرتبة لا خلاف في صحة الاجتهاد من صاحبها، وحاصله أنه متمكن فيها حاكم لها غير مقهور فيها ويسمى صاحب هذه الرتبة الرباني، والحكيم، والراسخ في العلم، والفقيه .. " (١).
وظاهر بعد هذا البيان أن من هو في هذه المرتبة من الاجتهاد محتاج إلى العلم بالعربية حتى يعرف مقتضيات الألفاظ فلا يهدرها، وإلى معرفة مقاصد الشريعة حتى يعرف مراد الشارع فلا يضيق سعة الشريعة، بل يدرك شمولها ويحققه في خصوصيات الوقائع ويحافظ على ثباتها فلا يهدر خصوصيات الألفاظ ولا يضيع مقاصدها ولايضرب بعضها ببعض فيقع في التغيير والتبديل، ولما تحقق لفقهاء الصحابة - رضوان الله عليهم - هذان الشرطان تحقق لهم بالتالي إدراك شمول الشريعة وتحقيقه في واقع الناس، وسيأتي معنا عند الحديث عن طرق الاجتهاد ومنها الحديث عن المصالح، وذلك في المسائل التي لم ينزل بخصوصها حكم معين مثل تضمين الصناع وقتل الجماعة بالواحد وجمع القرآن .. وكثير من أمثال هذه المسائل التي لم يقفوا أمامها دون نظر واجتهاد، بل نظروا في الشريعة معتبرين لمقاصدها غير مهملين لألفاظها فوجدوا ضالتهم وحققوا شمول الشريعة وحافظوا على ثباتها.
وهذا العمل استمر قائمًا في الأمة في جل أزمانها .. وما تزال في حاجة إليه لمعرفة مراد الله سبحانه، وعلى من تأهل للنظر أن يكون شديد الحرص على إتقان العلم بهذين الشرطين فإن إدراكهما هو السبيل الوحيد لإِدراك شمول الشريعة في خصوصيات المسائل وثباتها في توازن واتساق.
وأضيف هنا ما أشار إليه الدكتور المرشد من أن العلم بالمقاصد معين
_________________
(١) = بين المعاني وخصوصيات الألفاظ - أويأخذ ذلك مسلمًا ثم يبني عليه، بعد ذلك ينتقل إلى مرحلة تحقيق المناط الخاص ومراعاة مآلات الأفعال.
(٢) المصدر نفسه ٤/ ١٥٢، ١٥٣.
[ ٢٥٩ ]
للمكلف على ترتيب المناط الخاص ومعين للمجتهد لدفع التعارض الذي قد يتوهمه في بعض الأحيان، كما أن معرفتها طريق إلى معرفة حكم الشرع في آحاد أفعال المكلفين لا في باب واحد من أبواب الفقه بل في جميع الأبواب، فإن الشارع أراد من المكلف أن يجعل قصده موافقًا لقصد الشارع في جميع تصرفاته (١).
وأختم هذا الحديث عن المقاصد بأن العلم بها كما أنه هو الطريق إلى تحقق ملكة الاجتهاد كذلك هو الطريق لإدراك الإِعجاز التشريعي وسبب من أسباب زيادة الإِيمان (٢)، وبعد معرفة أهمية العلم بالمقاصد الشرعية واللغوية وأثر
_________________
(١) المقاصد في العقود ٥٦ - ٥٧ - ٦٢.
(٢) وأؤكد هنا أهمية العلم بالمقاصد في زيادة الإِيمان وهي من معنى قوله تعالى: ﴿فإذا تليت عليهم آياته زادتهم "إيمانًا" وعلى ربهم يتوكلون﴾ الأنفال - ٢، فالفقه بمقاصدها من أسباب زيادة الإِيمان، وأما القول بأن الإعجاز التشريعي - الذي تعتبر المقاصد مادته هو أصل لدعوة الكفار إلى الإِسلام بل هو أنفع من الإعجاز اللفظي والاستناد إلى أن القرآن يصل إلى أسماع أقوام كثيرين لا يقدرون على التعرف على الإِعجاز اللفظي، قول تحمل عليه حسن النية ولا تسعفه الحجة، والذي أريد مناقشته هنا هو كون الإِعجاز التشريعي أصل الدعوة إلى الإِسلام - وأسلم ابتداء بكونه طريقًا معينًا ومقويًا ومفيدًا .. أما كونه أصلًا فلا ذلك أن الإعجاز اللفظي له دلالة، والإِعجاز التشريعي له دلالة، ودلالة الأول تجعله أعظم وأنفع .. فإن دلالته تتضمن إثبات توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وهي أول ما يدعى إليها الكفار، بل هي الطريق المثمر .. وهي دعوة الرسل .. فإن الإنسان لايؤمن بأن الله هو إله لأنه حرم الخمر وهي مضرة، أو حرم الربا لأنه يجعل الأموال دولة بين الأغنياء ولا لأنه حرم كذا وأحل كذا .. فإن هذا لا ينفع الفطرة التي اجتالتها الشياطين، والفرض أن الفطرة التي نريد أن ندعوها للإيمان بالإسلام، في حاجة -لكي تؤمن بألله سبحانه- أن تدرك حقًا توحيد الربوبية وهي أن الله هو الخالق والرازق والمدبر والمتصرف والمهيمن وهو الذي بيده مقاليد السموات والأرض ودليل ذلك هو هذا الكون المخلوق والإنسان المخلوق .. وهذه هي طريقة القرآن، وهي طريقة ثابتة لأنها مبنية على اعتبار أن فطرة الإنسان إذا أوقظت تبين لها على وجه اليقين أن الخلق له دلالة حسية وهي أن من يُخْلَقْ لا يمكن أَنْ يَخْلُقْ .. وأنه لا بد له من خالق تظهر صفاته في هذا الكون فهذا الخلق يحتاج إلى قدرة .. فخالقه إله =
[ ٢٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = قادر .. ويحتاج إلى علم فخالقه إله عليم .. ويحتاج إلى إبداع وحكمة فخالقه مبدع حكيم .. ويحتاج إلى تدبير وتصريف وهيمنة فخالقه إله مدبر متصرف مهيمن ولا يمكن أن يقوم هذا الكون إلّا بإله واحد لا شريك له: ﴿لو كان فيهما آلهة إلّا الله لفسدتا﴾ الأنبياء - ٢٢ .. وهكذا على طريقة القرآن في الدعوة إلى الإِيمان .. هذا هو الأصل وهذه هي دلالة الإِعجاز اللفظي .. فهي إذا أشمل وأعمق من دلالة الإِعجاز التشريعي .. وطبيعة الدعوة في القرآن قائمة على هذا الاعتبار .. وثمرتها أن الإِسلام عقيدة وشريعة يفهمه السامع من أول الأمر ويدركه بلا لبس ولا غموض .. ونذكر بعض الأسباب الذي تؤكد هذا الذي نقوله:
(٢) إن الإقناع بمجرد الحكم -وهو الإِعجاز التشريعي- لا يقطع المحاجة والخصومة ولا يقطع النزاع، لأن المصلحة المرجوة جلبها من الحكم أو المفسدة المدفوعة في الغالب لا تكون خالصة كما قرره الشاطبي في الموافقات ٢/ ١٦ - ١٧ - ١٨. فإذا أراد الخصم أن يتعرض للحكمة بالتشويش أمكنه ذلك. أما اذا اعتمدنا طريقة القرآن التي أشرنا اليها آنفًا لم يمكنه ذلك لأن المطلوب منه الإِيمان، أدرك الحكمة أم لم يدركها.
(٣) إنّ هذا الطريق التي ترجى منفعته قد أدى خلاف ما ينتظر منه أصحابه فهل ضل كثير من المسلمين الا بتشويش الكفار عليهم من مستشرقين وغيرهم بحيث اعترضوا على كثير من الأحكام واتخذوها ذريعة لتشكيك المسلمين في دينهم.
(٤) ثم إذا سلمنا بأنه طريق عظيم من طرق الدعوة .. فماذا نصنع بالأحكام التي لم تُعرف حكمتها، كيف نقنع بها ما لم نحدثه عن دلالة الإِعجاز اللفظي.
(٥) ما يلزم على هذا الطريق من الحرج على الداعية والمدعو، أما الداعية فأنى له بالعلم بعلل الأحكام وحسن عرضها وقوة الدفاع عنها، ثم إذا أمكنه في كثير منها ثم طلب منه المدعو أن يبين سائرها فماذا يصنع، ثم إذا بين معظمها ثم كفر المدعو ولو بحكم واحد ولم تُبين له حكمته فأين يذهب جهد الداعي ؟ أما المدعو فالحرج يلزمه من أن هذا خلاف فطرته لأن القرآن يخاطب الفطرة من طريقين طريق الوجدان وما استقر فيه من الإقرار بأن الله هو الرب المعبود وطريق العقل على هذا الكون المفتوح .. وإذا أردنا منه أن يؤمن بالإسلام من خلال مخاطبته عن الإِعجاز التشريعي فإننا نقصره على منفذ واحد لفطرته وهو العقل .. ويا ليته على الكون المفتوح ولكنه على أحكام تظهر العلل والمقاصد في بعضها وتغيب في البعض الآخر ..
(٦) ثم إن تعليل الأحكام بالمصالح والمنافع والخير الدنيوي والتركيز على هذا الجانب معارض -عند المدعو- بواقع التطبيق المشوه للإِسلام، ومن هنا يَسهُل عليه رد هذا الأمر بل لا يحتاج إلى كثير عناء، وأما طريق القرآن الذي أشرنا اليه آنفًا فهو لا يحتاج إلى =
[ ٢٦١ ]
ذلك على تحقق الشمول والثبات .. ننتقل إلى الحديث عن ضوابط الاجتهاد لنتعرف على أثرها على الثبات والشمول، وسيتضح لنا بمشيئة الله صلة هذا المبحث بما قبله، ذلك أنه لا يقف المجتهد عند هذه الضوابط ويلتزم بها ما لم يدرك مقاصد الشريعة ومقاصد العربية، والتطبيقات التي سنذكرها تؤكد ما نقوله هنا.
فإلى المبحث الرابع بتوفيق من الله وعون، إنه جواد كريم.
* * *
_________________
(١) = واقع بل آمن الناس أول الأمر وليس أمامهم إلّا بيان التوحيد والتنفير من ضده .. مع ماصرة الفطرة أمام مشاهد الخلق .. وعرض الحق عليها باستمرار من طريقي الوجدان والعقل حتى تفيق وتؤمن .. وهذا الطريق ما زال هو الطريق الأعظم للدعوة إلى الإِسلام .. وهو الأصل والإِعجاز الشريعي فرع عنه وسبب في زيادة الإِيمان، وعلى هذا فإن من أدرك دلالة الإِعجاز اللفظي بنفسه أو بتعليم غيره له فقد بلغته الدعوة فإن آمن بمقتضى ذلك آمن بالإِعجاز الشريعي أدركه أو لم يدركه، وإنْ لم يؤمن بدلالةِ الإِعجازِ اللفظي لم يؤمن بالإِعجاز التشريعي، ولذلك ضمنت هذه الرسالة حديثًا عن دلالة الإِعجاز اللفظي الذي هو أصل دعوة الرسل في كل موضع يناسب ذلك ص ٢٢ لأن الثبات والشمول عقيدة ينبغي أن تستقر في قلب كل مسلم بحيث يعتقد اعتقادًا مجملًا أن هذه الشريعة تلزم الخلق ما عاشوا أبدًا وأنها تشملهم بأحكامها. وقد سبق ص ٤٤ ثم يتفاوت المسلمون في العلم بحقيقة ذلك ويبرز قدر أهل العلم -ومنهم المجتهدون- في إدراك الإِعجاز الشريعي تفصيلًا واستنباطًا .. والله أعلم.
[ ٢٦٢ ]